أيها الحكّام !
لقد خرس منبر المجلس تمامًا، فلم يبق لنا إلا منبر الصحافة والتواصل. الإنتخابات النيابية الأخيرة فتحت الأزمة الوزارية التي طال مخاضها وتعسّر، ولن تنفرج، يبدو، إلا بعملية قيصرية .
كان المنطق يحتم، وكان الإخلاص يحتم، وكانت التضحية من الجميع تحتم، وكانت هيبة الدولة تحتم ألّا تدوم هذه الأزمة أكثر من يومين إثنين، لتنكشف عن حكومـة تكـون على مستـوى ما يجيش في الداخل من تيارات وما يجثم على حدودنا من خطر. و مرة مكرّرة في تاريخ لبنان، تهتمّ الأوساط العالمية بتأليف وزارة لبنانية هذا الإهتمام المتتبِّع المترقّب .
يظهر أن في الأمر أكثر من تأليف وزارة . فلم يعد بدّ من التوجه إليكم، وأنتم المسؤولين الأول عن سلامة هذا البلد الذي تعهّدتم بالمحافظة عليه: على حدوده، وعلى دستوره، وعلى مصيره .
إن من يتوجّه إليكم اليوم ليس زعيمًا لحزب سياسي ولا هو رئيس لكتلة برلمانية . إنه مواطن مسؤول من هذا الشعب النبيل، غيرته الوطنية ليست مدينة لأحد من الزعماء والمتنفذين والمتمولين والسماسرة والمتدخلين الأجانب، بل هي تعبير صارخ عن إرادة شعب عانى من الكبت السنوات الطوال فصعّد كبته بشجاعة وثبات.
غير أن هذا المواطن المسؤول المجهول المصير - إذا لم يكن زعيم حزب ولا رئيس كتلة برلمانية - يستطيع أن يجزم بكلّ تواضع بأنه جندي بسيط في جيش لجب من اللبنانيين، لعلهم الأكثرية الساحقة، لا يهمّهم من أتى وزيرًا ومن أقصي عن الوزارة، بل همّهم الأول أن يبقى لبنان دولة عربية، حرة، مستقلة، عزيزة، مزدهرة .
بهذه الصفة أخاطبكم يا حكّام البلاد، متحرّرًا من جميع العقد، طارحًا جانبًا كلّ الإعتبارات التي لا تدخل في حساب الوطن، مهما كانت عالقة بوتين القلب.
منذ تتالي الأحداث الخطيرة حتى اليوم، لم نتكلم . فقد اعترانا "ذهول"، بالإذن من النواب ، ذهول ليس مما حدث، وقد كان متوقّعًا، بل ممّا لم يحدث بعد.
كنت أتوقع أن تزيل هذه الأحداث الخطيرة ما علق في النفوس من رواسب الماضي، وأن تتغلب الوطنية على الأنانية عند الجميع .
وستتألف هذه الوزارة بالأساليب التي ألفناها. كأن الأحداث لم تحدث . كأن خيمة الأمان على لبنان، تلك الخرافة السخيفة، لم تتمزق. كأن الكرامة لم تمتهن: كرامة البلد، وكرامة حكامه وممثليه، وكرامة كلّ فرد من أفراد الشعب!
وستأتي وزارة بعد عملية قيصرية بعد المخاض الطويل ولن تكون في حدّ ذاتها أسوأ من سابقاتها، وما أن تَهُمَّ سيارة الحكم بالمسير حتى تنفرط، كالعادة، منها قطع أساسية في المحرِّك . لكن قطع التبديل ستكون جاهزة وكفى الله المؤمنين القتال !
الذي كان، إلى حين، يصرِّح بأن تسعين بالمئة من الشعب لا تهمّهم السياسة، بل ينشدون الخبز والدواء والعمل، عاد في بيان احتجاج صارخ، يذكِّر بعشية حوادث 1958 و1975 وغيرها.
والذي كان، إلى حين، يود أن يحصر المعارضة البناءة في نطاق المجلس النيابي، يطلّ علينا، في بيانات إعلامية وإعلانية طويلة عنيفة، يضع فيها مشاكلنا الداخلية المحض في مرتبة مطامع العدو خطرًا على لبنان.
وبين البيانات، تصدر تغريدة لزعيم حزب سياسي ثالث يصعِّد الأزمة، في الإتجاه المعاكس، إلى أقصاها.
والمطالب منهم بتطبيق مبدأ النسبية في الإنتخابات بات يعمل على تطبيق المبدأ الأكثري في جلجلة تشكيل الحكومة.
و كبار السياسيين عندنا، على اختلاف طوائفهم، تناوبوا على الحكم، بل تلاقوا فيه زمنًا طويلًا، يجنحون إلى التطرف، وكأنهم يحتكمون إلى الشارع . وهم يعلمون أكيدًا أن الشارع أمامه الشارع الآخر، وأن أي شارع متى أهيج أفلت من أيدي مهيِّجيه، وأن التحدي لا يجد أمامه إلا التحدي، وإن قطع العقدة لا يعني بوجه من الوجوه أنها قد حُلَّت!
ناهيك بالمناشير التي توزع سرًا وعلانية، وبالأحاديث الواجمة في المجتمعات، وبمكبِّرات الصوت الصاخبة، وبأخبار الصحف المثيرة، وبالتسابق إلى شراء الأسلحة المتنوعة، وبالإشاعات التي تشحن جو البلد قلقًا على المصير... كلّ ذلك بسبب تأليف الوزارة !
والدول التي (قد) تدعمنا تنظر وتتألم. والدول التي تدعم العدو تنظر وتتهكم. والعدو يهدّد ويتهجّم . واقتصادنا ينهار ويتحطم!
أيها الحكّام !
إن الحالة لأخطر مما يتصورها كل فريق، وما يمكن أن تتصوروها أنتم . إنها تنذر بالانفجار الداخلي. لقد وصل التحدي والتحدي المعاكس إلى النقاش حول مطالب الشعب الأساسية، التي هي بالأصل مقوِّمات كل دولة تحترم نفسها: تحصين الحدود، تدريب المواطنين على الدفاع المدني، تعبئة الشعور الوطني لمجابهة الخطر...
بل وصلت التحديات إلى التشكيك في جدوى العمل المقاوِم الذي ــ وحده ــ حفظ للعرب أجمعين، ومنهم لبنان، الكرامة التي لا تقوم بدونها لشعب قضية، ولا ترتفع من دونها لدولة راية !
ونعتقد مخلصين أن للتردد حـدًا، وللتسويف حـدًا، ولسياسة النعامة حدًا. وقد جاز الخطر الداهم جميع هذه الحدود !
أنتم الأمناء دستوريًّا على هذا البلد ولذلك يجب أن تعملوا شيئًا بمستوى مسؤوليتكم .
أما أن تبقوا وحيدين، وأمامكم رقعة الشطرنج تديرون المعركة عليها مناوبة في المعسكرين، حريصين على أن تكونوا في كلّ معسكر أصحاب الرأي السديد، فتلك مهارة ذهنية لا ينكرها عليكم أحد، لكنها لا تخدم القضية في شيء !
إنّنا كمواطنين مسؤولين مغبونين مقتولين نشعر - وأعلم أن كثيرًا من السياسيين يشعرون - أن البلاد أصبحت على شفير الهاوية، وأننا إذا لم نتدارك الأمر - والأمر بيدكم - فسيجرفنا التيار وأنتم في الطليعة، وسيجرف معنا هذا البلد الجميل الذي أولاكم القيادة، وأولانا شرف المساهمة فيها ولو بصفة المواطن المسؤول.
في هذا الظرف العصيب، يفرض عليكم واجب القيادة أن تدعوا إلى مؤتمر وطني يجتمع فيه زعماء السياسة وزعماء الفكر في هذا البلد، على اختلاف نزعاتهم، ويتناقشون أمامكم ليتفقوا بالنتيجة على حلّ لهذه الأزمة المصيرية . وليس ذلك بالمستحيل .
فإن فعلتم حفظتم الأمانة وإن بقيتم وحيدين أمام لعبة الشطرنج، فلا يعود لنا إلا الاعتصام بقول الإمام علي: " كثر شاكوك وقلَّ شاكروك. فإما تعتدل وإما تعتزل . والسلام !"
ما سبق هو نصّ كتاب مفتوح وجّهه، بواسطة جريدة النهار، النائب سليم حيدر الى رئيس الجمهورية في 29 كانون الأول 1968 على أثر أزمة تأليف الحكومة التي نشأت جرّاء العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي دمّر بنية مطار بيروت الأساسية.
وللإبقاء على صدقية الإقتباس لم نغيّر في النصّ سوى صفة المخاطَب، بسبب التعديل الدستوري في مسؤولية المناصب الرئاسية، والمخاطِب وقد حذفنا الكلمات التي تشير الى تاريخٍ أو حدثٍ معيّن أو أسماء تفضح زمن الكتاب فقط دون سواها. (وبالتالي أبقينا على ما يتجاوز 95 بالماية من النصّ الأصلي).
يمكن للمهتمّ الحصول على النصّ الأساسي لهذا الكتاب المفتوح بتوجيه طلب الى البريد التالي:hayyanhaidar@hotmail.com