الواقع الاجتماعي والاقتصادي للنزوح السوري.
غادة حاطوم
السبت 25 أيار 2024
لم يخطر ببال اللبنانيين، عندما فتحوا حدودهم أمام النازحين السوريين، عام (2012م)، أن الأوضاع ستصل إلى ما وصلت إليه من تدهور.
فبعيدا عن السياسة وزواريبها الضيقة، فإن معظم النازحين السوريين في لبنان يعيشون في ظروف مزرية، إذ إن الاستغلال السياسي والطائفي لا يتحكم بوجودهم فقط، بل في عودتهم أيضا، لا سيما أنهم دخلوا الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية، الأمر الذي جعلهم معرضين للاعتقال والملاحقة من قبل السلطات المكلفة بتطبيق القانون.
يتوزع النازحون السوريون على عدد من المناطق اللبنانية، ويعيش معظمهم في مخيمات عشوائية تنتشر في عدد من المناطق اللبنانية في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية خانقة، واجتماعية ونقدية متفاقمة، يضاف إلى ذلك انهيار في منظومة الخدمات العامة، والبنى التحتية مثل: الكهرباء والماء والطرقات. هذا النزوح أدى إلى نتائج سلبية من أهمها: تفشي الجرائم واكتظاظ السجون. الأمر الذي دفع معظَم اللبنانيين -بشكل طبيعي- إلى تصاعد منحى الرفض عندهم لوجود النازحين، والمطالبة بإعادتهم إلى بلادهم، مع ما يصاحب ذلك من رفض كامل لدمجهم في المجتمع اللبناني الذي يشكل مخالفة دستورية، إذ نصت مقدمة الدستور اللبناني: "إن أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين، فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها، والتمتع بها في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".
وفي منظور اللجنة الدولية للصليب الأحمر: اللاجئ، هو كل شخص عبر حدوَد دولته إلى دولة أو دول أخرى، وهو في حالة خطر، أو اضطهاد من دولته الأصلية. أما النازح، فهو كل شخص انتقل من منطقة إلى منطقة أخرى داخل حدود دولته من دون أن يعبر الحدود، ولكنه اضطر لسبب من الأسباب أن يترك مكان إقامته الأصلية. وعليه فإن الاتفاقية الموقعة عام (1951م) التي ترعى أوضاع اللاجئين، والتفويض الممنوح لمكتب الهيئة العليا للاجئين التابع للأمم المتحدة، يمنحان الإطار القانوني والمرجعي لحماية اللاجئين. أما النازح فلا قانون لحمايته، غير أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يؤمن له بعض ما يشبه مظلة حماية -وإْن كانت محدودة الفعالية- ضَد بعض الأخطار التي تحيط به.
أما لبنان، فهو لم يوقع الاتفاقية الصادرة عن المؤتمر الخاص باللاجئين لعام (1951م)، ولا البرتوكول التابع لها الذي صدر عام (1967م)، بل اكتفى بالتوقيع على مذكرة التفاهم مع مفوضية شؤون اللاجئين UNHCR عام (2003م)، التي تنص على أن الحكومة اللبنانية تمنح طالبي اللجوء، من خلال طلبات مقدمة من قبل المفوضية، إقامة مؤقتة من ثلاثة أشهر قابلة
للتمديد من تسعة أشهر إلى سنة.
أما الوثيقة القانونية التي تنظم وضع إقامة اللاجئين، فهي ما صدر عن المديرية العامة للأمن العام، وتنص على أنه لا يحق لأي سوري الدخوَل بصفته لاجئاً، إلا في حالات شديدة الخصوصية بالتنسيق مع وازرة الشؤون الاجتماعية، أما السوريون المسجلون مسبقا بصفتهم نازحين، فلا يمكنهم معاودة دخول الأراضي اللبنانية إلا إذا التزموا بشروط هذه المذكرة.
هنا نتسائل: في ظل هذا الوضع ما الدور الذي تقوم به مفوضية اللاجئين UNHCR؟ تجيب إحدى المسؤولات بالمنظمة قائلة: "تقوم المنظمة بمساعدة هؤلاء النازحين من خلال إعطائهم إعانات نقدية،
ومساعدتهم للدخول إلى المستشفيات، والتحاق أطفالهم بالمدارس الحكومية اللبنانية، وهي تبذل قصارى جهدها ضمن الموارد والإمكانيات المتاحة، وتضيف: "ومع ذلك، فإن هؤلاء
الطلاب يعانون من مشاكل ترجع أساسا لأسباب اجتماعية واقتصادية ونقاط ضعف أخرى مما يؤثر على بقائهم في المدارس العامة وربما يدفع بهم إلى ترك الدراسة".
وبالرغم من القيود المفروضة فإن عددا كبيرا من هؤلاء النازحين يحاولون يوميا مغادرة الأراضي اللبنانية عبر البحر بطريقة غير شرعية، إذ يصلون إلى أوروبا وأستراليا وبلدان أميركا الشمالية.
أما عن إمكانية إعادة توطين هؤلاء النازحين في بلد ثالث، فتجيب المسؤولة السابق ذكرها: أن عملية إعادة التوطين في بلد ثالث تعد حلا محدودا لعدد من النازحين المعرضين لخطر الاعتقال في حال عودتهم إلى بلادهم. ويبقى الأمر مرهونا بنظام الحصص الذي تخصصه كل دولة لعملية إعادة التوطين. وتضيف: أنه في السنوات الأخيرة تمت إعادة توطين أقل من واحد بالمئة من جميع اللاجئين والنازحين الذين تعَنى بهم المفوضية في العالم سنويا، مشيرة إلى أنه ليس هناك من أولوية لجنسية على أخرى، فالمعيار الوحيد يقوم على قاعدة الأكثر حاجة.