المنطقة نحو الحرب الكبرى أم تعدّل قواعد الإشتباك فحسب
د. بلال اللقيس
الجمعة 16 آب 2024
كل الدلائل والقرائن تؤكد أنّنا لا زلنا وسنبقى تحت سقف الحرب الكبرى. صحيح أنّ هذا ما لا ترغب به حكومة نتنياهو، فالوقت ينفذ مع دنو الانتخابات الأميركية. وبعد هذه الانتخابات ستكون أميركا مع رئيس من أي من الحزبين أو أزمة دستورية تعصف وصدع يتعمّق في التجربة الديموقراطية. الأخير مصلحة لمحور فلسطين فيما لو وقع، أمّا انتخاب رئيس بسلاسة سيعني أنّ أميركا ستكون إزاء إعادة تجديد مقاربتها حتّى لو فاز دونالد ترامب. أي رئيس سيضطر الى أن يقرأ العالم مجدداً وتعريف دور أميركا مجددا ولن يكون تحت ضغط الإنتخابات واللحظة، السنوات الأربعة الماضية لم تتم الاستفادة منها كما تمّنى بايدن والغرب لإصلاح الشرخ داخلياً، وخارجياً اعتبرت الانجازات محدودة، فالتردد القاتل كان سمة هذه الإدارة. الأرجح أنّه سيعيد تعريف المصالح. عندها سيتّضح المشهد أكثر، فهناك جهة ستتحمّل المسؤولية ولا يمكنها ألا المراوغة تحت مسمّى الوقت الضائع والقاتل الذي تعيشه الإدارة اليوم. في كل الحالات لن تكون اي إدارة أكثر صهيونية من إدارة بايدن واقعاً، وأي تغّير محتمل ولو في الشكل والأسلوب ستكون له تداعياته وآثاره المهمة أيضاً !. الرئيس المقبل أمامه عالم كبير يتغيّر وبسرعة، ليس الوقت للحروب مع العالم العربي - الإسلامي ولا مع قواه المحركة للخطاب الثقافي- السياسي- الاجتماعي المتمّثلة اليوم بـ"محور المقاومة" وخطابه، فالمنطقة مرهقة، كل من يدخل اليها عنوة من الخارج يغرق فيها ويكون الحصاد قليل ومحدود كما أثبتت الحروب الأميركية في العقدين الأخيرين، لم تعرف أميركا كيف تنهي نزاعاتها بل على حد تعبير مفكريها الكبار كان العقدان الأخيران منذ غزو العراق بمثابة كارثة في السياسة الخارجية.
في الموازاة، الوقت ليس لمصلحة حكومة الكيان. وليس لمصلحتها نزاع يتشابه مع حروب الإستنزاف - لكنه أخطر منها ومختلف نوعاً ما عنها ويحتاج الى صك مصطلح يشبهه – لأسباب ليس آخرها طبيعة الكيان وقدرته على تحمل نزف يطاول كل جهاته ومجالات دولته وسردية نشوؤه وفلسفة دوره. سيادة "إسرائيل" وهيبتها صارت أشبه بالدول العربية، لم تعد قادرة على القيام ذاتياً، كما لم تعد "سيادتها" في منأى عن التحّدي كما في السابق، فالتقابل في الضغط هو جديد المنطقة اليوم وغداً، لم يعد التهجير من "ميلة" واحدة ولا الألم ولا الوجع، الجميع باتوا سواء. أمّا المجتمعات الإسلامية والمجتمعات المؤمنة في هذا المشرق بثقافتها وقيمها أقدر على الصبر والتحّمل واجتراح أدوات النزاع وأساليبه، هي تعيش شرعية طبيعية بينما "تعيش" إسرائيل تحّدي البحث عن الشرعية والاستمرار على غرار 1948 ولا تنّفك تبحث عن الإعتراف بعد أن باتت القوة المفرطة عاجزة عن ملئه.
محور فلسطين والشعوب المؤمنة ـ المستضغفة ومن خلفه لا يبدو متعّجلاً ولا مستعجلاً، فهذا النموذج والوتيرة المحدودة من المعركة مناسب، يجمع هدفين "الإنتصار لفلسطين وخفض الكلفة في الأوطان " فتحقيق الهدف بأقّل كلفة واجب أخلاقي ووطني وديني – بغّض النظر عن تقييمه لنتائجها فيما لو فرضت عليه الحرب - ، خصوصا وأن "إسرائيل" استنفذت أغراضها في غزّة.
انقلب المجّن، انكشفت "إسرائيل" وأنظمة الغرب معها انكشافاً تاريخياً وكلياً، "طوفان الأقصى" أصابهم في مقتل كان أشبه بما أصاب الإتحاد السوفياتي مع البروتسرويكا والغلاسنسوت حين انكشفت حقيقته وأزماته العميقة بعيون العالم وشعوبه فسرّعت كثيراً في انهياره. الغرب اليوم يسير الى لا مركزية عامة (تراجع زخم الاتحادات) واتجاه الى "لامركزية" داخل الدول ولا استقرار داخليا وتحولات ومخاضات كبيرة، والمشكلات الإقتصادية فيه صار يقّر بها الجميع ويصعب لجمها، والأخطر من ذلك كلّه تهاوي الفكرة الإجتماعية والسياسية التي حملت الغرب لعقود أي الديموقراطية الليبرالية وعبّرت عن قوّته، يعيش أزمة تعريف المصالح لا تحديدها، وستتفاقم !. ما يصيبه اليوم أعقد بكثير ممّا اصابه في الخمسينيات والستينيات زمن حربي كوريا وفيتنام على حد سواء وتداعياتهما على الدلخل الأميركي فكرياً وثقافياً وسياسياً، الغرب اليوم بات يحتاج الى ورشة عمل جذرية إذا أراد أن يكمل ولا يتداعى، يحتاج الى التجديد ولا يجد مجدِّداً. لذلك الوقت هو لمصلحة قوى المقاومة، والكيان الصهيوني يدرك ذلك ويدرك أنّه لن يكون بعد حين في بيئة دولية مريحة كالتي أنشأته أو واكبت نشأته.
إنّ الإبقاء على سقف ما دون الحرب الشاملة مصلحة محسومة لمحور المقاومة، بهذه الصيغة من المعركة قادر على استنزاف العدو وطويلاً جداً وإرهاقه وكسب المعركة بالنقاط، قادر على التكّيف والتطوير وتحسين نقاط المواجهة ولديه خصيصة الصبر الاستراتيجي ويمتلك ما يكفي من العدّة والعدد والعمق الاستراتيجي والعزم، ويمكنه بـ"دوز" معيّن أن يزيد من تصدّع جبهة العدو ومصالح حلفائه الخارجيين والشقوق بينهم بل وفي داخل كل دولة من دولهم، وقد تصل النوبة الى بدء تململ المجتمعات الغربية من عبء الكيان، فلننتظر! .
إذا المسرح صار واضحاً ومحدداته أكثر وضوحاً، الخطير فيه هو هذه الأشهر ما قبل الإنتخابات الأميركية حيث تشّتت السلطة في الولايات المتّحدة وإمكانية تبادل كرة المسؤوليات وتقاذفها وإمكانية المبالغة في المزايدات الداخلية قبل الانتخابات بين المرّشحين، وهو ما يشغل اهتمام نتنياهو، يسعى بكل قوّة في محاولة ترميم ردعها الذي تآكل منذ 7 تشرين، يريد أن يعّوض بنقل المعركة الى الخارج وباستخدام نمط الإغتيالات للإيحاء لجمهوره والعالم أنّه لا زال قوياً وقادراً.
ثانياً وهو الأهّم، يسعى بجد كما بات واضحاً الى توريط أميركا ليس مع قوى المقاومة إنّما مع إيران، أي الرأس بحسبه، إنّ جر أميركا الى مواجهة مباشرة مع إيران يؤدي الى تحسين أوراق "إسرائيل" في أي تفاوض على القضية الفلسطينية وفي البيئة الخارجية ويحّسن ظروف أي رئيس مقبل الى "البيت الأبيض" في الإقليم. لا شّك في أنّ "إسرائيل" وعلى ضوء استهداف القنصلية في دمشق تعلم أنّ إيران سترّد رداً مختلفاً وأقوى من سابقه، ما يعني أنّ أصل الهدف هو جّر إيران من موقع دولة المساندة الى دولة المشاركة المباشرة وتكبير دائرة النزاع وإدخال اللاعب الأميركي مباشرة فيه. هنا نتوّقف ملياً ونسأل: هل يعني ما تقدّم أنّ إيران لن ترّد ؟. كلاً ليس هذا المقصود فإيران حتماً سترد وردها سيكون قوياً ولا يأتي في سياق ما يريده الغرب، أي رداً مُحتوىً وبما يخدم سياسته ويحّقق غرضه في إدارة التوازن، بل رداً حراً ذاتي الغاية والهدف يلحظ مصلحة "محور المقاومة" والمنطقة والقوى المناوئة للهيمنة الأميركية في العالم - ولو بطريقة غير مباشرة- لكن ليس بالضرورة أن يكون رداً عجولاً وانفعالياً. فسيف الوقت هو كالسوط وجزءاً من الرّد، وفي الخلال لا بأس ومن المفيد أن يُصار لمجموعة معطيات تساعد في إنضاج مسرح وسيناريو الفعل، وما يتوّقع من تعاقب بحيث لا يبلغ الحرب الشاملة! فيُفشل نتنياهو في استدراج الغرب كما ويضّيق هامش الوقت أكثر لمحاصرة احتمالات وهامش خصوم إيران للفعل وتوسيع الشقّة و"مسوغات" أي رد إسرائيلي على صعيد الرأي العالمي وليس آخراً طبيعة الإستهداف وقيمته. نحرر هذه النقطة أكثر فنقول: غالب الظّن أنّه يجب إدخال عوامل وعناصر جديدة تعقّد إمكانية تدحرج الأمور الى الحرب الشاملة، تبدأ بتعزيز واقعية توسّع النزاع وكلفته عالمياً كما وزيادة كلفته على أميركا والغرب وتلمس شعوبهم المختطفة من مخاطر نتنياهو عليهم، وما يمكن لروسيا والصين ودول كثيرة وكوريا الشمالية والباكستان أن تكون لهم كلمة واضحة في هذا النزاع ودور جدّي لموازنة الغرب ولجمه، فحيثما يكون محور النزاع مع أميركا وحلف "الناتو" يُفترض ويُتوقع من القوى الصاعدة أن تقف خلف القوّة المتصّدية التي هي الآن إيران، وللحسابات العسكرية في الرّد مكانها الخطير، فإنّها إمّا تعّمق أزمة الردع لـ"إسرائيل" أو تجّرئها أكثر لاحقاً!. فالمواجهة التي يدفع اليها نتنياهو وبعض من في أميركا مع إيران لا يجب أن ينظر اليها ولا نفترض انّه ينظر اليها أنّها بين إيران وأميركا و"الناتو". إنّ إيران ومحور فلسطين هم بالفعل رأس حربة التغيير العالمي تحولات النظام الدولي الذي ستستفيد منه كل الدول الصاعدة. لذلك يتوقّع خطوات إضافية من مختلف هذه الدول، كل بحسبه، (ليس لدينا معلومات تفصيلية عن زيارة شويغو الأخيرة لطهران إنّما ما تسرّب بالإعلام يصّب في ما نطرح ). ولا يجب أن يخفى أنّ هناك اتجاها يتنامى وبقوّة عند الشعوب والنخب لا يرى مصلحته الى هذا المسار التصادمي الذي تسعى اسرائيل لتفرضه كما تظهر الاستطلاعات، ناهيك أنّ تيارا ثالثا لا يرى في هذه اللحظة من الصدام مع العالم العربي- الإسلامي - المقاوم بما يمّثله من خطاب، لا يرى في ذلك مصلحة بعيدة للغرب وأنّ آثار أي حرب على المشهد العالمي في ظروف إقتصادية ومخاطر كبيرة ستساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على فرض شروطه على المسرح الأوروبي ومن خلفه الصين، خصوصاً أنّ أزمة الإقتصاد في الغرب والإضطراب المالي والديون تتفاقم بسرعة وقد تفاجئ الفقاعات والأزمات الجميع.
في اختصار الصورة بمقدار ما هي معقدّة وتبدو غامضة بقدر ما تشي أنّ المحددات العامة المتأتية من الظرف الدولي وبنيته والعوامل الموضوعية في تحولاته كما الواقع الداخلي في أميركا وعموم الغرب اضف اليه المخاطر الكبرى الفعلية إزاء أي نزاع مباشر مع "محور المقاومة" لما يحوزه من موقع حساس وحاكم على بحار ثلاثة وامكانات لا تجعله يخسر المعركة مهما طالت وصعبت، وتجعل أي معركة معلومة البداية لكن مجهولة الحدود والنهاية، كلّها عوامل لا تزال حاكمة على المشهد، ونفترض أن تؤدي الى تفويت الفرصة على العدو الصهيوني وتبقيه دون تحقيق أي من هدفيه في محاولة استعادة الردع أو تكبير النزاع بتوريط الجميع في الحرب الكبرى. لذلك يتوّقع أنّ تتعدّل قواعد الإشتباك وتتطور كيفاً وكماً خلال الفترة المقبلة لكن دون سقف الحرب الكبرى. وهذا مصلحة فعلية لقوى المقاومة وربّما للعالم كله الذي سئم الكيان الصهيوني وصلفه باستثناء إسرائيل وبعض الأنظمة المساندة لها في الإقليم. إذاً نرى أنّ محور فلسطين وبالوقت الذي يستعد فيه للرّد القوي على الكيان الصهيوني هو يستنفذ كل أوراق شرعية قعله وقانونيته وإنتاج ما يمكنه من ظروف تساهم في تفريغ المسعى الصهيوني وفي الآن نفسه إجهاض محاولاته لإستعادة ردعه، بل وكشف عجزه الذاتي أكثر فأكثر من خلال سلسلة إجراءات كلية سياسية واستراتيجية وأخرى نفسية.
يبقى للبعض أن يقول، ماذا إن استمرّت أميركا في الاندفاع وصولاً للتوّرط؟! حينها يمكن أن ندّعي أنّ أنظمة الغرب بقيادة أميركا قد استيأست من إمكانية استرداد هيبتها وردعها ومكانتها العالمية وفي غرب آسيا وتريد أن ترمي آخر أوراقها، أي "إسرائيل"، وتستعملها لتفاوض في الكيان الصهيوني، تفاوض عليه وليس له، وهو ما نستبعده لحسابات المصلحة والعقلانية نفسها التي لا أظّن أنّها تلاشت بكاملها في دول الغرب بعد.
المصدر: الجمهورية