مقدمة
تأتي أهمية البحث في حرّية التعبير من معنيين رئيسين:
المعنى الأول أن اليونسكو ذاتها تعدّ لحلقة دراسية لخبراء وإعلاميين بمناسبة مرور ربع قرن على إعلان اليوم العالمي لحرّية الصحافة، الذي سيصادف يوم 3 أيار (مايو)، ففي مثل هذا اليوم صدر في ناميبيا إعلان ويندهوك لحريّة الصحافة العام 1991.
والإعلان هو بيان لمبادئ حرّية الصحافة، وجاء تحت شعار "تنمية صحافة أفريقية مستقلة وتعدّدية". وقد استلهم الإعلان موجة الحريّة والتعدّدية التي ارتفع رصيدها إثر التغييرات التي حصلت في أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة .
ومع إن الإعلان كان منصبّاً على الصحافة المكتوبة، إلاّ أنه يمكن أن يمتدّ إلى الإذاعة والتلفزيون والمحطات الفضائية والمواقع الأليكترونية وغيرها من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وقد انتهز ناشطون الذكرى العاشرة لإعلان ويندهوك، العام 2001 ، لاقتراح إعلان جديد يتناول القضايا الخاصة بالإذاعة والتلفزيون، وقد صدر باسم " الميثاق الأفريقي للبث الإذاعي والتلفزيوني".
ويعتبر أعلان ويندهوك خطوة متقدمة وأساسية فيما يتعلق بحرّية الإعلام، وعلى أساسه صدرت إعلانات ومواثيق ومدوّنات شملت جغرافية واسعة، منها إعلان ألما آتا (قازاغستان) في آسيا الوسطى الصادر في 5-9 اكتوبر (تشرين الأول) العام 1992 وإعلان سنتياغو (تشيلي) لأمريكا اللاتينية ودول الكاريبي الصادر في 2-6 مايو (أيار) 1994 وإعلان صنعاء للشرق الأوسط، بشأن تعزيز استقلال وتعدّدية وسائل الإعلام العربية الصادر في 7-11 يناير (كانون الثاني) 1996.
أما المعنى الثاني، فدلالته تقوم على الربط بين الاستذكار التاريخي، من جهة، وبين التغييرات التي شهدها العديد من دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا من جهة ثانية، بما فيها البلدان العربية وعموم منطقة الشرق الأوسط، التي وصلت إليها رياح التغيير، وفي مقدمتها المطالبة بحرّية التعبير، فلم يعد مقبولاً تحت أية مبرّرات سياسية أو آيديولوجية أو مسوّغات أمنية أو دينية أو مزاعم قانونية أو اجتماعية أو ثقافية، حجب حرّية التعبير أو تقييدها، ناهيك عن أن مثل هذا الأمر غير ممكن، على افتراض التسليم به تحت ضرورات معينة ومحدودة كما يبرّر البعض، لأن العولمة وقوانينها أصبحت عابرة للقارات والحدود وتجوب العالم بأسره دون أي حواجز أو موانع.
وأصبحت تكنولوجيا الإعلام قوة قاهرة أحياناً، وميزانياتها توازي ميزانيات عسكرية لدول كبرى، وكانت خلال بعض الحروب، ولاسيّما في الشرق الأوسط سبّاقة، كجزء من حرب نفسية ضخمة وآلة حربية ناعمة، ولكنها قد تكون قاتلة، وتقدّمت أحياناً على الآلة الحربية التقليدية، الأمر الذي لا بدّ من أخذه عند البحث عن حرّية التعبير ومعناها ومبناها، سواء في مبادئها أو القيم التي تقوم عليها أو في حدودها بتمييزها عن الحرّية في التشهير.
وللإعلام فعله المؤثر والحاسم في السلم والحرب في الرأي العام والنزاعات الأهلية والحروب والبضائع والسلع والأفكار ونمط الحياة وهو ما اعتمد عليه "تروست الأدمغة" العامل في إطار المجمّع الصناعي- الحربي وخصوصاً في الولايات المتحدة، ومنذ انطلاق الحرب الباردة في العام 1947، الأمر الذي يحتاج إلى وسائل جديدة يتم فيها، عولمة الحقوق والحرّيات واستخدام منجزات الثورة العلمية – التقنية وعولمة الثقافة والفنون والآداب، بحيث يمكن الاستفادة من الوجه الإيجابي للعولمة، والتقليل من الضرر الحاصل بسبب وجهها المتوحّش أو التخفيف من غلوائه على أقل تقدير، والذي يريد فرض الهيمنة والتسيّد وإملاء الإرادة عبر وسائل الإعلام، وتحت عناوين حرّية التعبير أحياناً، بما يتم فيه التجاوز على المقدّسات واستفزاز المشاعر العامة، لشعوب وأمم وحضارات وثقافات وأديان .
يتضمن هذا البحث خمس محاور أساسية، الأول يتعلق بمفهوم حرّية التعبير تاريخياً، خصوصاً بكونها جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان، ويحاول المرور على فكرة الإعلام والنقد، والمحور الثاني يتناول العولمة وحرّية التعبير، ويربط ذلك بحركة الاحتجاج الواسعة التي اندلعت في العديد من البلدان العربية، وخصوصاً بعد العام 2011. أما المحور الثالث فيركّز على الفرق بين حرّية التعبير وحرّية التشهير من خلال تجارب عملية، ويسلّط المحور الرابع الضوء على المهنية وشروطها، والاعلامي المهني ومواصفاته، بالتّماس المباشر مع حريّة التعبير، ويبحث القسم الخامس في موضوع حرّية التعبير وحق الحصول على المعلومات، ويختتم البحث ببعض الخلاصات والاستنتاجات لدور حرّية التعبير بالتغيير المنشود .
1- حرّية التعبير
إن حرّية التعبير في حياة أي مجتمع هي من الحرّيات الأساسية، فحتى حق الحياة والعيش بسلام ودون خوف باعتباره الحق الاسمى الذي تليه جميع الحقوق لا يمكن الدفاع عنه دون وجود حرّية التعبير، وأي تقدّم أو إصلاح أو تغيير ديمقراطي في أي مجتمع سيكون مديناً لحرّية التعبير، لأنها البوابة الأساسية التي لا غنى عنها لدخول حلبة الاصلاح وسباق الديمقراطية.
وتمهّد حرّية التعبير السبيل للمساهمة في إدارة الشؤون العامة، وكل انتقاص منها يعني الانتقاص من الحق في المشاركة. وإذا قيل قديماً أن الصحافة "صاحبة الجلالة" أو "السلطة الرابعة" بعد السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن هذه السلطة " الإعلامية" تغتني من خلال فضاء حقوق الإنسان باعتباره "سلطة خامسة" مكمّلة ومتمّمة في إطار حرّية التعبير والحرّيات والحقوق الأخرى.
وكانت حرّية التعبير من أهم التحدّيات التي واجهت بلدان أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات، إضافة إلى العديد من بلدان أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، مثلما هي الفيصل في الانتقال من نمط سياسي واجتماعي في الحكم إلى نمط آخر، وهي ما واجهه العالم العربي أيضاً، قبل اندلاع ما أطلق عليه موجة الربيع العربي، فقد بدت الصورة عشية اندلاع الاحتجاجات الواسعة والانتفاضات الشعبية، مشوّشة وملتبسة وأقرب إلى القنوط والإحباط، لاسيّما بشحّ الحرّيات بشكل عام وحرّية التعبير بشكل خاص، ولذلك فإن هذه المسألة كانت الأكثر احتداماً، بل الحلقة، المركزية الأولى لعملية التغيير، والتي اتخذت سياقاً دستورياً لاحقاً، سواءً في الاعلانات الدستورية أو في لجان صياغة الدساتير بعد ذلك، والتي كانت ولا تزال محطّ اختلاف شديد.
ويمكن القول أن حرّية التعبير هي المجسّ الأول للمطالبة ببقية الحقوق، وما أن تحققَّ نوع من الواقع الجديد بفرض حرّية التعبير بالكلام والنشر والتظاهر والإعتصام والكتابة، حتى ارتفعت الشعارات ، تلك التي تدعو إلى المطالبة بالحرّيات والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وشكلّت المشهد الأكثر رسوخاً في ذهن وذاكرة الناس وحقوقهم الإنسانية.
وبعد تحقّق التغيير في العديد من البلدان العربية، لاسيّما في تونس ومصر على الرغم من اندلاع أعمال عنف وإرهاب وفوضى، بل وخيبات في بلدان أخرى مثل ليبيا واليمن، فإن عملية الإنتقال والتحوّل نحو الديمقراطية لم تستكمل بعد انهيار الشرعيات القديمة. ولم تبنَ بعد شرعيات جديدة على أنقاضها، ودستورياً وقانونياً تندرج حرّية التعبير ضمن الحقوق الأساسية الأربعة هي:
1- حرّية أو حق التعبير.
2- حرّية أو حق الاعتقاد.
3- حرّية أو حق تأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات.
4- حرّية أو حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وتولّي الوظائف العليا دون تمييز.
ويمكن القول أن حرّية تبادل الأفكار والآراء وردت تاريخياً في "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الذي صدر في فرنسا في 26 آب (اغسطس) 1789 بعد الثورة الفرنسية التي حدّدت أركاناً أربعة لحقوق الإنسان أطلقت عليها إصطلاح " الحقوق الثابتة" التي تتلخص بـ:
1- الحرّية
2- المُلكية
3- الأمن
4- مقاومة الظلم.
واحتوى الاعلان الصادر عن الجمعية التأسيسية الفرنسية على 17 مادة، وفيما يتعلق بحرّية التعبير فقد أكّد على أنها " تقوم على حق ممارسة كل عملٍ لا يضرُّ بالآخرين" و " لا يجوز ازعاج أحد بسبب آرائه بما فيها الدينية " معتبراً حرّية الفكر والرأي من أثمن الحقوق الإنسانية، مؤكداً على حق كل مواطن أن يتكّلم ويكتب ويطبع بحرية، على أن يكون مسؤولاً عن إساءة استعمال هذا الحق في الأحوال المحدّدة في القانون، وهو ما اكدّه الدستور الفرنسي الصادر في 3 أيلول(سبتمبر) 1791 ، وكان فولتير قد عبّر عن فلسفة الثورة الفرنسية، خصوصاً في موضوع حرّية التعبير عندما قال " قد أختلف معك في الرأي ولكنّي مستعدٌ أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في التعبير عن رأيك" .
وإذا أردنا العودة إلى بعض المفاصل التاريخية، خصوصاً في محاججة بعض الاتجاهات المحافظة والإسلاموية التي تريد تقييد حرّية التعبير، تحت مزاعم ودعاوى شتّى، فيمكن الاستشهاد بالقرآن الكريم حيث تردُ العديد من النصوص (الآيات) التي تؤكد حرّية المعتقد والرأي فقد جاء في سورة البقرة " لا إكراه في الدين" ونصّت سورة الكهف على ما يلي: " قلْ الحق من ربِّكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر".
وإذا كانت هذه الرؤية الإسلامية المتسامحة قبل أكثر من 1400 سنة، فيحق للمسلمين مثل غيرهم أن يفخروا بتعاليم دينهم السمحاء، تلك التي غدت بفعل الممارسات الإرهابية والتطبيقات المشوّهة التي تحاول استخدام إسم الدين والتعكّز عليه نموذجاً للتعصّب والتطرّف والعنف والغلو، في محاولة لتسييس الإسلام وعزله عن التفاعل مع المشترك الكوني والإنساني للحضارات والثقافات المختلفة.
ومثلما يفخر الصينيون بالفلسفة " التاوية" و" الكونفوشيوسية" كذلك الهنود بالفلسفة الكونفوشيوسية أيضاً وبالفلسفة "البوذية" بما احتوته من تعاليم متسامحة، فان البريطانيين يؤرخون مساهمتهم في رفد حركة حقوق الانسان بالماغناغارتا العام 1215 الذي سمي "بالعهد العظيم" حيث أكّد على حقوق المواطنين والشعب.
ولعلّ الأمريكان يؤرخون رفدهم لأفكار حقوق الإنسان، ولاسيّما لحرية التعبير بالدستور الأمريكي في الربع الأخير من القرن الثامن عشر (1776 وما بعدها لغاية 1788) ويظهرون آيات الاحترام لبنود الرئيس ويلسون عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى (1918) وتأسيس عصبة الأمم، ولا سيّما لمبدأ حق تقرير المصير، وكان روزفلت رئيس الولايات المتحدة قد وجّه رسالة إلى الكونغرس في 6 كانون الثاني (يناير) 1941 تحدّث فيها عن الحرّيات الأربعة كهدف سياسي واجتماعي للولايات المتحدة ولشعوب العالم فأجملها بـ: حرّية المعتقد وحرّية الكلام والتعبير (كمقدمة لهذه الحرّيات) وأضاف إليها التحرّر من الفاقة والتحرّر من الخوف.
كما أن الروس يفخرون بأنهم كانوا وراء مبدأ حق تقرير المصير بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية في العام 1917، وفيما بعد اعتبر كمبدأ أساس من مبادئ القانون الدولي الآمرة "الملزمة" Jus Cogens ، وهو جزء من الحقوق الجماعية لتعبير الشعوب والأمم عن حقها في خياراتها الحرّة واختيار نظامها الاجتماعي.
أما الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 كانون الاول (ديسمبر) 1948 والذي يعتبر الشجرة التي تفرّعت منها غصون كثيرة اقتربت من نحو 100 معاهدة واتفاقية دولية، فقد نصّ على حرّية التعبير والرأي كركن أساسي من أركان حقوق الانسان، وذهبت المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، والذي دخل حيز التنفيذ عام 1976 إلى التأكيد على الحق في حرّية الفكر والعقيدة والدين.
ونصّت المادة 19 (الفقرة الاولى) على أن " يكون لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة...". أما (الفقرة الثانية) فقد أكّدت على حرّية التعبير وحق الاعلام، وذهبت المادة 21 إلى تأكيد حق الاجتماع السلمي في حين نصت المادة 22 على حق تأسيس الجمعيات والانتماء إليها.
تقرّر المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان: " الحق لكلّ شخص في حرّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرّية اعتناق الآراء والأفكار والحصول على الأخبار وتلقيها واذاعتها بأية وسيلة كانت ودون تقيّد بالحدود الجغرافية".
تزداد أهمية حريّة التعبير في الوقت الحاضر، وخصوصاً بعد التغييرات التي حصلت في العديد من البلدان العربية واندفاع أوساط واسعة ومتنوّعة إلى الميدان السياسي، وتداخل الدين بالسياسة أحياناً، في محاولة لتسييس الدين أو تديين السياسة، الأمر الذي يتطلّب معالجات جديدة تنسجم مع اللوائح الدولية لحقوق الانسان، ولاسيّما في حقل حرّية التعبير وإزالة كل ما يتعارض معها من قيود ويعترض طريقها من عقبات.
وكان وزراء الإعلام العرب قد وقعوا على "وثيقة مبادئ " لتنظيم البثّ الفضائي الاذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية ، لكن هذه الوثيقة لم ترتقي إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية الخاصة بحرّية التعبير. وقد أثارت ردود فعل كثيرة ضدها إعلامياً وحقوقياً، خصوصاً بوضعها قيوداً جديدة أمام حرّية الاعلام وحرّية التعبير في الوطن العربي، ويتطلّب من المنظمات الحقوقية والجهات الإعلامية الحرّة ومنظمات الدفاع عن حرّية التعبير، العمل على إلغاء تلك الوثيقة أو تعديلها، خصوصاً وإن مياهاً كثيرة سارت تحت الجسور كما يقال، وهذا يتطلّب جهداً تنسيقياً عربياً واسعاً، مثلما يتطلّب قراءات جديدة من جانب جامعة الدول العربية، وخصوصاً اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان.
وبقراءة لقائمة المحظورات التي احتوتها تلك الوثيقة والتي "ينبغي" على الإعلام الالتزام بها، فسوف تضيق إلى حدود كبيرة فسحة الحرّية، بل إن سيف الرقابة سيكون مسلطاً عليها، لاسيّما تفسير وتأويل حدود الحرّية المقننة الممنوحة والمتبقية طبقاً لإعلان المبادئ، التي لا تشمل البث التلفزيوني حسب، بل استهدفت الإعلام الالكتروني أيضاً، كما شملت مصادرة الأجهزة والمعدّات خلال التصوير والأعمال التمهيدية حتى قبل البث، وهو الأمر الذي ينبغي إلغاؤه، خصوصاً وأن الواقع قد تجاوزه، حيث فرض الربيع العربي دوراً جديداً وغير مسبوق للإعلام، لا سيّما وقد أصبح بمتناول الجميع، وليس مقصوراً على الإعلاميين المحترفين حسب، وذلك بالاستفادة من كل ما أنتجته الثورة العلمية- التقنية بما فيها للاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية " الديجيتل". ولا شكّ أنه كان عنصراً فاعلاً وأساسياً في التعبئة لعملية التغيير، وذهبت أدراج الرياح الكثير من المحظورات التي وضعت أمامه، بل أن بعضها هو الآخر قد ألغي وطواه النسيان.
ومن باب الاستذكار فقد جاء في قائمة الممنوعات: عدم تناول القادة والرموز الدينية في العالم العربي بالتجريح والالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع العربي ومراعاة بنيته الأسرية وترابطه الاجتماعي، والامتناع عن بث كل ما يتعارض مع توجهات التضامن العربي.
وعلى الرغم من عمومية النصوص وغموضها، إلاّ أنه يمكن تفسيرها وتأويلها بما يتعارض مع وظيفة الإعلام الحر، وأعني بذلك التنوير وقول الحقيقة وكشف ما يعارضها ونقد المظاهر السلبية، الأمر الذي أثار في الماضي ويثير في الحاضر والمستقبل مشكلات كبيرة، فنقد الظواهر السلبية بما فيها التي تستخدم الدين ستاراً أو يافطةً أو كشفاً للمستور، قد يؤدي إلى ملاحقة الإعلامي قانونياً، كما أن تدخّل رجال الدين بأمور السياسة والثقافة والأدب والفن والعلم والسياحة والتجارة والحلال والحرام والتأثيم والتجريم، يجعلهم فوق الدولة وفوق المجتمع، وهو الأمر الذي تم استخدامه لاستعداء مثقفين بحجة مروقهم أو خروج نتاجاتهم الإبداعية على الدين، فتمّ التحريض على قتل أدباء وفنانين ومبدعين تحت دعاوى زائفة وفتاوى دينية كيدية، والأمر كذلك يتعلق بمكافحة الفساد المالي والإداري والتصدّي للارهاب بكل أنواعه وصنوفه.
الديمقراطية يمكن أن تنمو وتتعزّز بحرّية التعبير التي بدونها تبقى الأشياء ناقصة ومبتورة ومشوّهة في الكثير من الأحيان، فهي التربة الخصبة التي تنشّط المجتمع وتعيد إليه عافيته وتساعد في تطويره وازدهاره!!
2- العولمة وحرّية التعبير
حوّلت الثورة العلمية- التقنية وما لحقها من تكنولوجيا الإعلام والمعلومات، العالم كلّه إلى قرية مفتوحة، فما يحصل في بلد ناءٍ وبعيد، ستشاهده لحظة وقوعه أو بعد دقائق أو ساعة أو سويعات وأنت مسترخٍ في غرفة الاستقبال أو مستلق في غرفة النوم وعلى بعد آلاف الأميال، ولعلّك ستتفاعل مع الصورة على نحو كبير باعتبارها "خبراً" بانورامياً بحد ذاته، حيث ستشاهد فيه الحدث وما خلفه وما رافقه وما سيتبعه وما قيل أو يقال فيه، وستطلّع على رأي صانع الحدث والمشارك فيه وخصمه، وسيكون للإعلام دوراً مؤثراً، لاسيّما إذا تمكّن من التقاط اللحظة التاريخية، فالصحافي حسب تعبير ألبير كامو هو "مؤرخ اللحظة" ، ولعلّ تاريخ اللحظة سيكون حاضراً في الصورة أيضاً.
على نحو مفاجئ انتقل العالم العربي كلّه، ومرّة واحدة، إلى دائرة الضوء، لدرجة أن قرى وبلدات منسية وبعيدة أصبحت معروفة عالمياً، في ظل دهشة ومفاجأة لما حدث وكيف حدث؟ وكانت لحظة إحراق البوعزيزي نفسه في تونس وفي محافظة سيدي بو زيد إشارة البدء أو ساعة الصفر أو الانطلاق لإعلان صيرورة الانتفاضة التي سرت مثل النار في الهشيم، وامتدّت من تونس إلى مصر، معلنة وحدة المشترك العربي الإنساني، دون نسيان الخصوصية والتمايز بكل بلد ولكل حالة.
لقد جعلت العولمة والإعلام على وجه الخصوص التغيير بقدر خصوصيته شاملاً، وبقدر محليته كونياً، لاسيّما وأن كل شيء من حولنا كان يتغير على نحو جذري وسريع، ولعلّ هذا الأمر يطرح عدداً من الحقائق الجديدة التي تثير أسئلة بحاجة إلى إعمال العقل والتفكير لا بشأنها حسب، بل بشأن سياسات وأنظمة لم تشعر أو تتلمس الحاجة إلى التغيير طالما اعتقدت وهماً أنها تقوم بتوفير الأمن والاستقرار، الأمر الذي سيكون وحده كافياً لإسكات شعوبها أو إرضائها، وكأن ذلك الأمن والاستقرار يراد لهما تعسفاً أن يصبحا بديلاً عن الحرّية والكرامة والعدالة التي هي مطالب شرعية باعتراف الحكومات جميعها، ولعل هذه المطالب المشتركة وذات الأبعاد الإنسانية جعلت حركة الاحتجاج ومطالب الشباب تمتد من أقصى المغرب العربي إلى أقصى المشرق العربي، ومن المحيط إلى الخليج كما يقال.
يخطئ من يظن أن الحركة الاحتجاجية هي صورة نمطية يمكن أن تتكرّر أو تستنسخ أو تتناسل أو أنها خريطة طريق واحدة أنيقة وملوّنة لجميع البلدان والشعوب، فالأمم والمجتمعات تحفل بالتنوّع والتعددية وبوجود اختلافات وخصوصيات وتمايزات، بقدر ما يوجد بينها جامع مشترك أعظم، وقواسم عامة، لاسيّما حاجتها الماسّة إلى التغيير طلباً للحرّية والعدالة والكرامة الإنسانية.
وبهذا المعنى فإن الحركة الاحتجاجية ليست طبعة واحدة أو فروعاً من حركة قائمة، أو صورة مصغّرة عنها. صحيح أن العالم العربي وصل في غالبيته إلى طريق مسدود، وهو ما عكسته تقارير التنمية البشرية، لاسيّما شحّ الحرّيات والنقص الفادح في المعارف وتفشي الأمية الأبجدية التي زادت على 70 مليون، ناهيكم عن الأمية المعرفية، خصوصاً التعاطي مع علوم العصر وتقنياته ووسائله الحديثة، إضافة إلى الموقف السلبي من المرأة وحقوقها ومساواتها، وكذلك الموقف الخاطئ من التنوّع الثقافي الديني والقومي والاثني واللغوي وحقوق المكوّنات المتساوية وغيره.
وإذا كان للتغيير جاذبيته، فإن للتغيير قوانينه أيضاً، لاسيّما المشترك منها والذي يشكّل قاعدة عامة، وبقدر ما يحمل التغيير من خصوصية، فإنه في الوقت نفسه يمتلك أبعاداً شمولية، تتخطى حدود المحلّي إلى الإقليمي والكوني، وما حصل في مصر بقدر كونه مصرياً بامتياز قلباً وقالباً، فإنه عربي أيضاً، بل هو تغيير عالمي بحكم الجاذبية، الأمر الذي ينبغي التأمل فيه لا مكانياً حسب، بل زمانياً أيضاً، وخصوصاً بفعل العولمة وما أفرزته من معطيات، إيجابية وسلبية، فإذا كانت قد عممت الهيمنة العابرة للحدود والقارات والجنسيات والأديان والقوميات، وفرضت نمطاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً سائداً، فإنها عممت الثقافة والحقوق والمعرفة بما تحمل من آداب وفنون وعمران وجمال وعلوم، ولعل هذا هو الوجه الايجابي للعولمة في مقابل وجهها المتوحش واللّاإنساني!.
هكذا يصبح التغيير استحقاقاً وليس خياراً حسب، وتصبح الخصوصية جزءًا من الشمولية ويندغم الخاص بالعام والاستثناء بالقاعدة، على نحو فاعل ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وقانونياً ومعرفياً.وكل ذلك ليس بعيداً عن حرّية التعبير.
وإذا كانت مصر قد شكلت قطب رحى مهم في العالم العربي بحكم وزنها السياسي الكبير والفاعل وثقلها الثقافي والمعرفي الهائل والمؤثر وخبراتها وطاقاتها العلمية وكثافتها السكانية والبشرية، وبحكم موقعها الجغرافي وكونها جسراً بين أفريقيا وآسيا وبين العالم العربي وشعوب أخرى، فإنها أكدت جملة حقائق مهمة بالارتباط مع ما حدث في تونس وما بعده في العالم العربي، على الرغم من عدم استكماله، بل وتحوّل بعض أوضاعه إلى معاناة جديدة ومأساة مستمرة بسبب تشبّث الحكام، كما حصل في ليبيا التي شهدت حرباً أهلية وتدخلاً عسكرياً دولياً قاده حلف الناتو.
وحالت مبادرة مجلس التعاون الخليجي بشأن اليمن وإقناع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح على التنحّي دون اندلاع الحرب الأهلية لأكثر من عامين، والتي انفجرت إثر سيطرة الحوثيين على مقاليد الأمور، وبداية عاصفة الحزم في 26 آذار (مارس) 2015، ولا زالت معاناة سوريا والشعب السوري مستمرة، ولم تفلح مبادرة جامعة الدول العربية والأمم المتحدة (المشتركة) برئاسة الأمين العام السابق كوفي أنان في الوصول إلى النتائج المرجوّة، والتي تتلخص في وقف العنف وتأمين الانتقال السلمي إلى الديمقراطية، وتعثرت مبادرة الأخضر الإبراهيمي على الرغم من اجتماع جنيف-1، بين السلطة والمعارضة والشروع بجنيف -2 وانتظار جنيف-3 التي تأجلت أكثر من مرّة، حيث استمر الاحتراب والاقتتال الداخلي وبلغا ذروتهما، وحتى بعد وقف إطلاق النار، فإن مشروعا الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية بعيدا المنال. والمهم في ذلك هو نزع الفتيل وإعادة الإعمار والتحضير لدستور جديد وانتخابات خلال 18 شهراً في إطار الوحدة الوطنية.
3- حرّية التعبير و"حرّية" التشهير!
سألت الصحافي المخضرم والمتميّز جهاد الخازن: هل درس في كلية الحقوق؟ فأجابني كلاّ، ثم سألني لماذا؟ قلت له: عندما أبدأ بقراءة صحيفة الحياة، أذهب مباشرة بعد عناوين الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، لأتوقّف عند زاوية "عيون وآذان"، وبمتعة أقرأ كيف يمتلك صحافي ماهر أدواته، ويستخدم أسلحته بأقصى درجات الدقة لحرّية التعبير. ولعلّ الأمر تطوّر معي لدرجة أخذت لا أقرأ المقالة للمتعة والفائدة حسب، بل لأفتش بين سطورها عن مدى انطباقها أو ابتعادها عن حرّية التعبير، لاسيّما يلتبس معي الأمر أحياناً فألبس قبعة القانوني، لأميّز بين حرّية التعبير وحرّية التشهير.
وهكذا كنت أدقق كتابات صحافيين بارزين من مواقع مختلفة، خصوصاً استخداماتهم المهنية على نحو مسؤول، لكن شكّاً كان يراودني وأنا أستغرق في قراءة بعض المقالات، خصوصاً الاقتراب من خط التماس مع التشهير، حتى يصادفني ما يبرأ "صاحبي" عن كل ما له علاقة بالتشهير، حين يحدد بوضوح ما يريد على نحو مهني، فإذا مجّد عملاً فدائياً وبجّل المقاومة وأدان مسؤولاً عنصرياً و"إسرائيلياً"، فإنه لا ينسى إدانته للإرهاب، لكي لا تختلط الأوراق، وتذهب التفسيرات إلى تنظيمات القاعدة أو داعش أو جبهة النصرة غيرها.
وبادرت مرّة أخرى بسؤال الخازن وأنا أسوق ذلك دفاعاً عن حرّية التعبير وشرف مهنة الكتابة والصحافة: كيف تقفل تلك الحبكة الدرامية بحيث لا تبقى شكّاً أو ثغرة يتسلّل منها إمكانية الملاحقة القانونية، فأجابني: عند عملنا المبكر في الصحافة، وكنت وقتها طالباً، تدرّبت لدى وكالة رويتر كما ذكر على ما أظن، بحيث أخذت الكثير من الخبرة والمعلومات، للفارق بين حرّية التعبير وبين "حرّية" التشهير، ومثل هذا التأهيل المهني هو الذي ميّز جهاد الخازن خلال عمله الطويل، من فكّ الاشتباك بين حرّية التعبير وبين التشهير، الذي كان لصالحه في معظم الأوقات على الرغم من بعض التداخل أحياناً، لأنه كان على معرفة ودراية ثم خبرة للحد الفاصل بينهما، ومارسهما بمسؤولية ومهنية عالية، بحيث شكّل مدرسة خاصة للصحافة العربية، ويقتضي من الإعلاميين العرب الجدّد التوقف عندها ودراستها للتعلّم منها والاستفادة من علمها وخبرتها.
ولعلّ حرّية التعبير كانت الأساس في ساحات وميادين وشوارع البلدان التي شهدت احتجاجات شعبية حيث تدفق الملايين من البشر الذين تظاهروا للتعبير عن طموحاتهم وآمالهم في الحرّية والعدالة ومكافحة الفساد واحترام حقوق الإنسان. ومن أهم نصوص حرّية التعبير هو المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تمت الإشارة إليها، وعلى أساس المادة 19 تشكلت منظمة دولية مهمة انشغلت بحرية التعبير هي "منظمة Article 19".
وذهبت المادة 29 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والذي دخل حيّز التنفيذ العام 1976 (وهي اتفاقية شارعة أي منشئة لقواعد قانونية جديدة أو مثبّتة لها) إلى تأكيد عدم جواز إخضاع حرّية الرأي لأي قيد، بينما أخضعت ممارسة حرّية التعبير لبعض القيود التي تقتضيها الضرورات العامة وهي أساساً " الاعتراف الواجب لحقوق الآخرين وحرياتهم واحترام سمعتهم وحماية الأمن الوطني والأمن العام أو الصحة العامة أو الأخلاق"، أي أن تجاوز حرّية التعبير إلى التشهير، لا يعفي الكاتب من المساءلة القانونية، فإذا ذهبت إلى دمغ رأي بالاستبداد أو التواطؤ معه أو التشجيع والتستر عليه، فلا حساب في ذلك، لكنك إذا اتهمت شخصاً ما باستلام مبلغ معين لكتابة مقالة للدفاع عن الاستبداد أو لإخفاء حقيقة أو تزوير شهادة أو للتغطية على جريمة، فالقانون يمكنه ملاحقتك ويمكنه إدانتك.
أسوق هذا المثل، لأن الكثير من الذين يستخدمون حرّية التعبير يسيئون إليها أحياناً، دون إدراك بأن القانون يلاحقهم، فيما إذا انتقلوا للتشهير، ولأن فسحة الحريات شحيحة في بلداننا، ولأن فرص التعبير قليلة، فما إن بدأ البعض يعبّر عمّا يجول بخاطره، حتى دخل مناطق التشهير المحرّمة بالإساءة إلى السمعة أو العائلة أو التعرّض للذمة المالية أو الحياة الشخصية أو غير ذلك، وأحياناً دون رغبة منه، لاسيّما إذا اعتمد الإشاعة وما أكثرها أساساً يستند إليه، ولأن القانون لا يزال لا يلاحق ما يكتب على الإنترنت أو ينظّمه، فإن الكثير من الجدل أخذ يرتفع في الفترة الأخيرة بخصوص الجرائم التي يمكن أن تشكل خطراً على المجتمع، تلك التي تمت ملاحقتها مؤخراً.
وبما أن بعض المواقع غير مهنية ولا تدقّق فيما يكتب أو بمستواه أو وزنه أو مصادره أو لغته، فترى أحياناً سيلاً من الكتابات لا تربطه روابط بحرّية التعبير أو العمل المهني والصحافي. وقد سألني أحد الأصدقاء عن كيفية معالجة مثل هذه الأمور، فأجبته: بأنه لا تزال هناك ثغرات قانونية كبيرة على هذا الصعيد لم تعالجها القوانين الدولية والمحلية، أما ثقافياً واجتماعياً، فلا بدّ من رفع الوعي والشعور بالمسؤولية، ومثل هذا واجب الهيئات الاعتبارية المدنية والمجتمعية، أولاً لأن ليس كل ما يكتب يُقرأ، ولعلّ البعض يفكر بدائرة محددة أو خصومة أو عداوة أو شغب أو إساءة أو غير ذلك، وسرعان ما ينسى صاحب العلاقة ذلك، وأحياناً هناك من يحاول الاستفزاز لكتاب كبار أو لأسماء لامعة أو لرموز ثقافية وفكرية، وينتظر عسى أن يعلّق على ذلك أحد، وأحياناً يكتب هو التعليق الآخر، ردّاً على التعليق الأول، لكي يبدأ بمناقشة المعلّق والمعلِّق الوهميان أو الوجهان لعملة واحدة.
وقد كان محمد حسنين هيكل كلّما نشر كتاباً، هناك من ينبري لا بالردّ عليه، بل بشتمه واتهامه والتشكيك به وتوجيه أبشع الطعون إليه، وليس لأن هيكل غير قابل للنقد، فالكثير من أفكاره وآرائه ومعلوماته، تثير الجدل وهي بحاجة إلى نقاش ونقد، لكن مبدأ التشهير شيء وحرية التعبير شيء آخر. وقد عبّر أحدهم بعد أن يئس من رد هيكل، أنه على مدى أربعين عاماً لم يترك له شاردة أو واردة إلاّ وناقشه عليها، لكن هيكل لم ينبس ببنت شفة.
لعلّ مهمة ووظيفة الكاتب هي الكتابة والنقد، أما وظيفة الشاتم فهي الشتم والتشهير، والأولى إيجابية بنّاءة، أما الثانية فهي تخريبية هدّامة، والأولى يجيزها القانون وتقرّها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، في حين أن الثانية يضع القانون واللوائح الدولية لحقوق الإنسان، ضوابط ومعايير للمساءلة عليها، ناهيكم عن وجود اعتبارات أخلاقية وإنسانية واجتماعية، تتعلق لا بالمشهَّر به فحسب، بل بالمشهِّر أيضاً.
لقد استخدمت الكثير من قيادات الأحزاب السرّية قبل عصر العولمة والإنترنت والثورة العلمية- التكنولوجية وثورة الاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية " الديجيتل" بعض هذه الأساليب لإسقاط بعضها البعض، أو تشويه صورة هذا الفريق أو هذه المجموعة أو هذا الشخص، وأحياناً كانت ترمي أسماء خصومها برسائل قرب مراكز الأمن للوشاية بهم أو لتشويه سمعتهم، ولم تكن المعارضات هي الأخرى بعيدة هذه الأساليب لا بحق أعدائها، بل للمخالفين لها بالرأي أحياناً. وأتذكّر أن شخصاً سمع رأياً عن أحد أعدائه الشخصيين في بلد أوروبي، فخاطب المتحدث: كان عليكم رمي مظروف فيه بضعة حبوب مخدرات أو حشيشة في حديقته والاتصال بالشرطة للإبلاغ عنه!! ولعلّ ذلك ينمّ عن أخلاقية متدنّية، فالخصومة الشريفة تتطلب أساليب شريفة، وهذه ليست على المخالف أو الخصم، بل حتى على العدو أيضاً.
وهناك أكاذيب كثيرة استخدمتها السلطات الحاكمة ضد معارضاتها، مثلما استخدمها معارضون ضد خصومهم، وهؤلاء وأولئك نشروا كتباً وكراريس ووريقات للنيل من خصومهم، فالحكومة تريد تشويه سمعة المعارضة، والأخيرة تريد إلصاق كل شيء بعدوِّها. وأتذكّر أن أحد الأشخاص الذين أعرفهم جاءني في لندن ومعه وثائق تقول أن قائمة كانت قد صدرت بإعدام عدد من أعضاء الحزب الشيوعي، وكان اسمه بينهم (محكوم بالإعدام وهارب من وجه العدالة) وطلب مني تأييد ذلك، وبما أنني أعرفه وأعرف أن تلك القصة مزوّرة، حيث استبدل اسم أحد المحكومين باسمه، فرفضت، ونصحته بأن ذلك يسيء إلى الحزب الذي ينتمي إليه وله شخصياً، وخلال عملي المهني والحقوقي صادفني عشرات بل مئات الأمثلة.
وقبل خمس سنوات أصدرت مجلة "موارد" عدداً خاصاً مكرساً لحريّة التعبير، ووجدتها في حينه مناسبة مهمة لإعادة الحديث عن حرّية التعبير وتفريقه عن "حرّية" التشهير، لاسيّما بعد نشر موقع ويكيليكس لوثائق سرية، لم يكن جوليان أسانج هو من فبركها، بل أنه نقلها كوثائق ومعلومات تقع مسؤولياتها على الجهات المسؤولة عنها، إلاّ ما يتعلق بالأضرار التي تصيب الأفراد الذين قد يتعرضوا إلى العنف أو غير ذلك، فلا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار. وتضمن الملف إضافة إلى دراسات عن ويكيليكس وحرّية التعبير، مقالة عن منع النقاب باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وآليات حرّية الرأي والتعبير حسب المقرر الخاص، والتحديات التي تواجهها في ضوء القانون الدولي والاتفاقيات الإقليمية لحماية حرّية التعبير والانترنيت وحرية التعبير.
ولعلّ هذا الملف ذكّرني بكتاب كان قد صدر في بيروت عن ملتقى فكري انعقد في لندن العام 1993 شاركت فيه نخبة متميّزة من المفكرين والحقوقيين والمثقفين العرب، الذين ناقشوا بعمق التمييز بين حرّية التعبير و" حرّية " التشهير، وعندما عدتُ إليه وجدت فيه مداخلات مهمة لأديب الجادر ونوري عبد الرزاق وصفية صفوت وشبلي ملاّط وعامر عبدالله ومحمد سيد أحمد وراشد الغنوشي وصدقي كبلو وعزيز العظمة وزهير الجزائري ونبيل ياسين وغادة الكرمي ومحمود الناكوع والسنوسي محمد ومحمود عثمان وخلدون الشمعة ومحمد مخلوف وعبد الوهاب سناده وسعود الناصري وشمران العجلي وغالب العلوي ومحمد فايق وأحمد صدقي الدجاني وكاتب السطور.!!
4- المهنية وشروطها والمهني ومواصفاته
من المناسب ونحن نتحدث عن حرّية التعبير، ولا سيّما في هذه المرحلة أن نقتبس بعض اشتراطات الإعلامي البارز أدمون صعب بشأن الإعلامي والإعلام الذي يسعى إليه، حين يفترض أن يكون حقوقياً بالدرجة الأولى، ويقول أن هذا ما تعلّمه في الجامعة اليسوعية، وكان قد تتلمذ على يد البرفسور صهيون، وذلك لأن مهنة الصحافة تنطوي على مفاهيم كثيرة، لا سيّما وهي تتعلق بالناس وميولهم وأفكارهم المختلفة، المتشعبة، كما أنها تتعلّق بالضمير الذي هو عنصر أساسي ووازع ذاتي للرقابة، بل أنه رقيب قبل أية رقابة مع شرط الحرّية.
ولعلّ ذلك كان بمثابة عرف أو تقليد في قانون الصحافة في العراق قبل العام 1958 إنْ لم يكن شرطاً، حيث كان يفترض في رؤساء تحرير الصحف أن يكونوا حقوقيين، ناهيكم عن خريجي جامعات، ولهذا كان القسم الأعظم منهم يمارسون مهنة المحاماة، أي باستعارة المثل الفرنسي فإنهم يعتمرون القبّعتين: قبّعة الحقوقي وقبّعة الصحافي. وهو الأمر الذي جرى عدم التقّيد، بل والاستخفاف به، حيث ازدحمت ساحة ومساحة الإعلام، بمن لا علاقة له بالمهنة وشروطها، سواءً من رؤساء أو سكرتيري التحرير أو من المدراء أو المحررين، وأصبح الكثير ممن لا علاقة لهم بالمهنة يحمل الهوّية الصحافية.
إن قانون الضمير يستوجب النزاهة والاستقامة والالتزام بحكم القانون وقول الحقيقة والدفاع عن المظلومين. وهي الأركان الأربعة التي حدّدها مكانزي رئيس قسم الإعلام في الأمم المتحدة، التي ينبغي على الإعلامي أن يلتزم بها:
الشرط الأول - الاستقامة، ولكي يكون الإعلامي أو الإعلام مستقيماً، فلا ينبغي عليه الكذب أو التدليس، وإنما قول الحقيقة وإن تعذّر ذلك، فلا ينبغي أن يقول ما يخالفها، أي أن لا يعمد إلى مجافاة الحقيقة، إنْ لم يستطع قولها كاملة، فذلك سيؤدي إلى خسارة صدقيته.
الشرط الثاني - الشجاعة، فالإعلامي أو الإعلام الذي يتهيّب أو يقلق أو يخاف من قول الحقيقة، فإنه ليس بإمكانه مواجهة الضغوط الذي تعترضه، ولذلك سيكون مهادناً أو مساوماً أو ممالئاً، وتلك أمور بعيدة عن الشجاعة.
الشرط الثالث- الموضوعية والاتزان، فعلى الإعلامي أن يتمتع بقدر كبير من التوازن، وهذا يعني الموضوعية، وهي غير الحيادية، والإعلامي أو الإعلام لا يمكنه أن يكون حيادياً، لا سيّما بين الحق والباطل، وبين العدل والظلم، لكن الموضوعية تستوجب كشف الحقائق، وخصوصاً إذا كانت تتعلّق بالإنسان وحقوقه، وبشكل خاص إزاء ما يتعرّض له من انتهاكات، وإلاّ فإن الحياد سيعني وقوف الإعلامي أو الإعلام المعني، معوّماً بين الحقيقة وضدّها، وإذا كان الانحياز المسبق أو المؤدلج لأسباب سياسية أو دينية أو مذهبية أو عرقية يعني الابتعاد عن الموضوعية، فإن عدم قول الحقيقة وتغليب الموقف المسبق أو الوقوف في منطقة الوسط بين الجلاد والضحية، أو بين الظالم والمظلوم بحجة الحيادية، سيعني ضياع وظيفة الإعلام والإعلامي التي ترتكز على كشف الحقيقة.
وهكذا فإن الإعلامي أو الإعلام الموضوعي يعني أنه صاحب قضية، حتى وإن أضرّته شخصياً، لا سيّما إذا تحلّى بالشجاعة والاستقامة.
أما الشرط الرابع - التواضع وحسب مكانزي، فالتواضع سمة مهمة على الإعلامي وذلك لأنه يقوم بوظيفة الخدمة العامة، فعليه التحلّي بالتواضع، ولعلّ تلك المنظومة بكاملها تصبّ في نهر الضمير الذي تتجسّد فيه قضية حقوق الإنسان، وهي المسألة الغائبة عن مجتمعاتنا حسب أدمون صعب في محاضرته في المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة.
5- حرّية التعبير وحق الحصول على المعلومات
في كل أزمة يمرّ بها العالم العربي تبرز إشكالية الدولة الوطنية على نحو غير مألوف في العديد من جوانبها وأركانها، خصوصاً فيما يتعلق بشرعية وقانونية الحصول على المعلومات، حيث تتعرّض الكثير من وسائل الإعلام والإعلاميين إلى الانتقاد وإلى العسف من جانب أطراف كثيرة وفي مقدمتها الأطراف الحكومية، ويتم اتهامهم بشتى التهم ابتداءً من الانحياز وعدم الحيادية ووصولاً إلى العمل لصالح جهات خارجية، ناهيكم عن اتخاذ إجراءات بحقهم، لعل أولها مصادرة حقهم المشروع والقانوني في الحصول على المعلومات، خصوصاً في مناطق النزاع أو عند احتدام المشاكل واستفحالها.
حينما اشتعلت حركات الاحتجاج في بعض البلدان العربية استهدفت السلطات الحاكمة الكثير من وسائل الإعلام والاتصال، لاسيّما المرئية منها، والفضائيات بشكل خاص، إضافة إلى الانترنيت والفيس بوك والتويتر، وكذلك الهاتف النقال، وكان ذلك بمثابة بداية معركة العدّ العكسي وارتفاع موجة العنف التي كان من أهم مظاهرها هو التصدي لوسائل الإعلام والاتصال، ولا سيّما للإعلاميين، الذين كانوا ضحايا مواجهات وانتهاكات واعتبروا في بعض الأحيان " أعداء" لا يختلفون عن "الأعداء" التقليديين للسلطات الحاكمة، بل أكثر منهم أحياناً، ناهيك عن اتهامهم بالمندسين والمدسوسين وأصابع للخارج في الت