كُتّاب الموقع
أميركا مكيافيلي العصر الحديث!

محمود القيسي

الأربعاء 26 حزيران 2024

«أخرج أيها الصفر
 
من النفي النهائي إلى الكون النهائي
 
أنتفض.. كن..
 
أمحق الآلية العمياء والنفي..
 
لم أعد أعلن قلبي فرحًا إلّا يسار الشمس
 
أغذّيه بأقصى الشعر والحقد...
 
وأنساه بصمت الخندق المكتظّ بالأمطار..
 
والأبطال.. والأهوال..»
 
(مظفر النواب)
 
من وصول طاووس أميركي إلى مغادرة طاووس أميركي آخر... من مغادرة طاووس الخارجية الأميركي بلينكن من المنطقة إلى وصول الطاووس الأميركي أموس هوكشتاين مبعوث الرئيس الأميركي إلى إسرائيل ولبنان... من طاووس اميركي إلى طاووس اميركي آخر.. اميركا تعتقد أنها إله السياسة «المطلق» في العصر الحديث «المطلق».. المطلق الثابت الذي لا يقبل الاختلاف والخلاف والتغيير والمتغيرات... المطلق التام كما جاء في «موسوعة اليهود واليهودية والنصرانية»، أو الكامل المتعري من كل قيد أو حصر أو استثناء أو شرط، والخالص من كل تعيُّن أو تحديد، الموجود في ذاته وبذاته، واجب الوجود المتجاوز للزمان والمكان حتى إن تجلى فيهما... مطلق المفهوم والواقع غير المشروط الذي يتجاوز الوجود المحدود والمشروط في كل يوم في الزمان الأميركي والمكان... المطلق الذي يُستخدم أحيانًا على أنه مصطلح بديل لـ«الله» أو «الإله» وعلى وجه التحديد ممّن يشعرون أن مصطلح «الله» يفسح المجال بسهولة جدًا للافتراضات التجسيمية... حيث يعتقد البعض ان هذا «الوجود المطلق» هو الوعي نفسه، الوعي المَحض الخالي من أي شيء عدا نفسه كما تعتقد الرأسمالية الليبرالية رغم اعتذار فوكوياما وانتقاده لذاته في كتابه الفاشل «فوكوياما ينتقد فوكوياما». المطلق الأميركي الذي يتبقّى إذا اختفى العالم من الوجود بكل ما فيه، أي إذا انتفت العلاقة بينه وبين الوعي، حينها لن نحصل على «الوجود المطلق» الفارغ كشيء خارج وعينا وإنما سنحصل على وعينا الفارغ من كل شيء إذا صدّق البعض انّ قوة اميركا مطلقة بلا حدود... وهنا تُطرح اسئلة مثل، ما هو المطلق؟
 
في كتابه «ظواهر العقل»، ناقش هيغل ثلاثة أنواع مختلفة للعقل: «العقل الذاتي» ويرمز لتفكير الفرد، «العقل الموضوعي» ويرمز للتفكير المجتمعي، و»العقل المطلق» وهو اتحاد لكلّ المفاهيم والمبادئ... وما هو التفكير المطلق؟ يشير مصطلح «المطلقية» أو «الحكم المطلق» (Absolutism) إلى الأفكار والعبارات والكلمات التي تدل على الكلّية سواء من حيث الأهمية أو الاحتمالية كما هي الحال الأميركية؛ إن الأفكار المطلقة غير مؤهلة بفارق دقيق، كما أنها تغفل عن مدى تعقيد موضوع معين... وهنا تُطرح أيضًا أسئلة إضافية مثل: ما المقصود بالوجود المطلق؟ هو ما دلَّ الى الحقيقة بلا قيد. أو هو كما قال الشوكاني: «ما دلَّ على الماهية بلا قيد من حيث هي هي، من غير أن تكون له دلالة على شيء من قيوده». وقال الآمدي في تعريف المطلق: «هو عبارة عن النكرة في سياق الإثبات.. وما معنى الشيء المطلق؟ الشيء المطلق هو الشيء الذي لم يقيّد بشيء. الشيء المطلق هو الذي قُيِّد بعدم القيد. بدأت الديانات من العصور البابلية الآشورية والكلدانية مرورًا بالكنعانية ثمّ العربية وصولًا إلى الليبرالية الرأسمالية الحديثة. والتي أصبحت معها الرأسمالية الأميركية العالمية المنظومة الأكثر تطورًا في تاريخ البشرية كلها بلا استثناء... فكرة الإله الإبن الذي يتفوق على أبيه، ويأخذ سلطاته، هي فكرة شائعة في ميثولوجيا المنطقة وميثولوجيا الشعوب الأخرى. فإنليل نفسه قد صار الإله الأول في مجمع آلهة سومر، ومردوخ فيما بعد تفوّق على أبيه، وصار سيّد آلهة بابل، وعند الكنعانيين نجد الإله الأكبر إيل وقد تخلى عن مكانه للإله بعل الذي تفوّق على أبيه داجون.
 
وفي المعتقد المسيحي نجد الإله الإبن وقد غدا أكثر أهمية لخلاص الإنسان من الإله الأب.. نحن نعيش مرحلة مغامرة العقل في عصر الذكاء الاميركي الآلي.. أو المنظومة الرأسمالية الاعلى.. والتي استطاعت الرأسمالية الأميركية من الاستحواذ على كل ما يهبّ ويدب في عصرنا الحديث «المطلق» كما جاء في مفهوم الوجودية الأميركية وشروطها وقوانينها. نعم، الأميركية أو الآلهة الذكية الحديثة «المطلقة» التي تُخيّر العالم بين الإيمان بها والبقاء في ملكيتها وملكوتها.. أو الكفر والخروج من جنتها الموعودة وحدائقها.. حدائق الكريستال المستبدة.. و»العاقبة على المتقين»، كما يقول الأميركي في استعارة مسروقة من الأديان المصادرة والمسروقة... يقول بيكسابي: «نقطة الضعف الغربي إنما تكمن في المأزق الأخلاقي الذي يعيشه والتناقض بين ما يقدمه من دروس ومحاضرات عن القيم، وممارساته الفعلية». يعتبر نيتشه العقلانية والأخلاق الغربية مجرد أعراض لمرضٍ مُستشر في جميع المجالات: المؤسسات، الإيديولوجيات السياسية، العلوم، الفن، الفلسفة، علم اللاهوت... كلها تعمل وفقًا لما يسميه نيتشه «المُثل التقشفية» التي تدعو إلى الزهد، النفي، الاتهام ما يفسّر سبب الحرب التي شنها نيتشه على فاغنر، والفلاسفة، والمسيحية وكل المُثل والايديولوجيات «المعادية للحياة». المُثل ليست سوى أصنام مقعّرة هدفها التنكر للحياة وتمجيد اللاشيء.. تمجيد العدمية. كل قيم ومثل الغرب منذ لحظة سقراط حتى شوبنهاور لم يكن لها مِن هم سوى محاربة هذه الحياة... ليس من الإجحاف القول ـ استنادًا الى شواهد التاريخ وقرائن الواقع ـ إن الغرب يسعى الى تكريس الواقع المر للشعوب المسلوبة إرادتها، المنهوبة ثرواتها وذلك استدامة لتفوّقه وبقائه سيدًا لبقية العالم والإله المطلق!
 
وقعت الحكومات الأميركية تاريخيًا 371 معاهدة سلام مع الهنود الحمر سكان القارة الأميركية الأصليين خلال 150 عام خرقتها كلها ولم تحترم واحدة منها وكانت النتيجة إبادة شعب وحضارة بكاملها.. ابادة ما يقارب 100 مليون أو اكثر.. ويحدثوننا عن حقوق الانسان، وحقوق الحيوان وحقوق القوارض والقوارص والزواحف.. والطيور والحيتان... ولا يعنيهم، أو يهمهم في حقيقة الأمر سوى حقوق القرصان..؟
 
أو بالأحرى حقوق الرجل الأبيض.. الأبيض فقط. يكتب الشاعر لانس هنسون وهو ينحدر من سكان اميركا الأصليين بأسلوب مقتصد من دون علامات ترقيم أو قافية أو وزن، وهو أسلوب شبيه بأغاني قبيلته التشيينية. يَستلهم في شعره التراث والفلسفة التشيينية ويُضمّنه تعليقاته الاجتماعية والسياسية.. ويدافع عن حقوق السكان الأصليين ضد الظلم التاريخي الذي تعرضوا له.. والتهديدات الحديثة لثقافاتهم: «هنا الريحُ نفسها عبْر جميع الحدود ترفعُ يديها المفتوحتين.. يديها المكسورتين.. هنا في أواخر الشتاء في الممرات المختلفة لهذه الأيام كما لم يحدث من قبل نسمعُ الاسم الذي لنا يتكرّر مرة بعد أخرى.. هنا ما انتُزِعَ من الظلام يتوضّع في مكان باردٍ ويراقبنا... ثمة أيامٌ تولد بعيدًا جدًا عن بعضها.. وكلمات بالغة الحزن من الصعب أن نعرف أنها كلمات تعود جميع معانيها لكن من دونها... كان يوم أمس يتحرّك بين المصابيح... قطعةُ قماش حمراء ممزقة تسقط على الأرض حلمُ منْ... تتساقط جميع الأصوات الحزينة.. على حافة العالم.. على حافة كل شيءٍ... وكل شيء..!
 
 
المصدر: الجمهورية