كُتّاب الموقع
منصور عازار: أسس مجلة المنبر ومكتب الدراسات العلمية ودعم "تحولات" فكانت الثقافة سلاحه في رسم صورة لبنان الثقافي النهضوي في الاغتراب

خاص - مؤسسة الدراسات العلمية

الأربعاء 2 نيسان 2025

بعد خبرة طويلة في الاغتراب اللبناني في غربي أفريقيا منذ شتاء 1946، اختبرت قوة هذا الاغتراب وانتشاره وعرفت ما لديه من إمكانات وموارد لو أُحسن استغلالها، لكان عملاقاً دولياً وعالمياً، والأهم أن يكون قوة تغيير عظيمة لواقعنا القومي فيدفع التنمية أشواطاً إلى الأمام بما لا يُقاس عما هو الواقع حيث لم يوظف الاغتراب توظيفاً حسناً كما هو حاصل سابقاً وما زال قائماً إلى الآن. بل على العكس مما نتمنى يتردى الاغتراب في واقع تعيس، فبدلاً من أن يكون قوة إنقاذ أصبح عبئاً يضاف إلى الأعباء الوطنية العامة التي ينبغي إصلاحها بحكمة وبحزم ليكون لدينا نهضة وطنية. بعد أن تمكن الطائفيون من اختراق المغتربات وتسميم أجوائها بالنعرات والحزبيات الطائفية والولاءات الفئوية والمشاحنات السياسية، فتضاءل الانتماء الوطني، أمام الانتماء الطائفي وتشتت حتى كاد يضمحل فأصبحت الجاليات ميدان انقسام عميق وخطير يهدد مصيرها قومياً.
 
 
رأيت أمام هذا الواقع، أنه علينا واجب قومي كبير وهام، هو وضع خطة منظمة معاكسة تعيد الاغتراب إلى سكته الوطنية الصحيحة، وتواجه تلك الانتماءات ومشاريعها الطائفية بوعي قومي وإيمان وطني مسؤول. رأيت أنه لا بد لتلك الخطة من إعلام وتواصل يجمع المغتربات ويفتح بينها المسافات ومساحات الحوار والتفاعل البناء.
 
 
المنبر
 
حينذاك كانت الصحافة الورقية في أوج مجدها الذهبي، ولها قراؤها ومتابعوها وأقلامها وشرائحها وحضورها الفكري والشعبي والجماهيري الواسع. 
 
 
قلت أؤسس مجلة شهرية راقية، جميلة، أرعاها كمشرف عام وممول وأضع الخطة العامة لسياستها ونهجها، ويقوم على إدارتها وتنفيذها وتحريرها، كوكبة من نخبة أقلامنا في الوطن، الذين كانت أسماؤهم قد انتشرت وأصبح لهم حضور لافت في أوساط المغتربين وبين المقيمين أيضاً.
 
 
وبعد أخذ ورد في التسمية، استقر الرأي على تسمية "المنبر"، لتكون "المنبر" منبرنا الاغترابي الذي ينقل موقفنا ورأينا ويعرف المغتربين إلى هموم الوطن ومشاكله ويشركهم فيها، كما يشرك الوطن في مشاكل المغتربين وتحديات الاغتراب ويطلع شعبنا المقيم والمغترب على واقع هذا الاغتراب، وتكون منبرنا للحوار بين آراء عدة متباينة لكنها البحث عن الأفضل واقتراح حلول للعوائق التي تعيق تقدمنا ووحدتنا ونهضتنا. فكانت "المنبر" إطلالتنا الإعلامية والفكرية على الوطن وعلى المغتربات، إطلالة لافتة وراقية ومرموقة، واستحقت تقدير كل من اطلع عليها واشترك فيها وساهم بها. 
 
 
ورب ضارة نافعة. كانت الحرب قد ذرت قرنها في ربوع لبنان، فرأى الشباب أنهم لو بقوا في الوطن لتعرضوا لمخاطر جمة تعيق تخصصهم وعملهم، بينما لو سافروا إلى خارج لبنان لربما أكملوا تخصصهم أو توفرت فرص عمل مرموقة لهم، وفضلاً عن هذا ابتعدوا عن خطر الحرب الذي يهدد سلامتهم الشخصية.
 
 
هكذا تجمعت في باريس نخبة من أقلامنا: جان داية، نصري الصايغ، سركيس أبو زيد، حسن حمادة وغيرهم، اعتمدت على هذه النواة للانطلاق في مجلس التحرير لمجلة المنبر.
 
 
في هذا الوقت تعرفت إلى فنان بارع، هو بشار العيسى، مخرج من سورية، أتى إلى باريس. وبعد تعارفنا واطلاعنا على كفاءته، تولى الجانب الفني من "المنبر"، وأخرج "المنبر" من أعدادها الأولى حتى توقفت عن الصدور لسنوات طويلة. وكان بشار مع كل عدد جديد تطل المنبر من بين يديه أيقونة مدهشة، حتى أصبحت مطلوبة ويكثر قراؤها ومعجبوها. فمع فريق محررين وكتاب ومحللين متميزين ومخرج عبقري وإرادة تصميم عندي وهدف واضح اكتملت معطيات النجاح لـ"المنبر".
 
 
بعد توفر فريق العمل التحريري والفني، توليت الإشراف العام على "المنبر"، بينما تولت ابنتي هادية الإشراف الإداري بإدارة مكتب المجلة في باريس وعبره تتابع المهمات والكتاب والتقارير والملفات وتجمع المواد التحريرية لكل عدد وتشرف على الإخراج، بحيث غدت صمام ديمومة المنبر وعصبها الأساس.
 
 
هكذا كان لا بد من تسجيل "المنبر" في باريس، ليغدو عملها حسب القوانين الناظمة للعمل الصحافي في فرنسا، كما سجلتها في غانا ولاغوس في نيجيريا وبيروت في لبنان ولندن في بريطانيا.
 
 
لم تكن "المنبر" مجلة كباقي المجلات: كمجلة حافزها تسويق المواقف والأشخاص والسياسات وهدفها الربح وجمع الثروات ومراكمة المكاسب. كانت قواعد عملها غريبة عن صحافتنا كلها عن الصحافة السائدة حينذاك والممتدة إلى الآن. كانت مجلة لا تبغي ربحاً مادياً تعمل لوجه الوطن وحده والأمة وحدها. وتعالج الأحداث والقضايا والمواقف بمعايير قومية ووطنية سليمة. تحاول رتق ما مزقه الطائفيون. استطاعت أن تقدم النموذج وصمدت سنوات طويلة لكنها لم تستمر. ربما لأنها لم تتحول مؤسسة تتعدى الأفراد واستطاعتهم.
 
 
انتظمت "المنبر" مجلة شهرية، تصدر من باريس وتوزع في معظم دول الاغتراب وفي لبنان كذلك، حتى اكتمل عدد إصداراتها 100 عدد شهري، منها أعداد خاصة بكل بلد، يعرف عنه ويتضمن مقابلة مع رئيس البلد وأهم صنعاته وزراعاته ومزياه والانتشار الاغترابي فيه ومكوناته السكانية.
 
 
استمرت "المنبر" تصدر من باريس حتى العام 1994، حيث نقلت مكاتب إدارتها إلى بيروت، شارع الحمراء بالتحديد، في بناية سارولا حيث كان عندي مكتب فيها، فعادوت الانطلاق.
 
 
في مرحلة بيروت عاونني في إصدار "المنبر" السيد مالك شلهوب، وهو اليوم أحد أعمدة ذاكرة الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، والسيد وليد بركات الذي انطلق في العمل الصحافي حينذاك مع المنبر، ومن ثم توسع إلى العمل السياسي. 
 
 
بعد أعداد عدة أصدرناها من بيروت، توقفت "المنبر" عن الصدور بعد أن حاولت أن تؤدي رسالتها الإعلامية، وبعد أن تبلورت معطيات عدة أسهمت في خيار توقفها وانعدام الجدوى تقريباً من المتابعة في النمط نفسه.
 
 
وكتب الفنان بشار العيسى من باريس، مخرج مجلة "المنبر" سابقاً طيلة فترة صدورها، شهادة في مجلة المنبر، عنونها "المنبر مجلة ورسالة"، يستذكر التجربة ويقومها بعد حوالي عقدين من الزمن، فكتب:
 
 
"باريس منتصف الثمانينيات، أصبحت ملجأ العرب بامتياز، بعدما صرخوا طويلاً: "ديغول خبّر دولتك، باريس مربط خيلنا".
 
 
إلى باريس غادر المثقفون العرب الذين آوتهم بيروت طويلاً وسبقهم إليها اللبنانيون، وإليها قدمت مؤسسات استثمارية وإعلامية وثقافية عربية ولبنانية بعدما دخلت بيروت سنة 1982 عصر ما بعد الاجتياح الإسرائيلي وخروج الفلسطينيين ومعهم العرب منها. وفيما كانت بيروت المدينة تلملم جراحها و"سعودي أوجيه" تزيل ركام الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي ودماره من شوارعها وتزيل من أزقتها الخنادق وصور ولافتات الجيوش المحلية الطائفية والغرباء، كان اللبنانيون الذين غادروا هرباً من الاجتياح ومن الحرب يعيدون بحيوية تلوين المهجر العربي في باريس وينظمون صفوف غربتهم، ويدملون بالحيوية والكلمة المجاز جراحهم كما عودوا العرب طويلاً على ضيافة الكلمة والثقافة الحرة.
 
 
من بين هؤلاء اللبنانيين رجل لا يشبه غيره، ولم يتعرف عليه الإعلام اللبناني والعربي، وجَهَله المثقفون اللبنانيون من جيل الحرب الأهلية.
 
 
رجل أعمال قادم من النجاح الصناعي ومن عراقة فكر نهضوي قومي اجتماعي، ما كاد أن يغادر السرير الذي تفرّغ فيه لقلبه حتى نهض بعزيمة معلّمه ولسان حاله يقول "حان وقت الجدّ إنه الأمر" ليعود الى ساحة الشباب مستثمراً فكرياً ورجل إعلام لإعادة الأمل والثقة بعقيدة ونهضة أمة.
 
 
من غرفة في المستشفى ربما، قرّر الرجل "منصور عازار" إطلاق فكرة المنبر الرسالة، من أجل ثقافة النهضة، ثقافة البناء العقلي، أو بالأحرى إعادة حكاية السوري المتجدد بالعودة التي تعاكس الاغتراب، العودة الى الجذور، الى إعادة الحياة والعمل بالعقل والوعي فطالما أن شرايين القلب تدفقت بالدم مرة أخرى وها هو "الفينق" السوري يعود من جديد ينفض الرماد ليبني حقيقة تكاد تُطمَر، كما حلم قبله المعلم "سعاده" من مهجره الأمريكي اللاتيني، العودة للبناء، بناء الذات، بضخّ الأمل لصياغة الحلم السوري العابر للمنافي من أجل نهضة وطن وشعب وإحياء ثقافة حضارة وشخصية أمّة.
 
 
فكانت "المنبر" المجلة الفكرة التي كان لا بد لها أن ترى النور بعزيمة لا تعرف غير النجاح "كن فيكون" منبر فكري، منبر ثقافي، منبر سياسي، لكن من المهجر الوطن الثاني، من المغترب الى الوطن. من الحرية المبدعة، من النجاح الاقتصادي، من الحنين الى البلد المدمّر الى الشعب المهيض. الى وحدة وطنية تتآكل بفعل أمراض الطائفية والكيانية والروح الاتكالية فكانت منبر المهجرية.
 
 
لا يمكن لرجل الأعمال الناجح أن يكون دكتاتوراً، ولا يصحّ للاقتصادي الصناعي أن يتحول الى "دكانجي" بائع بالمفرق، كما لا يحق للفكر القادم من عالم الصناعة أن تغيب عنه الروح المؤسساتية، فترك أمر المهنة لمن له بها علم ودراية حرفية يروزونها بالتجربة أسّاس العلوم، مختبر الفنون والحرف وموقد التخمّر بالجميل الأصيل الصحيح وترك لنفسه مهمة الإشراف والتوجيه والرؤية/ الهدف.
 
 
أطلق "منصور عازار" القادم من مغتربه الإفريقي الى عاصمة النور والثقافة باريس، منبراً إعلامياً يعيد به للأمّة فكرها النهضوي لتتعرف على ذاتها، وينسج مع الوطن تواصلاً بأجنحته في بلدان الاغتراب، كما يصيغ للمغتربين صوتاً يتواصلون به مع الوطن بإعلام عصري جامع يلمّ الشّمل، يقيم الجسور، يزيل الحواجز. يبني العقل بالانفتاح ولا يخثره، يفتح القلوب على المحبّة بالتراضي لا الضغائن. فكانت المجلة المتفرّدة المستقلة الوحيدة في عالم الإعلام العربي.
 
 
لم تكن "المنبر" مجلة عادية بعدد صفحات محبّرة بمقالات أو أخبار تلفق أو خدمة تلمع وجه نظام أو دولة. كما لم تكن مشروعاً ربحياً مالياً. بالعكس كانت المنبر الصحيفة العربية الوحيدة كالطفل المدلل يستنزف من الثروة المالية لناشرها (منصور عازار وأسرته ومؤسساته جهداً ورعاية ومالاً) الأسرة المهاجرة مثله والمؤسسات التي نشأت وتطورت في المغتربات غدت منذوره لرسالة فكرية وعقيدة تستهدف إعادة الاعتبار للوطن الذي دفع غالياً من أرواح بنيه وممتلكاتهم في حرب أهلية وحرب بالوكالة بعدما عانى من استعمارات طويلة، فانتشر خيرتهم وأكثرهم أنفة وشجاعة في العالم يبنون فيه أوطانا صغيرة ومشاريع استثمارية وها هي "المنبر" تعيد إليهم ولأبنائهم الوطن من جديد ببناء معبر للوطن صارت منبراً لهم إليه وله إليهم، وصارت لسان حالهم ورسالة رؤية عن أي وطن يبحثون ليعودوا بثقة الى المساهمة في بنائه.
 
 
"منبر منصور عازار"، صارت ساعي البريد، وكاهن الضيعة، ومختارها الى اللبنانيين في مغترباتهم في الأوطان الجديدة. تبني لهم صورة لعلاقة تكاملية تزيل عن المغترب الأفريقي صورة المُستغِلّ لثروات البلد  للهرب بها كما روّجت الدعاية الصهيونية عن اللبناني . 
 
 
لقد حملت المنبر بذاتها وبصوت مؤسسها رسالة لبنانية لبلدان الاغتراب: إن اللبناني إنساني حضاري وَفيّ، منذور للخير والتواصل، فكانت المنبر الإنكليزية حاجة تفاعلية مباشرة مع السكان، واغتنت بأعداد خاصة بلغات بلدان الاغتراب الإفريقي نيجيريا بنين غانا كونغو ليبيريا الخ.
 
 
"منبر منصور عازار" (السوري القومي الاجتماعي) حامل عقيدة "انطون سعادة" وفكره وهمّه الوطني لأمة تبحث عن مكان يليق بها تحت الشمس، لم تصبح مجلة دين ولا طائفة ولا فئة، بل لم تصبح واحدة من المجلات الصفراء لخدمة الانظمة تُغلِّب فريقاً على فريق، وتنتقل من جيب الى جيب ولم تصبح مجلة خدماتية للمؤسسات المالية لتزيد من أرباحها، بل كانت تستنزف مال هذه المؤسسات لخدمة عقيدة ووطنا.
 
 
في منبر منصور عازار وجد صاحب حقيبة النهار "ميشال أبو جودة" لقلمه فسحة على شهرية على صفحاتها وهو القادم من مملكة "النهار" العريقة بإدارة صديق منصور عازار ورفيقه "غسان تويني"، كما أن مؤسسة "الأهرام" القاهرية صارت موزّع وممثل المنبر في بلاد النيل ومكتبات بغداد تحتفي بها بغداد ودمشق تتابعها وصنعاء ومراكش مثل بيروت وعمان. امتازت المنبر بالندوات الفكرية لباحثين عرب يرومون الحضور على صفحاتها وصحفيون مشهود لهم بالباع وكتاب تحليلات يظهرون على صفحاتها، وتنتظرها مهاجر الانتشار اللبناني الى أن أصبحت عنوان ومنبر "الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم".
 
 
 يسجل للمنبر أنها كانت المجلة العربية الوحيدة التي تدخل كل الدول العربية من المغرب الى العراق وبلدان الخليج ومن السودان الى سوريا ولبنان. فكانت بحق مجلة مستقلة وإعلاماً حضارياً يستهدف عقل الإنسان لا غريزته مصلحة الأمة لا غاية الأفراد.
 
 
تحية للمنبر ولمنصور عازار . 
 
 
التوقيع : شاهد منبري".
 
مكتب الدراسات العلمية
 
 
كنت منذ العام 1977 وصاعداً رأيت أنه يلزم تأسيس مركز دراسات علمية تحاول الإضاءة على مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقومية عامة، بخاصة ما كانت تركته حرب السنتين المشؤومة في العامين 1975-1976 من تداعيات ونتائج وما فجرت من أسئلة ومعضلات كانت تتطلب علاجاً جذرياً. فاتجهت إلى تأسيس مكتب الدراسات العلمية الذي تنكب مهمة نشر كتب ودرسات أو إعادة نشر كتب ودراسات ذات فائدة لقضيتنا، واتخذت له مكتباً كنت أملكه في محلة الدورة في بيروت.
 
 
كان لمكتب الدراسات العلمية هيئة استشارية من أعلامها: الياس جرجي قنيزح، شوقي خير الله.
 
 
بدأ المكتب بعقد ندورات فكرية وحوارات وطباعة كتب عدة، بخاصة لبعض الأصدقاء والمعارف، فطبع للأب بولس نعمان أطروحته عن المارونية، ولشوقي خير الله، ولجورج مصروعة كتابيه "ضحيتان"، "ابن زيكار"، وكتاب للدكتور ربيعة ابي فاضل وغيرهم كثيرون. وكنا نصدر كتباً توجيهية حسب الضرورة
بعد التجربة القاسية في الأمانة العامة للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم وما ولدته من انقسامات ومحاكمات قررت العزوف عن مسؤولياتها، ورأيت أنه أولى بي استنهاض مكتب الدراسات من جديد.
 
 
استأنفت عقد الندوات والحوارات الفكرية والفلسفية والثقافية في مركز المكتب، في بيتي في قرية بيت الشعار، الطابق الأرضي، حيث جمعت الجزء المتبقي من أرشيف عملي ومكتبتي وسجلات دراسات ومجلدات مجلة المنبر وصالوناً يتسع لعشرات المدعوين.
 
 
والطابق الأرضي من منزلي، فيه بنية متحف، مبني على طريقة عقد الحجر القديم، أعدت ترتيبه بترميم فني لتبدو مسحته الأثرية الجميلة وروعة هندسته التراثية التي ميزت بلادنا عبر العصور.. وجهزته بإضاءة تحاكي هيكلية المتحف العتيق التي تبرز جدل النور والعتمة وحركة الأضواء وظلالها.
 
 
فاق عدد الندوات والمناسبات والحوارات التي عقدناها في مكتب الدراسات مئة عمل، كلها تم تسجيلها وحفظها، وعازم على أن أصدرها في مجلدات خاصة لتبقى بين يدي الأجيال ولا تقبرها أدراج مكتبة. فغايتها أن تنتشر وتقرأ وتعرف وتتداول وتكون موضوع حوار وسجال لا ينتهي، بخاصة أن من دعي إلى عقد تلك الحوارات والندوات هم أعلام الفكر والأدب والشعر والفلسفة والاقتصاد والسياسة خلال عقود في لبنان.
 
 
وما زال نشاط المكتب مستمراً، لكن ليس بانتظام، لأنه يتأثر بظروف وأسباب كثيرة، أبرزها بارومتر الصحة وقدرتها على الصمود والتخطي في تسعينياتي الراهنة، لكنه لم يتوقف إلا ما ندر وأملي ألا يتوقف، وهذا ما يتحمل مسؤوليته الشباب المساعدون في هيئة المكتب ان يكملوا برفع رايته الفكرية ورسالته التنويرية.
 
 
.. و"تحولات" منذ 2007
 
 
بعد توقف "المنبر"، تواقفت مع الصديق الأمين سركيس أبو زيد على التعاون مجدداً، لكن ضمن مشروع مجلة "تحولات"، الذي كان قد استحصل امتيازاً لها منذ العام 1974، على أن يكون تعاوناً بين "تحولات" ومكتب الدراسات العلمية. فاستانف سركيس إصدار "تحولات" منذ العام 2007 على هذا المنوال، شهرياً وتم تكليفي بكتابة افتتاحية كل عدد في الصفحة في الثالثة منه. وقمت بهذه المهمة كما يلزم، ما عدا بعض الأعداد التي كانت يعيقني فيها المرض عن الكتابة.
 
 
حتى الآن تم إصدار حوالى 85 عدداً من "تحولات"، كتب فيها أعلام كبار منهم من رحل ومنهم ما زال حياً يرزق، وتقريباً ندر أن بقي قلم ثقافي في لبنان على الأقل لم يكتب في "تحولات". 
 
 
انطلقت "تحولات" بقوة، مجلة سرعان ما أوجدت لها شريحة متعاطفة متضامنة، ومساعدة، تروجها وتقرأها وتتكلم عنها، وقاربت صفحات بعض الأعداد الـ 64 صفحة، لكنها عادت تعاني مثل كل الصحافة الورقية من الأزمة المالية ومشكلة الاشتراكات والكلفة الباهضة للطباعة والعمل وارتفاع أسعار الورق والأجور وانكفاء القراء عن الصحافة الورقية إلى التصفح الألكتروني.
 
 
وهذا العام 2014 تكمل "تحولات" أربعينيتها، تحاول النهوض بحلة جديدة وانطلاقة جديدة، بروح جديدة مصارعة وصامدة رغم كل التحديات وبرنامج عمل أفضل، محتفية بشقيقتها التوأم "تحولات مشرقية" التي انطلقت منذ صيف العام 2013 كمجلة دراسات استراتيجية فكرية ثقافية، نتيجة تعاون بين مكتبي بيروت ورام الله.