كُتّاب الموقع
لبنان وتحديات ترسيم الحدود: من سايكس – بيكو إلى حرب الإسناد

إبراهيم الرز

الإثنين 11 آب 2025

يشكل ترسيم الحدود اللبنانية البرية مع سوريا وإسرائيل مسألة قانونية معقدة، إذ تتداخل فيها الاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة والخرائط التاريخية، مع الواقع السياسي والأمني المتشابك في المنطقة. 
 
وعلى رغم وجود اتفاقات تعود إلى بداية القرن العشرين، فإن غياب تثبيت الترسيم بصيغة رسمية ونهائية لهذه الحدود ترك مساحة كبيرة للاختلافات والتنازع القانوني بين الأطراف المعنية، ما أدى إلى تأجيل الحلول العملية وإطالة أمد النزاعات. وبفعل غياب الموقف الرسمي الواضح والآليات التنفيذية الدولية الملزمة لعقود، بقي ملف الحدود عالقاً بين القانون والواقع، ما يفرض على لبنان البحث عن حلول قانونية دقيقة ومستندة إلى الوثائق الدولية، كخطوة أساسية نحو تأمين سيادته وحفظ استقراره.
 
 
أولاً: الحدود اللبنانية – السورية… تاريخ متشابك وسياسة مؤجلة
 
تعود جذور المسائل الحدودية براً بين لبنان وسوريا إلى الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. فمع توقيع اتفاقية سايكس – بيكو في العام 1916، تم تقسيم النفوذ بين فرنسا وبريطانيا في المشرق العربي، لتبدأ لاحقاً المفاوضات بين سلطات الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا من جهة، والانتداب البريطاني على فلسطين من جهة أخرى، من أجل ترسيم حدود إدارية لم تكن في حينها مرسّمة بدقة.
 
هذه الحدود استمرت لسنوات طويلة أقرب إلى "خطوط فصل إدارية" منها إلى حدود دولية مكتملة المعالم، بحكم وحدة الإدارة الفرنسية بين لبنان وسوريا، ثم بحكم العلاقات السياسية والأمنية التي جمعت البلدين بعد الاستقلال. ومع دخول لبنان مرحلة الحرب الأهلية عام 1975، زاد الأمر تعقيداً وجود الجيش السوري على أرضه بين 1976 و2005، ما أرجأ ملف الترسيم إلى أجل غير مسمّى.
 
مع وجود نظام الأسد في الحكم في سوريا، لم يكن من أولويات دمشق أن تحسم مسألة الحدود، بل أبقت على ضبابيتها كأداة نفوذ للتدخل في السياسة اللبنانية. وحتى بعد اتفاق الطائف في العام 1989، الذي نصّ في أحد بنوده على احترام الحدود الدولية، ظل التنفيذ معطلاً بفعل السيطرة السورية على القرار اللبناني حتى الانسحاب العسكري السوري.
 
وفي مرحلة ما بعد الانسحاب، طُرحت دعوات متكررة لترسيم الحدود، خصوصاً في سياق القرارات الدولية مثل القرار 1680 الصادر عن مجلس الأمن في العام 2006. لكن النظام السوري بقي يرفض أي خطوة عملية، مفضلاً التعامل مع الأمر كمسألة "شقيقة" لا تحتاج إلى ترسيم رسمي، لا سيما أن عدداً لا يستهان به من القرى الحدودية تتداخل أراضيها بين لبنان وسوريا. حتى إن بعض المنازل لها مدخلان الأول لبناني والثاني سوري. كما أن إحدى القرى اللبنانية في قضاء بعلبك لا طريق إليها إلا عبر الأراضي السورية. لكن واقع الحال كان يشي بوجود نقاط خلافية أساسية، أبرزها في منطقتي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ومعبر جوسيه – القاع، ومنطقة وادي خالد.
 
يقول الدكتور عصام خليفة في حديث إلى "المدن"، حول ترسيم الحدود اللبنانية – السورية: "هناك وثائق عدة وخرائط رسمية معتمدة دولياً يمكن استخدامها كمرجعية أولية في عملية الترسيم، وأولها محاضر التحديد والتحرير، حيث يجتمع القضاة اللبنانيون مع نظرائهم السوريين، ويقدّم كل فريق الوثائق الخاصة به، ثم تُنظَّم محاضر بذلك.
 
النوع الثاني هو الاتفاقات، وغالباً ما تكون مرفقة بخرائط رسمية. وهناك أيضاً مناطق جرى ترسيمها ميدانياً، مثل منطقة النهر الكبير الشمالي، وكذلك منطقة شبعا التي يوجد لها ترسيم بخريطة واتفاق خطي.
 
لكن المشكلة أنّ هناك 36 نقطة خلافية بين لبنان وسوريا. وقد وصل الطرفان سابقاً إلى مرحلة تحديد النقاط الأساسية والثانوية، ولو توافرت النيات السليمة، لكان يمكن إنجاز الترسيم من دون عقبات كبيرة."
 
 
ورقة توم براك… مقاربة جديدة للترسيم مع سوريا
 
مع سقوط نظام الأسد في سوريا ودخولها في مرحلة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، عاد ملف الحدود إلى الواجهة بقوة، وجرى تحرك ملموس نحو الترسيم. واستعاد لبنان وثائق فرنسية أرشيفية تتعلق بتخطيط الحدود، بموجب وعد من الرئيس الفرنسي.
 
ومن المفارقات أن يقول مسؤول أميركي، لأول مرة، إن الغرب ظلم المنطقة في اتفاقية سايكس- بيكو. وهذا ما اثار المخاوف، لأن خرائط ما قبل سايكس- بيكو ليست بالضرورة كما يتصورها الحكام.
 
في آذار 2025، جرى توقيع اتفاقية أولية بين وزيري الدفاع اللبناني والسوري في السعودية لإنشاء لجان فنية هدفها معالجة ترسيم الحدود وتعزيز التنسيق الأمني. واليوم، تبنّت الحكومة اللبنانية أهداف "ورقة توم براك" التي تشمل خطة لترسيم الحدود اللبنانية–السورية برّاً وبحرًا، وإنشاء لجنة ثلاثية (لبنان، سوريا، الأمم المتحدة) بدعم غربي–عربي، إضافة إلى برنامج مشترك لمكافحة تهريب المخدرات، خصوصًا الكبتاغون، يشمل عمليات لبنانية-سورية مشتركة وتمويلاً أوروبيًا وأميركيًا لتطوير قدرات الجيش وقوى الأمن. وهذا الطرح شكّل تحولاً في التعاطي الرسمي اللبناني، إذ للمرة الأولى يتم ربط ملف ترسيم الحدود مع سوريا بخطة عمل دولية، لا بمجرد إعلان نوايا أو لجان غير فاعلة. لكن التحديات ما تزال كبيرة، خصوصاً أن الوضع السوري الداخلي لا يتيح بسهولة اتخاذ قرارات نهائية، فضلاً عن حساسية الملف سياسياً وأمنياً.
 
ويضيف الدكتور خليفة، من الناحية الإجرائية والقانونية: "التسلسل الأمثل لخطوات الترسيم بين لبنان وكل من سوريا وإسرائيل يبدأ بتطبيق قرارات مجلس الأمن، فيقوم كل من سوريا ولبنان بتحضير وفده، وتقيم وزارة الخارجية اللبنانية خلية أزمة لمكننة الوسائل والخرائط المتعلقة بالمفاوضات مع سوريا، ومكننة تلك المتعلقة بالحدود الجنوبية، ولاسيما مزارع شبعا. وفي العام 2006، قدمنا خطة ومذكرة ووثائق حصلتُ عليها من مدينة نانت في فرنسا، لكن الملف بقي في الأدراج حتى اليوم."
 
ويتابع: "الخطوة التالية هي المسح الميداني على الأرض، ويتبعه تحديد النقاط الحدودية على الخرائط بشكل متفق عليه، ثم توثيق النتائج لدى الجهات الدولية المختصة. وفي حالة الحدود مع سوريا، العقبة الأساسية ليست في تسجيل الحدود لدى الأمم المتحدة، بل في غياب الإرادة السياسية السورية، ووجود مماطلة تمنع التقدم في هذا الملف."
 
 
ثانياً: الحدود اللبنانية – الإسرائيلية
 
أما على الجبهة الجنوبية، فقد بدأت الحدود اللبنانية – الفلسطينية بالظهور بصيغتها الحديثة في عشرينيات القرن الماضي. فبعد اتفاقيات الانتداب، تم رسم خط فصل بين لبنان وفلسطين الانتدابية في العام 1923، وهو ما اعترفت به عصبة الأمم كحد دولي. ومع قيام دولة إسرائيل في العام 1948 واندلاع الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى، أصبحت هذه الحدود خط مواجهة عسكرية.
 
وفي العام 1978، اجتاح الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار القرار 425 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل واحترام الحدود الدولية. لكن الانسحاب لم يتحقق بالكامل إلا في أيار 2000، حين أعادت الأمم المتحدة تحديد "الخط الأزرق" كخط انسحاب لا كحد دولي جديد. ومع ذلك، بقيت خمس نقاط أساسية موضع خلاف، أبرزها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، التي تقول الأمم المتحدة إنها أرض سورية تحتلها إسرائيل، بينما يؤكد لبنان أنها أرض لبنانية.
 
يؤكد خليفة أن اتفاقية الهدنة الموقَّعة في العام 1949 بين لبنان وإسرائيل، والمرفق بها خريطة رسمية، هي المرجعية الأساسية لترسيم الحدود البرية. وهذا هو نفسه خط بوليه- نيوكمب. وهذه الاتفاقية، التي وُقعت في 15 كانون الأول، حدّدت 14 نقطة حدودية بخريطة مرفقة وموقعة من ضابطين: اللبناني أسكندر غانم والإسرائيلي فريد لندر. ويشير خليفة إلى أن هذا الاتفاق والخريطة الملحقة وترسيم الحدود لاحقاً هي الأساس، والخلط بين "الخط الأزرق" وخط الهدنة أمر مضلل.
 
في تموز 2006، أدت حرب الثلاثة والثلاثين يوماً إلى صدور القرار 1701 الذي عزز دور قوات اليونيفيل ووسع نطاق انتشارها. لكن الخط الأزرق ظل يشهد خروقات متكررة من الطرفين. ومع اندلاع "حرب الإسناد" الأخيرة التي انتهت قبل سنة، بات واضحاً أن أي تسوية أمنية دائمة تحتاج إلى مقاربة شاملة للحدود، خاصة مع احتفاظ إسرائيل بالتلال الخمس التي احتلتها، وارتباط أي حديث عن ترسيم الحدود البرية مع لبنان بتسليم سلاح حزب الله أولاً.
 
وفي الخلاصة، يشكل ترسيم الحدود اللبنانية مع سوريا وإسرائيل تحدياً قانونياً وسياسياً يعكس مدى تعقيد الوضع الإقليمي وموازين القوى في المنطقة. فغياب الإرادة السياسية لدى بعض الأطراف، إلى جانب المصالح الأمنية المتشابكة، يعرقل التوصل إلى اتفاقات واضحة ونهائية. وعلى رغم ذلك، إن الاعتماد على الوثائق والخرائط التاريخية والالتزام بالقوانين الدولية يشكلان الأساس القانوني لأي حل مستدام. وتبقى الخطوات العملية في الترسيم رهينة بالظروف السياسية والواقعية الميدانية، ما يحتم على لبنان مواصلة العمل لاستعادة حقوقه وحماية سيادته، وسط البيئة الإقليمية المعقدة والمحفوفة بالتحديات.
 
 
المصدر: المدن