المندب... باب السلام الدوليّ ومعادلات ما بعد الحرب
الياس مخايل المر
الخميس 14 كانون لأول 2023
ضجّ مطلع الأسبوع الجاري بحادثة قصف حركة "أنصار الله" الحوثية اليمنية للناقلة البحرية التجارية النروجية لدى عبورها في باب المندب.
لنقرأ قليلاً في الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب ودوره على مستوى التجارة العالمية وتجارة الطاقة خصوصاً، وما لهذه التجارة من تأثير مصيري وحاسم على دول عدّة وعلى الشعوب، أي على الاقتصاد العالمي، بمعنى أنّ من باب المندب تمرّ يومياً نحو 57 ناقلة بحرية في الاتجاهين، أكثر من نصفها محمّل بالمواد والمشتقات النفطية.
لماذا يستهدف الحوثيون سفينة نروجية، فيما هدّدوا في وقت سابق السفن الاسرائيلية فقط، ضمن إطار ما سُميّ الدعم والمساندة للفلسطينيين في حربهم ضدّ اسرائيل، واحتجاجاً على الاجتياح والمجازر الاسرائيلية في حق "شعب عربي ومسلم شقيق"، حسبما ورد على لسان القادة الحوثيين وعلى لسان الناطق باسمهم في أكثر من مناسبة منذ بدء الحرب الاسرائيلية على غزة بعد السابع من تشرين الاول الماضي.
الاّ أنّ اللافت في الأمر، أنّ السفينة المستهدفة صحيح أنّها نروجية، الّا أنّها كانت متوجّهة الى اسرائيل لترسو في ايلات، وأنّها كانت حسب البيانات ستدخل المياه الاقليمية الاسرائيلية في الرابع من كانون الثاني المقبل.
انّ معرفة الحوثيين لهذه المعلومات الدقيقة التي كانت السبب في اعتراض السفينة، تشير الى أنّ هناك عملاً ونشاطاً مخابراتياً دقيقاً ومحترفاً، يُقال في الأوساط والدوائر الغربية إنّ ايران، والمخابرات التابعة للحرس الثوري الايراني تحديداً، تقف وراءه، ما قد يفتح في المستقبل مجال النقاش حول ضلوع ايران نفسها في الهجمات التي تحصل في مياه الخليج، وقد تؤدي الى نتائج خطرة على مستوى أمن المنطقة، ومن الممكن أن تحرّك أساطيل العالم الى مياه الخليج تحت عنوان حماية المصالح الدولية والتجارة العالمية، ولا سيما منها أمن الطاقة الذي من الممكن أن يهدّد الاقتصاد العالميّ، خصوصاً في ظل عدم الاستقرار وعدم اليقين الذي يعيشه، وهو الذي لم يتعاف أصلاً جراء مرحلة ما بعد كورونا من جهة، والندوب التي أُصيب بها جراء الحرب الروسية - الأوكرانية، وما كان لها من آثار مباشرة على الانكماش العالميّ وخصوصاً الأوروبي منه، وتحديداً على مستوى الطاقة في ظلّ ارتفاع سقف الأسعار من جهة والعقوبات التي فُرضت على صادرات الطاقة الروسية من جهة أخرى. وهذا القلق الذي ينتاب اوروبا في أول كل شتاء، ونحن اليوم في وسط موسمه، ما ينعكس مباشرة انكماشاً وتضخماً في الاقتصاد الأوروبي، واحتجاجات وتحركات شعبية في الشارع الأوروبي، كتلك التي تشهدها فرنسا اليوم، وكذلك ألمانيا كبرى الاقتصادات الأوروبية وبريطانيا.
اذاً، الحوثيون "وعدوا ووفوا بالوعد"، ليس فقط باستهداف السفن الاسرائيلية بل أيضاً السفن المتّجهة الى اسرائيل، وتحمل لها البضائع والمواد الغذائية والأدوية التي أصبحت حلماً بالنسبة لأي طفل في غزة.
على إثر هذه التطورات ارسلت اسرائيل بارجة أو مقاتلة بحرية عسكرية الى مياه الخليج لحماية مصالحها والملاحة هناك، وكذلك صرّحت الولايات المتحدة أنّها ستفعل. ولكن المفارقة أنّ أميركا دعت الى تحالف دولي للقيام بذلك. لماذا التحالف الدولي وليس منفردة؟ جاء الجواب على لسان "أنصار الله" أنفسهم، الذين توعدوا الولايات المتحدة بضرب كل القواعد العسكرية في المنطقة التي تطاولها الصواريخ أو المسيّرات اليمنية، إذا قامت أميركا بالردّ أو باستهداف اليمن بضربات انتقامية. لذا تحاول أميركا أن تقوم بهذا النشاط العسكري الوقائي في مياه الخليج من ضمن تحالف دولي وليس بمفردها، تحسباً لردّات الفعل اليمنية وتحسباً لتنفيذ الإنذار بإقفال مضيق باب المندب كلياً.
ماذا يعني إقفال باب المندب؟
إقفال هذا المضيق وتعطيل حركة الملاحة فيه يعني أنّ على السفن العبور في اتجاه رأس الرجاء الصالح، وإلغاء عمل قناة السويس والبحر الأحمر كلياً، ما يعني أنّ الرحلة ستستغرق أكثر من 4 الى 5 أسابيع، ومما يزيد عن الابحار 13 ألف كلم اضافية، مع ما لهذا من انعكاس مباشر على كلفة التأمين والوقود والشحن والبضائع على أوروبا من جهة، وعلى اسرائيل من جهة أخرى، التي وصلت خسائرها في الشهرين الماضيين منذ "طوفان الأقصى" الى ما يفوق عن 60 مليار دولار.
كيف يُترجم ذلك على الحرب داخل غزة؟ بحسب الكاتب الإسرائيليّ عاموس هفل، أنّه صحيح أنّ الجيش الاسرائيلي يقاتل في خان يونس والشجاعية وبقدرة أقل في خان يونس، ولكن السؤال الذي يُطرح، أنّه وللشهر الثاني ولم ينهِ الجيش الاسرائيلي ثلاثة أحياء في غزة، ويُسأل نتنياهو: كم ستستغرق من الوقت ومن الجنود الاسرائيليين الذين يموتون كل يوم لتستكمل الاستحواذ على كل غزة، وأنت لم تنجح في السيطرة على الأحياء الثلاثة بعد؟ أضف الى أنّ هناك فرقاً من الاحتياط يتمّ تبديلها كل فترة، الاّ أنّ هناك فرقاً أساسية من الجيش الاسرائيلي لم يأخذ جنودها أي اجازة منذ بداية الاقتحام البري على الأقل لغزة، ما يعني أنّ القدرات البشرية القتالية والعددية ستكون في قابل الأيام أمام علامة استفهام كبيرة حول الإمكانات اللوجستية والعسكرية للاستمرار في الحرب الميدانية داخل أحياء غزة. مع العلم وللتذكير أنّ أميركا كانت قد نصحت اسرائيل بعدم المباشرة في الاقتحام البريّ.
والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه أمام كل هذه الخسائر والفشل الميداني العسكري والعزلة، هو هل ستستطيع السلطة السياسية تسويقه على أنّه انتصار وهميّ؟
أضف الى ذلك، فرضية ان يكون هناك حراك وعمليات عسكرية لحركة "فتح" في الضفة الغربية، خصوصاً "كتائب شهداء الأقصى"، فكيف سيكون وضع الجيش الاسرائيلي الغارق في غزة والمنهك أصلاً، ولن تكون الضفة الجبهة الثانية فقط، بل أنّ جبهة الشمال مع جنوب لبنان أيضاً تستحوذ على ثلث قدرات الجيش الاسرائيلي، وتمنع 65 ألفاً من المستوطنين من العودة الى مستوطناتهم، وما لذلك من أعباء سياسية مادية واجتماعية على الكيان الاسرائيليّ، ما يدفع القادة السياسيين الى التوسط مع الحلفاء الغربيين لإثارة ملف القرار 1701 من زاوية إرجاع "حزب الله" الى ما بعد الليطاني، وهذا لا يعدو كونه فقاعة اعلامية سياسية لرأب الصدع الداخلي الاسرائيلي، ولاستيعاب موجة الخوف والقلق والنقمة الأهلية الاسرائيلية على السلطة والحكومة حيال انعدام الثقة والقلق على المصير، وحالة استحالة العودة التي يعيشها أهالي الشمال الاسرائيلي الموجودون في مخيمات للاجئين في أكثر من منطقة في وسط الكيان وجنوبه.
الاسرائيليّ يريد أي شيء بأي ثمن، لأنّ السلطة السياسية وعلى رأسها نتنياهو، تعلم أنّها ستذهب مباشرة من الحرب الى السجن، ومعها قسم كبير من السلطة العسكرية وأجهزة الأمن، لسبب انّ الفشل الذريع الذي بدأ في السابع من تشرين الاول هو مشترك بين الطبقة السياسية والعسكرية والأمنية والجميع سيحاسب والتحقيقات بدأت فعّالاً تحت النار.
الاّ أنّ الموقف الاميركي الراشد معطوفاً على التقديرات الاستخباراتية، ينصح الاسرائيلي بعدم المجازفة وارتكاب أي حماقة تجاه لبنان، لأنّ الردّ اليمني سيكون مضاعفاً، وأنّ الردّ على اليمنيين سيؤدي إلى ضرب أشرس وأعمق للقواعد العسكرية خصوصاً في العراق، والردّ على الأخير سيؤدي الى تدخّل مباشر لإيران، إذ أنّ التمادي في اتجاه لبنان سيُشعل المنطقة برمتها ويُدخلها في آتون حرب لن يخرج منها أحد سالماً.
واللافت في الموقف الأميركيّ، ما جاء على لسان بايدن نفسه في الساعات الأخيرة خلال احتفال لإحدى الجمعيات اليهودية، وهو المعروف أصلاً بدعمه الكبير لاسرائيل، وأنّه الرئيس الأميركي الوحيد الذي زار اسرائيل في وسط الحرب، حيث اكّد أنّه غير متفق في المطلق مع نتنياهو بما يقوم به، وأنّه يصغي الى صوت الرأي العام الدولي الذي يميل الى رفض الممارسات القتالية الاسرائيلية بحق المدنيين والمستشفيات، والحصار اللاإنساني لغزة على صعيد مواد الغذاء والأدوات والمستلزمات الطبية، ولا شك أنّ المشهد المحرج لسفير أميركا في مجلس الأمن الذي عارض وحيداً مشروع قرار وقف اطلاق النار مقابل 168 دولة في العالم، أثرّ في الصورة العامة لأميركا، وأثر بالتالي على موقف الإدارة الأميركية لجهة وقف الدعم المطلق لما يقوم به نتنياهو، والعودة الى حسابات التوازن التي تحاول واشنطن أن تراعيها للبقاء في موقع الوسيط أو المفاوض وليس الطرف. الّا أنّ هذا الدور بدأ بالتراجع في السنوات الأخيرة بسبب الوقوف الى جانب طرف ضدّ آخر في النزاعات الدائرة في أكثر من منطقة في العالم، وما يجري في أوكرانيا أكبر دليل، ما يدفع بدول عظمى أخرى في العالم الى أخذ هذا الدور الريادي على مستوى العلاقات الدولية، والتدخّل لحل النزاعات، مثلما حاولت الصين في الملف الروسي ـ الأوكراني، ومثلما حاولت موسكو في سوريا سابقاً ولا زالت مستمرة في جهود إيجاد الحلول السياسية، وهي تحاول اليوم من خلال قدرتها على الجلوس والتحدث مع طرفي النزاع الفلسطينيّ - الاسرائيلي.
إبّان هذا الموقف الأخير للرئيس الأميركي، كان هناك موقف لنتنياهو عبّر عنه داخل اجتماع الكابينت الذي يكون عادة سريّاً، الاّ أنّ تسريباً منه خرج ونشرته صحيفة "نيويورك تايمز" يقول فيه، إنّه "من غير المقبول أن يقول لنا بايدن كل الدعم للقضاء على "حماس" وأن يوقف هذا الدعم في منتصف طريق القضاء عليها". ويضيف نتنياهو أنّه في حاجة الى شهرين اضافيين، ولا بدّ للدعم والغطاء الأميركي أن يستمر طوال هذا الوقت الى حدّ الانتهاء من المهمّة.
التفاوض السريّ...
كل هذه الأجواء الميدانية والسياسية أدّت باسرائيل الى التواصل مع كل من مصر وقطر للدخول في جولة جديدة سرّية من المفاوضات بشروط محسنة لإغراء "حماس"، مفادها العرض على الحركة إطلاق أمنيين تابعين لحركتي "حماس" و"فتح" وعدد أكبر لأيام الهدنة.
هذا الطلب فُسّر في الأوساط المتابعة على أنّه موقف ضعف وليس قوة، وعلى أنّه مراجعة نتيجة الإخفاقات والفشل في تحقيق الأهداف من جهة، والكلفة العالية التي يتكبّدها الجيش الاسرائيلي من جهة ثانية، وأنّ الأفق بدأ يضيق على القيادة السياسية، بسبب طول الوقت في الميدان، وطول الوقت لا يكون لمصلحة الجيوش النظامية التي عادةً ما تكون حركتها متعبة ثقيلة ومكلفة.
إذا توقفت الحرب الآن في هذه الوضعية، فسيكون من أبرز نتائجها، تحوّل "حماس" قوةً كبيرة في المعادلة الفلسطينية والإقليمية، وستثبت "حزب الله" على أنّه قوة الردع الوحيدة في وجه اسرائيل، والقادر ةعلى منعه من الاعتداء على لبنان أو حتى منعه من توسيع دائرة الاشتباك في المنطقة في اتجاه سوريا حتى، والوضعية الحالية ستثبت الحوثيين في اليمن على أنّهم مفتاح باب المنطقة وباب السلامة والاستقرار فيها، وأنّهم يتحكّمون بباب التجارة والاقتصاد العالميين. مع الاشارة الى أنّ كل الهجمات الحوثية، سواء الصواريخ على إيلات أو ضرب السفن في مياه الخليج، لم تُبادل بأي ردّ اسرائيلي ولا أميركي. وأيضاً من دون أدنى شك، ستثبت الدور الايراني المفاوض الأساسي والقيادي في أمن المنطقة، وعلى أنّه الشريك الجدّي والوحيد الفاعل المؤثر القادر على الجلوس على أي طاولة مفاوضات قد تنتج من اشتداد الأزمات والحروب.
وفي نهاية المطاف، لا بدّ من التذكير بمقولة هنا تنطبق على جميع أطراف النزاع، "كل حرب بلا هدف هي حرب غوغائية، وكل حرب لا تحقق أهدافها هي حرب خاسرة".
المصدر: الجمهورية