العالم بدءاً من 2023: إلى اليسار دُرْ
علي نور الدين
الخميس 5 كانون الثاني 2023
في العديد من الحقبات، تقود التحوّلات الاقتصاديّة الكبرى حول العالم دولًا، وربما قارّات بأسرها، باتجاهات معيّنة. في العام 1945، بمجرّد انتهاء الحرب العالميّة الثانية، قرّرت الدول الأوروبيّة أن تعطي القطاع العام الدور الريادي في إعادة إطلاق اقتصاداتها المحليّة، وبدور واسع على مستوى بناء شبكات الرعاية الاجتماعيّة، والتعاون لإرساء السلام في أوروبا. في العام 1979، ومع الارتفاع الصاروخي في أسعار النفط العالميّة، وما تلاه من ركود تضخمي، ابتعدت الدول الغربيّة عن علاقتها الحميمة بالأسواق، لترك مساحة أوسع لاقتصاد السوق والقطاع الخاص.
فهل يمكن أن يكون العام 2023 إحدى تلك المحطات التاريخيّة والمفصليّة، التي تدفع دول الغرب باتجاهات اقتصاديّة تتلاءم مع متطلبات المرحلة؟
صورة ومشهديّة.. وحقبة يساريّة جديدة
هذا ما قررت أن تسأله مجلّة ذا إيكونوميست، في بدايات العام الذي سيستهل برأيها حقبة حافلة بتحديات مستجدة واستثنائيّة: من نهاية عقد كامل من الفوائد العالميّة المنخفضة، إلى ارتفاع أسعار مصادر الطاقة وعودة التضخّم بقوّة إلى الأسواق العالميّة، والحرب التي تقرع أبواب الاتحاد الأوروبي، وصولًا إلى بدء انسحاب الصين من اندماجها السابق بالاقتصاد العالمي، وتداعيات تفشّي وباء كورونا التي ما زالت تترك أثرها على الاقتصاد العالمي.
هي رزمة من التحوّلات السريعة وغير المسبوقة، التي تدفع المجلّة إلى استنتاج وحيد: من المتوقّع أن تتجه السياسات في دول العالم نحو اليسار أكثر، لتبتعد عن سياسات يمين الوسط التي حكمت أداء دول العالم الديموقراطيّة الثريّة خلال العقد الماضي. بصورة أوضح، تعتقد المجلّة أن نوعيّة التحوّلات التي طرأت على الاقتصاد العالمي، ستجعل من العام 2023 أحد تلك الأعوام التي تفرض تبدلات كبرى على أداء الدول الديموقراطيّة وسياساتها الاقتصاديّة. وهذا التحوّل سيكون اليوم باتجاه اليسار ونموذج دولة الرعاية الاجتماعيّة.
ولتختصر المجلّة رأيها بمشهديّة بسيطة، استعانت بصورة الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حضوره قمّة الدول الصناعيّة السبع خلال العام الماضي. كان بايدن يجلس هناك، في مقابل خمسة زعماء يحملون أجندات واتجاهات اليسار أو يسار الوسط. بينما كان سلفه باراك أوباما يجلس في القمّة ذاتها عام 2010، في مقابل زعماء حملوا جميعًا أجندات اليمين أو يمين الوسط.
قد يعتقد البعض أنّ هذه الصورة لا تعكس سوى تأرجح سياسي متزامن في عدّة دول، بما لا يعكس أي تحوّل أوسع، خصوصًا أن نجاح اليمين الإيطالي في الانتخابات الأخيرة يعيد تذكير الجميع بأهميّة وأثر الخصوصيّات الوطنيّة. ومع ذلك، تؤكّد المجلّة أن هناك ما يكفي من أسباب للاعتقاد بأن شيئًا عميقًا عابرًا للحدود يحدث، وبما يتخطّى الحسابات المحليّة في كل دولة.
استطلاعات الرأي تؤكّد
لتأكيد ذلك، تستشهد المجلّة ببعض استطلاعات الرأي التي تؤكّد أنّ ثمّة ما بدأ بالتغيّر في آراء ومقاربات الرأي العام الغربي الاقتصاديّة والسياسيّة. في الولايات المتحدة الأميركيّة، انخفضت نسبة الذين يعتقدون أن "المصارف تملك تأثيراً إيجابياً على الاقتصاد" من 49% عام 2019 إلى 40% اليوم. انخفاض الإعجاب بأداء الشركاء التكنولوجيّة الكبرى كان مماثلاً، في حين لم يعتبر أكثر من ربع الأميركيين أن "الشركات الأميركيّة الكبرى" تقدّم قيمة مضافة إيجابيّة للاقتصاد المحلّي. هذا الاتجاه، بحسب المجلّة، بات معاكسًا لاتجاهات الرأي العام التي سادت في الولايات المتحدة في الثمانينات، والتي كانت تعبّر عن الاعتقاد بأن القطاع الخاص قادر على معالجة الكثير من مشاكل العالم.
مشاعر الضغينة تجاه الشركات الكبرى، ليست سوى بداية هذه التحولات. فأكثر من نصف المشاركين في استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا يعتبرون أن بلدانهم بحاجة إلى إصلاحات شاملة وتغييرات كبيرة في سياساتها العامّة. وغالبيّة المطالبين بهذه الإصلاحات في استطلاع الرأي، يعتبرون أنّهم "يساريون".
وحسب الإحصاءات، يبدو أن هذه المشاعر تنطلق من رغبة الجمهور في معالجة هواجس كثيرة لم تتم معالجتها كما يجب حتّى الآن، كالمخاوف من ظاهرة الاحتباس الحراري وتغيّر المناخ، والرغبة بأن تتدخّل الدول بالنحو الكافي في الاقتصاد للتعامل مع هذه المشكلة. ففي استطلاعات رأي أخرى، عبّر أكثر من ثلاث أرباع المستجوبين عن اعتقادهم بأن تغيّر المناخ يمثّل اليوم التهديد الأكبر، مما يجعله مصدر قلق أكبر من الأوبئة أو أداء الاقتصاد.
تغيّرات جذريّة.. وسؤال حول النخب
تشير المجلّة إلى أنّ هناك تغيّرات أكثر جذريّة في الديموغرافيا والاقتصاد، بما سيدفع باتجاه المزيد من هذا التحوّل في السياسات العامّة والرأي العام خلال العام 2023 بالتحديد. فلعقود من الزمن، استمرّت نسبة "السكّان في سن العمل" بالارتفاع، مقارنة بالأطفال والمتقاعدين، وهو ما زاد ما يُعرف بالعائد الديموغرافي في الاقتصاد العالمي. وهذا التطوّر، لطالما دفع باتجاه نمو الاقتصاد السريع، إنما المصحوب بتفاوتات كبيرة في الدخل، وفارق كبير بين حجم أرباح الشركات وقيمة الأجور.
كل هذه المسارات الديموغرافيّة، باتت عرضة للتغيّر اليوم، بعدما ظلّت نسبة السكان في سن العمل في انخفاض على مدى السنوات العشر الماضية، ما بدأ يطرح أسئلة عن نوعيّة السياسات التي يمكن أن تراعي توسّع نسبة المتقاعدين والسكان خارج سن العمل.
ومع ذلك، لن تكفي التحوّلات الجذريّة في اتجاهات الرأي العام أو الاقتصادات وحدها لإحداث تغيّر مفصلي في السياسات العامّة، التي تنتهجها الدول الديموقراطيّة. فحجم التحوّلات في السياسات العامّة سيحتاج أيضًا إلى تنازلات من قبل الأحزاب والنخب السياسيّة القائمة، لتبنّي معتقدات جديدة أولًا، ووضع الأفكار الجديدة موضع التنفيذ.
وتغيير أداء النخب، إشكاليّة مختلفة تمامًا عن تغيّر اتجاهات الرأي العام والاقتصاد، خصوصًا أن النخب السياسيّة والأحزاب باتت تعبّر في كثير من الأحيان عن "أنماط حياة أعضائها ومصالحهم الضيّقة"، بدل أن تعبّر عن وجهات نظر مبدئيّة عن ما يفترض أن تقوم به الحكومة، أو عن ما يتجه إليه الرأي العام. وبينما تقود الرأي العام اتجاهات مختلفة شديدة التقلّب، غالبًا ما تقود الإنتماءات الحزبيّة والنخب السياسيّة ولاءات ثابتة متعنّتة، وغير مرنة.
بمعنى أوضح، ما تقوله المجلّة هنا هو أن استكمال التحوّل المفصلي الذي تتوقعه خلال 2023، على مستوى السياسات العامّة في الدول الديموقراطيّة، بات متوقّفًا على متغيّر أخير، هو أداء الأحزاب والنخب في الدول الغربيّة، ومدى مجاراتهم للتحوّلات الكبيرة على المستوى الاقتصادي، وعلى مستوى الرأي العام. وهذه المسألة غير مضمونة بعد. لكن ورغم عدم مرونة هذه النخب في الكثير من الأحيان، تشير المجلّة إلى حقيقة يعرفها هؤلاء جيّدًا: في زمن التحوّلات السياسيّة السريعة، على الأحزاب أن تحرص على إبقاء أكبر عدد ممكن من مؤيّديها سعداء وعدم المخاطرة. وهذا العامل، قادر على دفع هذه النخب باتجاه مواكبة التحوّلات التي تجري على مستوى الاقتصاد والرأي العام.
المصدر: المدن