إستشهدت حمص بين يدي اليوم مرتين !
أ. د. مكرم خُوري - مَخّوٌل
الأربعاء 11 تشرين الأول 2023
الصدمات النفسية نتيجة الفقدان لا تُمحى…بسبب الانشغال وتسارع الأحداث اليومية أنت نعتقد بين الفينة والأخرى أنه تم شطبها من أعماق الذاكرة إلى الأبد بعد مر السنين .
إلا أنها مخادعة...هذه الصدمات. تختبئ بسلاسة لولبية ولكنها تبقى مكمورة لوقت طويل حتى تأتي صدمة أكبر منها فتعمل على إيقاظها بصدمة مدوية أخرى... كالعاصفة، بعملية النفخ في الرماد حتى يبرز احمرارها… فتشتعل مجددا. مجزرة الكلية الحربية في حمص، أشعلتها بحجم متعملق.
مثل هذة الليلة تماما قبل ٣٩ عاما وذلك في 05.10.1984 وأنا في المرحلة الثانوية حاولت إنقاذ والدتي من نوبة قلبية فجائية حادة أصابتها في البيت... كان ذلك مساء يوم الجمعة وصادف "عيد الغفران" اليهودي ورغم الطلب المتواصل…لم تصل سيارة الإسعاف...ورغم محاولاتي اللامتناهية بالإنعاش، فقد قررت والدتي، وهي الأديبة الروائية، الفراق المبكر وهي في الـ 56 من عمرها فقط، لاحقة بوالدتها الحمصية. كانت والدتي أنطوانيت نصف حمصية ونصف يافية...نصف فلسطينية ونصف سورية. عربية بالكامل وعروبية بالحجاب الذي اكتشفناه بعد وفاتها !
كما حصل يوم 05.10.2023 في حمص. فمنذ ذلك الحين - كل خامس من أكتوبر\تشرين الأول يأتي بحدث كبير...مٌفرح أحيانا...ومفجع في أكثر الأحيان.... ولكن ليس أكثر من اليوم في حمص... رغم مرور نحو أربعة عقود، لم أشعر بعمق تمثيل عملية الإنقاذ\الإسعاف التي قمت بها أثناء غيبوبة والدتي قبل وفاتها أكثر من اليوم عندما شاهدت مناظر المجزرة الارهابية الفاشية المروعة في الكلية الحربية في حمص. الذكاء الاصطناعي لم يجعلنا بعد تقديم الاسعاف عبر الفضاء العمومي… كيف سأحمل نفسي من لندن وأطير الى حمص للتبرع بالدم؟ كيف سأقوم بمواساة اليتامى على خسارتهم لذويهم، ولتعزية الثكالى لفقدان مهجات قلوبهم وفقدانهم لفلذات أكبادهم؟ وصلت أصوات والدتي النصف حمصية وجدتي الحمصية بالكامل وتعالت من مقابر يافا مدوية في أذني في لندن طالبة مني مساعدة حمص فورا.
هو صراع نفسي جغرافي. فعلاقتي النفسية مع حمص نبعت لكوني ترعرعت في بيت كان منذ ولادتي يدار من قبل جدتي السورية -الفلسطينية - الحمصية-اليافية، جدتي التي عرفت باسم 'مدام خوري' التي كانت لي 'تيتا' الأم الكبرى كما قامت بدور الأب وسُميت بـ 'أم الكل' في يافا لأنها كانت كذلك للمجتمع العربي ولنسائه بالتحديد.
كل ما يحصل في حمص يقرع ناقوسا يٌشعرنا وكأنه يحدث في البهو الذي نقيم به في يافا. نشأت في هذا البيت في حي العجمي قبالة البحر وانا استمع الى قصص هدرت عبر رياح سورية من الشمال حاكت الصمود العربي الفلسطيني في كل خريف وشتاء. عبارات لفظية سورية في العامية والفصحى كانت جزءا من قهوة الصباح وعشاء المساء حول جمر المنقل النحاسي الشامي الكبير الذي حافظ على حرارة المنزل من غضب البحر المٌغتَصَب.
هي حمص بكل ما فيها...من قريب او بعيد ...من مواطن محلي أو زائر مقيم قادم اليها. تمام كفسيفساء شهداء الكلية الحربية. قصص جدتي عن عائلتها وأهلها وجيرانها في حمص جعلتني اتخيل طفولة وشباب جدتي ونشأتها. ففي مكتبة جدي الخاصة في يافا عُلقت صور المشاهير في الأدب والفن والعلم حتى انني تعرفت على اناس عايشوا حقبات تاريخية فكانوا اصدقاء جدي وشقيق جدتي المرحوم البروفيسور انطوان ضومط بلاّن السوري الحمصي (نزيل الناصرة) والذي بعد قضاء فترة تعليم جامعية طويلة في معاهد موسكو وكييف عاد مكلفا لإدارة المعاهد الروسية العليا في بلاد الشام. فقد تتلمذ على ايديه في دار المعلمين - السمنار - الروسي في الناصرة الكثر ومنهم اذكر الكاتب الشهير ميخايل نعيمة الذي ذكره في 'سبعون'. انطوان ضومط بلان الذي ألف ونشر في عام ١٩١٣ في حمص أول كتاب بالعربية لتدريس مادة الجغرافيا. اختلطت الكليات... الروسية والسورية والفلسطينية والحمصية والكلية الحربية.
إنه خيط الدم الممتد الغير منقطع. مشاهد الجثث والهلع في المجزرة يوم الخميس الفائت اختلطت مع الذاكرة الشفوية الخلابة التي شرحتها لنا جدتي، 'تيتا بلاجيا' وفي شغف عميق، حيث كانت تضبط اعصابها ململة اصابع كفتيها وتدع مآقيها تعبر عما تشعر، كيف قام اخيها المقدام انطوان والذي كبرها بخمس عشرة عاما، وذلك بعد ان وقف عند مستوى ذكاءها ، بأخذها رغم اعتراض اهلهما، من بيت عائلتهم في البلدة القديمة في حمص، وذلك اثناء الحرب العالمية الاولى، لتدرس في السمنار الروسي - للبنات في بيت جالا، قضاء مهد السيد المسيح في بيت لحم فلسطين حيث سمعت انا مع بقية افراد الأسرة، كطفل ولأول مرة مصطلح 'السفر برلك' والمخاطر التي مرا بها للوصول الى الناصرة وبعدها الى القدس وبيت لحم. ضبط الأعصاب نوع من ممارس البرود في الرد...لكن لا يمنع ضرورة رد الصاع صاعين على المجزرة النازية.
ما يجعلني أشعر بهذا الترابط النفسي مع حمص وكل ما فيها وحصل ويحصل فيها مع أهلها أو مع كل قادم اليها...هو أن جدتي كانت قد حولت بيتنا- بيتها في يافا الى خلطة عربية لا مثيل لها. فقد كانت حمص، لا بل سوريا كلها في يافا - ام الغريب - ونبضت في جدتي عروبة فولاذية ذكية ناضلت لعقود طويلة وباستمرار وبهدوء ومراوغة دبلوماسية وبصبر حكيم لم يعرف الكلل.
حصلت المجزرة في حفل تخرج الضباط في الكلية الحربية في حمص...فتذكرت بأن جدتي الحمصية تخرجت من كلية السمنار الروسي في بيت جالا عام 1914 أثناء الاحتلال العثماني وكمعلمة عام 1921 أثناء الاحتلال البريطاني عندما لم يكن التعليم متاحا لغالبية نساء العالم حتى من الاسر الملكية، واعطت احفادها بعد نصف قرن من تخرجها دروسا في التاريخ والجغرافيا والرياضيات. ولكن أهم من ذلك دروسا بالصمود العقلاني المنضبط وبكلامها الموزون والذي غرد دائما في الوقت المناسب.
مررت في حالة تماهي متكامل يوم المجزرة. وكأنني هناك...ولكنني هنا...إذ اردت التواصل الفوري...فانقطعت جدتي عن مسقط راسها حمص وموطنها سوريا الحبيبة الى الأبد ورفضت تعلم لغة الاحتلال. فصممت التحدث بالروسية مع الطبقة الراقية من المستعمرين الجدد. فقد سمعت من شقيقها صديق تشيخوف وغوركي وابدعت باللغة الروسية. الا ان حمص عاشت في كل جملة وقصة و'كويرة كبة' اعدتها لنا لدرجة أنني اظن الآن انها تواصلت مع وطنها وعاشت به وعاش بها وقامت 'بتصديره وتسويقه' لنا عبر القصص والماكولات السورية الشهية.
.فقد عاشت جدتي السورية الحمصية - اليافية (وما الفرق؟) وصمدت وعشنا تحت الاحتلال الاسرائيلي ورغم ثقافتها السياسية العالية وتجاربها خلال الحرب العالمية الاولى والاستعمار الفرنسي في سوريا وبعدها الحرب العالمية الثانية والاستعمار البريطاني في فلسطين والذي لاحق اخيها المعلم انطوان بلان في غرف التدريس في السمنار الروسي لمواقفه الوطنية وكان ذلك كغير عادة من يعمل في سلك التعليم، والآن تحت الحكم العسكري الاسرائيلي، قررت جدتي الآن (بعد وفاة اخيها وزوجها وعيشها كأرملة مع ابنتها الوحيدة) الا تتكلم بالسياسة الحزبية او القطرية او العالمية على الاطلاق وفضلت ان يرتكز عملها في السياسة الاجتماعية الهادئة.. فكان هدفها ان يصمد من تبقى من عرب يافا في مدينتهم. فشرعت في اقامة دورات اللغة والحساب والتاريخ والجغرافيا والتطريز والحياكة ودورات التدبير المنزلي وحقوق المرآة في معهدها الفريد.
تداخل الموت مع بعضه البعض... صور الخريجين مع النساء والأطفال لحظات قبل الاغتيال النازي... واختلطت عمليات الإسعاف والموت وأشلاء شهداء الكلية الحربية في حمص اليوم. فتذكرت أن والدتي التي توفيت في مثل يوم ارتكاب مجزرة الكلية الحربية في حمص في 05.10.1984..
لم تغب سورية عموما وحمص على وجه التحديد من أحاسيسي... ففي مطلع العام 2011 عندما شنت القوة الاستعمارية وأدواتها الحرب الإرهابية على سورية، وخلال حديث عائلي قلت انني اريد ان اعيد لحمص شيئا من الكثير الذي اعطتنا إياه جدتي؛ والذي كان متجسدا في جدتنا المثال. وانني اريد تكريس منحة جامعية سنوية على اسم جدتنا لطالبة من حمص. لم يلبث ان قمت بذلك الا أن وجدت نفسي مكرسا جزء من مال كانت تركته جدتي وذلك لدعم أول مؤتمر عالمي عن الحرب على سورية في لندن كان قد كسر الحصار الاكاديمي في الغرب ضد سورية وذلك في نيسان 2017.
شاهدت فيديوهات المجزرة المروعة في الكلية الحربية في حمص تباعا ومرارا.. ومحاولات الانقاذ... فشرعت افكر بيوم فارقت والدتي الحياة بين يدي... وبيوم وفاة جدتي الحمصية في يافا عام 1978. ووعدت نفسي أنني سأزور حمص قريبا...وأقدم لهم مساهمة علمية على إسم ابنتهم - جدتي بلاجيا، والتي سميت على اسم (Saint Pelagia) ) القديسة السورية بلاجيا ومعها ما قد يساهم ببناء حياة بعض أقارب ضحايا المجزرة الدولية ضد سورية والتي تم تنفيذها في حمص التي احتلت دماء الموت فيها مكانة الوالدة. ستنهض حمص بإصرارها... وتنتصر سورية بعنفوانها. هذا ما كان وهذا ما سيكون...ولن يطول الزمان.