كُتّاب الموقع
أوروبا تحشد خلف زيلينسكي لاحتواء تسوية غامضة مع روسيا

العرب اللندنية

الإثنين 18 آب 2025

في لحظة دبلوماسية شديدة الحساسية، يصطف القادة الأوروبيون خلف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مسعى لاحتواء تحركات أميركية – روسية غامضة، يُخشى أن تُفضي إلى تسوية تكرّس مكاسب موسكو على الأرض.
 
 في مشهد يعكس قلقا أوروبيا متزايدا من تحركات دبلوماسية غير واضحة المعالم، اصطف عدد من كبار القادة الأوروبيين أمس الأحد خلف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مؤكدين مرافقتهم له إلى واشنطن اليوم الاثنين، في خطوة تهدف إلى احتواء أي تسوية محتملة قد تبرم بين الولايات المتحدة وروسيا بمعزل عن شركاء أوكرانيا الغربيين.
 
وجاء التحرك الأوروبي مباشرة عقب القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، والتي خلت من أي إعلان رسمي أو توضيحات بشأن مستقبل الحرب في أوكرانيا.
 
ويثير هذا الغموض خشية أوروبية من احتمال وجود تفاهمات أولية بين الطرفين لا تصب بالضرورة في مصلحة كييف، خاصة في ظل تاريخ من التوجهات الانعزالية لترامب، وميله إلى إعادة تعريف التحالفات التقليدية للولايات المتحدة.
 
ويصف د. توماس فريدريكس، المحلل السياسي في مركز بروكنغز، هذا القلق بقوله “إذا مضى ترامب في تسوية منفردة مع بوتين، فهو لا يتفاوض كقائد لحلف الناتو، بل كمفاوض حرّ يبحث عن صفقة سياسية سريعة تحقق له نصرًا داخليًا. الأوروبيون محقون في القلق، لأنهم قد يجدون أنفسهم أمام اتفاق لا دور لهم في صياغته، رغم أنهم يتحملون كلفة الحرب الأكبر.”
 
تسوية ترامب قد تقوم على إعادة ترسيم النفوذ، بدلا من استعادة الأراضي الأوكرانية المحتلة
 
وأعلنت فرنسا وألمانيا وبريطانيا وفنلندا وإيطاليا، إلى جانب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مشاركتهم في زيارة رسمية إلى واشنطن برفقة زيلينسكي.
 
وقد تزامن هذا الحراك مع انعقاد مؤتمر عبر الفيديو لـ”تحالف الراغبين”، الذي يضم داعمي أوكرانيا، بهدف بحث مسألة الضمانات الأمنية لكييف، ومحاولة رسم إطار مشترك لأي اتفاق سلام ممكن.
 
وخلال مؤتمر صحفي في بروكسل شدد زيلينسكي على أنه لا يملك معلومات دقيقة عمّا دار بين ترامب وبوتين، لكنه أشار إلى أن ما نُقل إليه عن مقترحات ترامب الأمنية “يتجاوز أفكار بوتين”، في إشارة إلى دعم أقوى من المتوقع من جانب واشنطن. إلا أن الغموض ما زال يكتنف طبيعة الضمانات، خاصة مع اقتراح ترامب منح أوكرانيا حماية مشابهة للبند الخامس من معاهدة الناتو، دون انضمام فعلي إلى الحلف، وهو ما تعتبره موسكو شرطا جوهريا لأي تهدئة.
 
وتقول د. ندى ياسين، الباحثة في شؤون الأمن الأوروبي بجامعة برلين الحرة، “التحرك الأوروبي هو محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التأثير في مسار التفاوض. الجميع يدرك أن الوقت ليس في صالح أوكرانيا، لكنْ هناك إصرار أوروبي على عدم شرعنة الاحتلال الروسي تحت غطاء سلام سياسي.”
 
ويثير هذا الطرح -وإن كان يهدف إلى تهدئة الروس- مخاوف الأوروبيين من تحوّل في السياسة الأميركية نحو “سلام واقعي”، قد يكرّس مكاسب روسيا الميدانية مقابل وقف الحرب، وهو ما ترفضه كييف وحلفاؤها الأوروبيون الذين يرون في ذلك مكافأة غير مشروعة لموسكو على العدوان.
 
وتعزز هذه النظرة الخبيرة في العلاقات الأطلسية د. إليسا نيلسون بقولها “ما نشهده هو استباق أوروبي لمحاولة أميركية لعقد صفقة سريعة مع موسكو. الأوروبيون قلقون من أن ترامب يعيد رسم حدود الحرب الأوكرانية بما يتوافق مع رؤيته الخاصة للسلام، لا مع القيم الأوروبية أو مصالح كييف.”
 
وفي الوقت نفسه لمّحت مصادر دبلوماسية إلى أن ترامب أبدى انفتاحًا على مقترحات روسية تتعلق بتجميد خطوط الجبهة في مناطق مثل خيرسون وزابوريجيا، والسماح بتعزيز الوجود الروسي شرقي أوكرانيا، مقابل تفاهم أوسع بشأن إنهاء القتال.
 
واعتبر مراقبون أن هذه الخطوات قد تمهّد لتسوية تقوم على إعادة ترسيم النفوذ، بدلًا من استعادة الأراضي الأوكرانية المحتلة.
 
ويرى الجنرال المتقاعد ألكسندر بروك، المستشار السابق في الناتو، أن “اقتراح ضمانات أمنية من خارج الناتو يعكس رغبة في تحقيق توازن جيوسياسي دون التزامات جماعية ثقيلة. لكنه يمنح موسكو ما تريد: أوكرانيا محايدة خارج المنظومة الغربية، ما يعني عمليًا شرعنة نفوذها في الشرق الأوكراني.”
 
وفي المقابل جدّد زيلينسكي موقفه الرافض لأي تنازل عن الأراضي الأوكرانية، مؤكدًا أن يديه مكبلتان بالدستور الذي يحظر التخلي عن السيادة الوطنية، فيما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أن وحدة أراضي أوكرانيا “ليست محل تفاوض،” مرحبةً بما وصفته بعزم ترامب على توفير حماية فعالة لكييف، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن أي تسوية لا بد أن تمر عبر التنسيق الكامل مع الحلفاء الأوروبيين.
 
وبلغ القلق الأوروبي ذروته مع تسريبات عن احتمال عقد قمة ثلاثية بين ترامب وبوتين وزيلينسكي، وهو ما لفت إليه ترامب صراحة، مشيرًا إلى أنها قد تنعقد “إذا سارت الأمور على ما يرام” خلال لقائه بزعماء أوروبا الإثنين. إلا أن زيلينسكي بدا متشككًا حيال انعقاد هذه القمة في المرحلة الحالية، مؤكدًا أن روسيا لم تُظهر أي مؤشرات إيجابية تدل على رغبتها الجادة في إنهاء الحرب بشروط عادلة.
 
أما ميدانيًا فلا تزال القوات الروسية تسيطر على نحو 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، مع استمرار التصعيد العسكري، حيث شنّ الطرفان هجمات بالطائرات المسيّرة خلال عطلة نهاية الأسبوع، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، ما يُضعف فرص تحقيق تهدئة فورية.
 
ويقول هانس بويتر، المحلل في معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، “الضمانات الأمنية من خارج الناتو ستظل حبراً على ورق ما لم تكن مشفوعة بالتزامات واضحة بالتدخل. ما تخشاه كييف هو أن تتحول المبادرة إلى صك استسلام سياسي يتم تغليفه بشعارات براقة.”
 
ومع احتدام الجبهات عسكريا، وسعي واشنطن إلى تسوية سياسية مبنية على توازنات القوة الحالية، يبدو أن أوروبا تحشد خلف زيلينسكي ليس فقط لإبداء الدعم، بل للدفاع عن مقاربة تؤمن بأن أي سلام لا يقوم على السيادة الكاملة لكييف هو بمثابة انتكاسة إستراتيجية للغرب كله.