كُتّاب الموقع
ثرثرة بوب وودورد الحربية

عماد عطالله

الإثنين 4 تشرين الثاني 2024

ما بالك بعبثية تدخين سيجارة أثناء الاستحمام؟ نعم، في ذلك نظافة، لكن السحْبات تكون بلا زخم لأن السيجارة البرمائية بلا نارة. كذلك كتاب «حرب» (2024)، الصادر في الشهر الماضي عن الصحافي (الذي كان استقصائياً ولم يعد) بوب وودورد. قلم هذا الكاتب المرموق نظيف وسهل القراءة، لكنه فاقد الحرارة والعمق، في رأيي، خصوصاً في كل ما أصدر بعد أول كتابين ناجحين له، «رجال الرئيس» (1972) عن فضيحة ووترغيت، و«الأيام الأخيرة» (1976) عن نهاية إدارة ريتشارد نيكسون. تبدو لي معظم كتبه اللاحقة عن الإدارات المتتالية وكأنها تكملة ثرثرية، لا تكدش ولا تشفي الغليل الصحافي، عن «مشاهير» السياسة آخرهم عرض هوليوودي لأبطال اليوم جو بايدن، أنتوني بلينكن، فولوديمير زيلنسكي، النتن الإسرائيلي، والملوك العرب.
 
لن تتفاجأ عند قراءة ما يقوله زعماء العرب على صفحات «حرب». لا، لن تغضب، لن تنقم، لن تتألم. فأنت تعرف مسبقاً تواطؤهم مع النتن الإسرائيلي والأجندة الصهيونية. لكن سيغمرك اشمئزازٌ ما، لن يؤلمك في الواقع، لأنه شبيه إلى بعض الحد بشيء لَزِج ملتصق على أسفل الكاحل، مثال أن تخْطوَ حافي القدم على مادةٍ ما لَزِجة ومجهولة الهوية (أي بلا أصل)، وفي ذلك مزيد من الأسئلة بدلاً من الأجوبة. أو مثال أن تلمس مسْكَة باب لَزِجة عن طريق الخطأ، وفي ذلك شعور مزعج بالجرم. أو مثل الإدراك أنك جلست على مقعد مبلل، وفي ذلك إزعاج عابر رغماً عن عامل الاشمئزاز الباقي على سروالك. أو مثل اكتشاف قطعة علكة منسية ملتصقة بحذائك تحتار كيف تتخلص منها جاعلاً من حولك في موضع تساؤل. لست أدري أي منها أصَح، لكن في اعتقادي أنني وَجدْتُها: إنها لَزَاجةْ عديمي العمود الفقري، نعم، هؤلاء هم حكام العرب من مصر إلى الخليج.
 
 
نعلم أن موسم رمضان لم يحل علينا بعد، ولكن الحمد للـه لا تخف، إليك لعبة حزازير «جابوردي» المشيقة في سياق إستراتيجية تركي آل شيخ الترفيهية لهضم التطبيع. احزر من قال التالي في كتاب بوب وودورد: «يجب هزيمة حماس (...) لن نقولها علناً، لكننا ندعم هزيمة حماس ويجب على إسرائيل هزيمة حماس» (ص 216). ربما كرر فكرة الهزيمة عنوةً نظراً إلى معاناة «الملك اللاعب» الأردني من اضطراب الوسواس القهري بين جلسة الأكسبوكس والأخرى.
 
 
أمّا الحزورة الثانية، فتأتي على وتيرة أعلى من الحيرة، حيث يؤكد صاحبها «لا أريد [التطبيع] فحسب، بل أريده بعجلة. هل أريد [دولة فلسطينية]؟ الأمر ليس على هذا المقدار من الأهمية. هل إنني بحاجة إليها؟ بالتأكيد. حاجتي إليها تنبع من سببين. أولاً، 70% من شعبي أصغر سناً مني ولم يكترثوا لفلسطين والصراع الإسرائيلي/الفلسطيني قبل 7 أكتوبر، على عكس ما حدث بعده. لن أخذل شعبي الشاب أو العالم العربي أو الإسلامي» (ص 232). أجل، في المقولة دلالتان: عدم الاكتراث بالحق (وهو التفريط العربي النموذجي)، والخوف من الشعب (المتوازن بالخوف من المتسلط الأميركي). أو ربما في المقولة دلالة واحدة: محاولة بوب وودورد تبييض سمعة ولي العهد السعودي ضمن إستراتيجية تدريجية تتخطى درجاتها عدد أوصال جمال خاشقجي، وأعداد الشبان والشابات الناشطين المخذولين في السجون.
 
 
إليك حزورة أدهى: «يجب القضاء على حماس. يمكننا إفساح المجال أمام إسرائيل لتدمير حماس، لكن على إسرائيل إعطاءنا فسحة. أدخلوا المساعدات الإنسانية. أنشئوا مناطق آمنة للتأكد من أنهم لا يقتلون المدنيين. سيطروا على عنف المستوطنين في الضفة الغربية» (ص 220). جميلة سذاجة العقل الأرفع من عصا (ستَيكة) البلياردو، فالنتن الإسرائيلي فعلاً نفّذ أوامر سمو رئيس الإمارات وبالفعل أنشأ فسحة آمنة ضيقة وجامعة للغزاويين كي يطيح فيهم بضربة عصا واحدة، ويكمل غرز الستَيكة في فسحة الأمير الأضيق. وَلَو، يا سمو الأمير، سحسوح الخداع الصهيوني على مين؟ إلى أي مدى صدّقتم أن التطبيع يمنحكم أي قدر من التأثير على إسرائيل؟ يا أخي الجماعة مرَكْعِين حكومات وبرلمانات الغرب بأكمله، وما في إلا المقاوم اللبناني والفلسطيني يعرف كيفية غرز الستَيكة بفسحة الصهيوني لَجُوّا علآخر. تأملوا المقاومة وتعلموا منها، لعلكم تفقهون.
 
 
«حرب» لا يستنزف أنفاسك، لا يرميك بأي اكتشافات، ولا يجعلك تلهث فكرياً. بل يقدّم لك تسلية وكأنك تتصفح (دون قراءة) مجلة «ستار» عن النميمة بين المشاهير. الكتاب ينضح بالثقافة المسيطرة على الطبقة السياسية في أميركا اليوم، ربما باستثناء التقدمية جِيل ستاين فقط: المسيحية التوراتية المشبعة بالصهيونية النفعية (أشباه جو بايدن والسيناتور المقزز ليندسي غراهام)، معاداة الفكر والتفكير، وذكورية أبو العبد وأبو صطيف الخاوية. ما عدا أمثال «سياديي» لبنان عن دراية خبيثة أو غباء بعيد الشر عنهم، نحن نعرف تماماً ما يوحي به هذا الكتاب من وقائع مجزأة، دون الحاجة الفعلية إلى قراءته. وودورد ينسج الأجزاء والمقولات معاً ليؤكد فهمنا لما تحيكه مخاطر السياسة الخارجية الأميركية. في خضم الانتخابات الرئاسية، ليس مستغرباً أن يقوم وودورد بتعليب الإدارة الأميركية كفريق تنفيذي حازم وأخلاقي. لا أعلم إن كان المؤلف يرتدي نظاراته الطبية عندما كتب أي شيء عن جو بايدن العجوز السريع العطب على مزاج جدتي ذات الفتيلة القصيرة، أو كامالا هاريس المُوَجْهَنة القائمة على فراغ فكري، أو أنتوني بلينكن الديبلوماسي الكاذب صاحب أسطوانة التحقيقات المستدامة التي لا تكتمل أبداً فيما المجازر تتواصل.
 
 
في هذا الكتاب، كما في كتبه السابقة، يريد وودورد إقناع القارئ بأنه يقدم استقصاءً خالص النقاوة وغير معدل لديناميكيات السلطة. ما يثير الاستياء حقاً هو النمط غير المقنع والمتكرر مثلاً بأن الولايات المتحدة تبذل جهداً كبيراً لتخفيف الألم والمعاناة عن الفلسطينيين وسط الإبادة (وهي كلمة لم يشدد عليها أبداً في الكتاب)، بالتوازن مع العجز التام على فرض إرادتها على الجناة الإسرائيليين. إنها وضعية عقيمة وحالة ساخرة تجعل من قوة الإمبراطورية العسكرية، السياسية، والمالية، فأراً صغيراً تتحكم فيه دولة ذيلية. هل حقاً أنه لا حول ولا قوة للولايات المتحدة في التأثير وفرض إرادتها الإمبريالية على كل أتباعها في المنطقة؟ أي مزح واستهزاء بعقولنا هذا؟
 
 
هنا لن تجد شيئاً في محادثات الإدارة الداخلية من انتقادات أو حتى تحليلات عن الجيش الإسرائيلي وهو يقتل أفراد شعبه (بروتوكول هانيبال) في بداية الرد على هجوم المقاومة الفلسطينية يوم 7 أكتوبر. أو عن تفنيد الكذبة (بل تأكيدها ص. 189) حول أطفال مقطوعة الرؤوس واغتصابات وفظائع منسوبة إلى حماس «الإرهابية» كما تروج لها وسائل الإعلام المؤيدة للصهيونية. أو عن تأثير اللوبي الإسرائيلي الفظيع في الكونغرس. أو عن أي إجراءات قوية ضد الفظائع الإسرائيلية بحق المدنيين. أو عن ولَو شبه غضب مصحوب بإجراءات حاسمة ضد استهداف المستشفيات، الطواقم الطبية، الصحافيين، الأطفال والنساء، المساكن، النهب، التعذيب، والشهادات العينية. ولن تجد كلاماً عن التظاهرات الشعبية في مدن وجامعات الولايات المتحدة، والخوف الأكاديمي، والتضييق على حرية التعبير... لكنك ستجد بالتأكيد ثبات التردد المعتاد الذي يتحلى به بلينكن أمام رئيسه والرأي العام بشأن إدانة أي شيء تفعله آلة القتل الإسرائيلية. وذلك يتجلى في توضيحاته للرئيس بايدن: «قد لا يكون الإسرائيليون، رغم ما يُبَلّغ عنه في البداية، لكننا لا نعرف. ليس واضحاً متى سنعرف» (ص. 229)، نسبة إلى قصف أحد المستشفيات في غزة. وستجد تأكيدات عن خطة النتن الإسرائيلي الحرفية للقيام بهجوم استباقي على لبنان و«التأكيد القاطع من بايدن بأن الولايات المتحدة ستدعم إسرائيل بالكامل في هجوم استباقي» (ص. 202). وستجد تأكيدات عن خداع وتأليب النتن الإسرائيلي الذي خاطب الإدارة الأميركية بخصوص حزب اللـه في مسخرة يرويها بوب وودورد بكل جدية، على مدار دقائق مصيرية تلو الأخرى مثيرة للتوتر المصطنع، وكأن وودورد يريدها دراما على مستوى أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات. ففي الدقيقة 11:16 (يا لهوي) من الصباح يتصل رون درمر (وهو مساعد النتن الأول ونسخته في قابيل وهابيل) بمستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جِيْك ساليفن: «هاي، نحن نتحدث بشفافية كاملة معكم. لقد بدأوا الهجوم. هناك مظلات شراعية قادمة من الشمال. واحدة منها هبطت للتو وأطلقت النار على موكب جنازة لشخص توفي يوم 7 أكتوبر. سنقوم بشن الهجوم. وأقول لكم، يجب أن تستعدوا. سنبدأ بعد 30 دقيقة» (ص. 208)، إلى أن أخيراً بعد ساعتين مرعبتين من حتمية الحرب الإقليمية، اتضح في الدقيقة 1:01 (بالضبط) «أن المظلات الشراعية التي أبلغ الإسرائيليون عن رؤيتها قرب الحدود الشمالية كانت في الواقع طيوراً». خَيْ، الحمداللـه.
 
 
قراءتي لكتبه السابقة تؤكد نظرتي أن بوب وودورد لا يتصبّب عرقاً في جهد الكتابة. رغم احتقاري للصحافي توماس فريدمان الصهيوني الخبيث (الذي صادفته، كنازح من حارة حريك خلال اجتياح 1982، لأول مرة على سطح أوتيل الكسندر مع زمرة من الصحافيين الأميركيين ينتظرون وصول اللعين أرييل شارون لبدء مؤتمره الصحافي في مطعم الفندق، كما صادفته مرات عدة في بوسطن ونيويورك)، إلا أن فريدمان قادر على إنتاج دراما ذات رؤى عميقة على الورق بالمقارنة. أسلوب وودورد مسطح وممل من دون أي رؤى أو تفاصيل مفيدة. «حرب» قراءة غير مثيرة، وفي أحسن أحواله مُهين لذكاء القارئ الأميركي والعربي، أسوة بمراجعات وردت في وسائل إعلامية كجريدة «النهار» ومنصة «الخليج»، التي حاولت تبييض وجه الأميركي «حين صرخ بايدن بنتنياهو بعد اغتيال فؤاد شكر»، دون ذكر أقوال الزعماء العرب، أو تغنّت بكل ما يقوله كاتب البلاط الأميركي عن «خفايا المطبخ السياسي الأميركي». الأكلة بايظة.
 
 
خلاصتي أن السياسة الخارجية الأميركية عبارة عن فوضى مدروسة من الرعب الحقيقي. لا شك في أن نشر هذا الكتاب تم توقيته بعناية لاستغلال وتنظيف صورة ما لإدارة تدفع نحو بايدن 2.0 تحت قيادة كامالا هاريس. من يظن أن موسم عيد الميلاد ورأس السنة قد حان، يكتشف أن «حرب» يذكرنا بأننا نعيش موسم «هالُوِين» يومياً ومخيفاً لبقية الحياة بإدارة هاريس أو ترامب، لا فرق. الكتاب هذا شبيه بمقعد في الصف الأمامي لمسرحية أميركية، لكنك لن تشعر بصدمة دراماتيكية إلى درجة السقوط من المقعد، فلا حاجة إلى تثبيت حزام الأمان. صمام أماننا يبقى واحداً لا غير: مقاومتنا الشريفة، وحدتنا الوطنية (يا رب)، وربما يقظة سحرية عربية غير معول عليها للأسف.
 
 
المصدر: الأخبار