كُتّاب الموقع
السياسة الأميركية في الشرق الأوسط: تاريخ طويل من التضليل

العرب اللندنية

الجمعة 19 أيلول 2025

منذ عقود تتعامل الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط بخطاب مزدوج: وعود بالسلام مقابل دعم غير مشروط لإسرائيل. ولا تكمن المشكلة في قلة المعلومات، بل في الأكاذيب التي تبني عليها واشنطن سياساتها. فبينما تُسوِّق لنفسها كوسيط نزيه، تكشف الوقائع عن عجز متكرر في الفهم وإخفاقات متواصلة.
 
 منذ سنوات الحرب الباردة طوال النصف الثاني من القرن العشرين ظلت الولايات المتحدة لاعبا رئيسيا في جميع ملفات منطقة الشرق الأوسط، وأصبحت إما حليفا وصديقا وثيقا لبعض دوله، أو عدوا لدودا للبعض الآخر.
 
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي حسين أغا الأستاذ المساعد في كلية سان أنتوني بجامعة أوكسفورد سابقا، وروبرت مالي المحاضر في كلية جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل الأميركية، في تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” (الشؤون الخارجية) الأميركية إن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وعلى مدى عقود اعتمدت على الأكاذيب والتضليل أكثر مما استندت إلى الحقائق والشفافية.
 
ولم تتغير السياسة الأميركية في المنطقة عند التعامل مع الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة والتي تحولت إلى واحدة من أشد الحروب المعاصرة دموية.
 
وفي أي يوم من عامها الأول كان يمكن خروج مسؤول في إدارة الرئيس السابق جو بايدن لكي يقول إن وقف إطلاق النار بات وشيكا، والولايات المتحدة تعمل بلا كلل لتحقيقه، وتهتم بسلامة الإسرائيليين والفلسطينيين على حد السواء، وإن اتفاقية تطبيع تاريخية بين السعودية وإسرائيل على وشك الحدوث، وكل هذا مرتبط بمسار لا رجعة فيه نحو إقامة الدولة الفلسطينية.
 
مشكلة السياسة الأميركية هي أن صناعها يعرفون الكثير عن الشرق الأوسط لكن لا يفهمون إلا القليل منه
 
وللأسف الشديد لم يكن أي من هذه التصريحات يحمل أي ظل للحقيقة، واستمرت عمليات القتل ضد المدنيين الفلسطينيين دون أن تقوم الولايات المتحدة بالأمر الوحيد القادر على تحقيق وقف مستدام لإطلاق النار وهو وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل إذا لم يتم التوصل إلى وقف إطلاق النار. كما كانت هذه الخطوة أيضا الأمر الوحيد الذي كان من الممكن أن يظهر التزاما أميركيا بحماية أرواح الإسرائيليين والفلسطينيين على حد السواء.
 
وفي التحليل الذي جاء تحت عنوان “الأكاذيب التي تقولها الولايات المتحدة لنفسها عن الشرق الأوسط” قال أغا ومالي إنه كلما مر الوقت اتضح أن التصريحات الأميركية كلمات جوفاء، وقوبلت بعدم التصديق أو اللامبالاة. ومع ذلك لم تتوقف عن الإدلاء بها.
 
وهنا يبرز السؤال: هل صدق صانعو السياسات الأميركيون ما قالوه؟ إن لم يكن كذلك، فلماذا استمروا في ترديده؟ وإن كانوا كذلك، فكيف يمكنهم تجاهل كل هذه الأدلة الصارخة على كذب ما يقولونه؟
 
ووفرت الأكاذيب الأميركية غطاء لسياسة مكنت إسرائيل من شن هجمات شرسة على غزة، وأشادت بالتحسن البسيط والسريع في الوضع في القطاع الفلسطيني على أنه نتاج الإنسانية الأميركية. ثم تفاقمت وحشية إسرائيل في ظل إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، في حين كانت الأكاذيب السابقة قد مهدت الطريق أمام المزيد من الوحشية والمساعدة في تطبيع عمليات القتل العشوائية التي ترتكبها إسرائيل، واستهدافها للمستشفيات والمدارس والمساجد، واستخدام الغذاء كسلاح حرب، واعتمادها المستمر على الأسلحة الأميركية.
 
ولم يكن هذا القتل والموت تحت غطاء أكاذيب السياسة الخارجية الأميركية أمرا جديدا بالنسبة إلى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وإنما يمتد لعقود مضت تظاهرت خلالها الولايات المتحدة بدور الوسيط في حين أنها كانت متحيزة تماما لإسرائيل. كما كذبت عندما قالت إنها تساعد في بناء “عملية سلام” في حين كانت تساهم في إدامة الوضع الراهن وترسيخه بانحيازها الصارخ لإسرائيل.
 
ومع تزايد وضوح الأكاذيب وصعوبة تجاهلها، تضاءل النفوذ الأميركي. وأصبح الإسرائيليون والفلسطينيون وغيرهم من الأطراف الفاعلة في المنطقة يتجاهلون هذه المسرحية الهزلية الأميركية، تاركة وراءها التصريحات الأميركية الجوفاء عن حل الدولتين والسلام والديمقراطية والوساطة الأميركية -وكما في العقود السابقة، يلجأ الفلسطينيون المفتقدون للقيادة، والممتلئون بالغضب والرغبة في الثأر من الاحتلال الإسرائيلي، إلى أعمال عنف معزولة ضد الإسرائيليين، في انتظار اليوم الذي يتماسكون فيه بشكل أكثر تنظيما.
 
وكما كان الحال من قبل، تتحرك إسرائيل بلا قيود ولا عقال، لتقتل كل فلسطيني تراه صيدا للقتل، فعلت ذلك في السبعينات في عمان أو بيروت أو تونس أو باريس أو روما، واليوم في الدوحة وطهران.
 
وسيكون الأسوأ قادما لطرفي الصراع في حين لن تفعل الولايات المتحدة شيئا سوى تأمل الدمار الناجم عن الجولات المتتالية من الصراع.
 
والواقع والتاريخ يقولان إن السياسة الأميركية الفاشلة في الشرق الأوسط تمر بمراحل. أولاها النهج الخاطئ، وسوء فهم الموقف، والخطأ المتعمد أو غير المتعمد، كما هو الحال عندما يؤكد المسؤولون الأميركيون أن أفضل طريقة للتأثير على إسرائيل ليست بالضغط عليها، بل بالمزيد من الدعم لها.
 
وعندما يتدخلون بتهور في السياسة الفلسطينية، بهدف تنصيب مجموعة مفضلة من القادة “المعتدلين”، يصبح هذا الدعم الأميركي لهذه المجموعة بمثابة لائحة اتهام لها أمام الناخبين الفلسطينيين فتكون النتيجة فوز حركة حماس على حركة فتح الحاكمة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أجريت في عام 2006.
 
كما يخطئ المسؤولون الأميركيون عندما يستبعدون من عملية السلام القوى الأكثر قدرة على عرقلتها، أولئك من كلا الجانبين الذين، لأسباب دينية أو أيديولوجية، يشتركون في التعلق العميق بالسيطرة على كامل أرض فلسطين التاريخية من النهر والبحر، والذين سيعتبرون التخلي عن شبر منها تمزيقا مؤلما للوطن سواء كانوا المستوطنين والقوميين المتدينين الإسرائيليين أو اللاجئين والإسلاميين الفلسطينيين.
 
والحقيقة أن مشكلة السياسة الأميركية هي أن صناعها يعرفون الكثير عن الشرق الأوسط لكن لا يفهمون إلا القليل منه. وكان كبار مسؤولي الاستخبارات الأميركية قد أكدوا للرئيس الأسبق بيل كلينتون أن الزعيم الفلسطيني الراحل  ياسر عرفات لن يكون أمامه خيار سوى قبول مقترحات كلينتون خلال قمة كامب ديفيد للسلام، وأنه سيكون من الجنون عدم قبولها. لكن عرفات رفض هذه المقترحات، واحتفى به شعبه كبطل.
 
وأغفلت إدارة جورج بوش الابن مؤشرات واضحة تشير إلى فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، وأصرت على إجراء الانتخابات فكانت النتيجة فوز الحركة الراديكالية على أحزاب وحركات السلطة الفلسطينية.
 
وخلال إدارة بايدن، اعتمد المسؤولون الأميركيون على تقارير الاستخبارات لتقييم تفكير القادة الإيرانيين وموقفهم من الاتفاق النووي المقترح.
 
وتبين أن تقييماتهم، في الكثير من الأحيان، خاطئة. كما فوجئوا بالنصر الخاطف الذي حققته حركة طالبان بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وبهجوم حماس في 7 أكتوبر على إسرائيل.
 
ولم تكن هذه الصدمات نتيجة تحريفات متعمدة يتم فيها تشكيل المعلومات الاستخباراتية لتناسب أهواء المسؤولين -كما حدث عندما أخبرت وكالة المخابرات المركزية في عام 2003 الرئيس جورج دبليو بوش بما أراد سماعه: أن الزعيم العراقي صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل- وإنما كانت نتيجة ديناميكية أقل خداعا وغير موجهة لكنها لم تكن أقل غدرا وكذبا.
 
الأكاذيب الأميركية وفرت غطاء لسياسة مكنت إسرائيل من شن هجمات شرسة على غزة، وأشادت بالتحسن البسيط والسريع في الوضع في القطاع الفلسطيني على أنه نتاج الإنسانية الأميركية.
 
والمعضلة في هذه الحالات وغيرها لا تكمن أساسا في سوء تقدير الولايات المتحدة. فالخطأ في التقدير، أو إساءة فهم الديناميكيات الخارجية، أو إساءة فهم الجهات الفاعلة المحلية، أمر وارد. فبالنسبة إلى معظم صانعي السياسات، يعد هذا جزءا من عملهم.
 
أما الأمر غير المألوف، والأصعب تفسيرا، فهو وتيرة تكرار هذه الإخفاقات؛ وتكاثرها دون أن يؤدي ذلك إلى مساءلة شخصية أو مؤسسية، ولا حتى توبيخ خفيف لمرتكبي هذه الأخطاء، ناهيك عن إعادة تفكير حقيقية في آليات الوصول إلى هذه النتائج أو الفهم. كما تكمن المعضلة في مدى ضآلة قدرة الولايات المتحدة على التعلم من أخطائها. وهنا تكون النتيجة هي تكرار الفشل.
 
والأمر الأكثر إرباكا من الأخطاء أو تكرارها المستمر هو إصرار المسؤولين الأميركيين على ترديد الأكاذيب حتى بعد اكتشافهم للحقيقة، وبعد علمهم باكتشاف الآخرين لها. وهنا تأتي المرحلة الأخيرة من الفشل الأميركي وهي الكذب.
 
وتولد الكذبة من الفشل، وتزدهر مع تكراره. ويفعل صانعو السياسات الأميركيون شيئا يعتقدون أنه سينجح، ويكررونه حتى لو لم ينجح، ويزعمون أنه سينجح في حين يعلم الجميع أنه فاشل، ويعدون بهذا النجاح في الوقت الذي يفقد فيه الجميع صبرهم وإيمانهم بالدور الأميركي.
 
ومع الانفصال عن الواقع، تنحرف التصريحات إلى كلام متفائل. ليصبح الأمر أكثر من مجرد تضليل إعلامي، ويتحول إلى موقف متعمد، يكاد يكون إستراتيجيا، لنشر حالة من البهجة اللامحدودة، على عكس المنطق السليم والتجربة اليومية. فهذه هي الطريقة العفوية التي تقدم بها الولايات المتحدة باستمرار تصريحات متفائلة تتحدى كل الأدلة وتتناقض بشدة مع سجل مؤسف من الفشل والكذب.
 
ومع هذا التاريخ الطويل من الكذب على النفس وعلى الآخرين تعلم الحلفاء والأعداء في الشرق الأوسط على حد السواء كيف يتجاهلون مواقف ورأي الولايات المتحدة، رغم أن هيمنتها الاقتصادية والعسكرية في العالم والمنطقة لا تبارى. فالولايات المتحدة، بكل قوتها، كانت تواجه باستمرار تحديا من إسرائيل، بل حتى من الفلسطينيين في الكثير من الأحيان عندما تقدم أي مقترحات لتحقيق السلام، ثم تكتفي واشنطن بمشاهدة إحراجها.