فوضى إرهابية في جنوب ليبيا
خاص بمؤسسة الدراسات
الأربعاء 16 حزيران 2021
أزمة الجنوب الليبي ما بين محاولات التنظيمات الإرهابية للسيطرة عليه والإهمال الذي يُعتبر مُتعمداً نوعاً ما من حكومة الوحدة الوطنية الجديدة لازال مستمراً على الرغم من مدى قيمة وأهمية هذه المنطقة التي تُعتبر كنزاً لا يفنى داخل الأراضي الليبية.
يُعاني سكان الجنوب الليبي من العديد من الأزمات منذ سقوط نظام حكم العقيد معمر القذافي عام 2011 بعد أن شن الناتو حرباً أركعت ليبيا ودمرتها وخلقت نوعاً من التنازع الداخلي بدعم خارجي، الخفي منه والظاهر، مما أدى لضياع مقدرات الشعب وأفقد البلاد كل أنواع الأمن والإستقرار.
يُشار إلى أن منطقة جنوب شرق ليبيا تشمل مدينتي أجدابيا والكفرة التابعتين لإقليم برقة، وهي منطقة تنتج أكثر من 75% من إجمالي إنتاج النفط في البلاد، كما تضخّ ما يقدر بـ6 مليارات لتر من مياه الشرب لكامل ليبيا.
وبملاحظة كل هذه الموارد وبالإضافة إلى الطبيعة الجبلية في الجنوب، جعله محط أنظار التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة وداعش اللذين يتخذان من الصحاري والجبال معقلاً لهما.
وقد بدأت هذه التنظيمات في الظهور داخل الأراضي الليبية منذ 2011، وإتخذت من سلسلة جبال الهاروج وحوض مرزق نقاط أساسية لتمركزها في مناطق أقصى الجنوب الليبي. ومنذ ذلك الحين أُجبر السكان على الهجرة والإنتقال بشكل واسع من الجنوب إلى مناطق الساحل، خصوصاً طرابلس. وأدى الى ذلك خروج الكوادر المهمة من إقليم فزان من العناصر الطبية والمعلمين والإنقطاع الدائم للكهرباء والمشتقات النفطية والغذاء. وحتى عام 2019 إستمرت الأعمال القتالية بين التنظيمات الإرهابية والقوات المسلحة العربية الليبية لتحرير منطقة الجنوب وبسط الأمن. وقد نجحت بالفعل في بسط السيطرة على بعض مناطق الجنوب الليبي وتخليصه من الإرهاب.
لكن الأمر لم يدم طويلاً بسبب إنشغال الجيش الوطني الليبي في محاولاته لتخليص الغرب الليبي من سيطرة الميليشيات والمرتزقة التي أتت بها تركيا إلى ليبيا. فسرعان ما بدأت هذه التنظيمات مره أخرى في التسلسل إلى الجنوب عن طريق العديد من الدول الأفريقية.
وبالفعل عاد داعش ونفذ هجمة إرهابية قوية إستهدفت رجال الشرطة بطريق سبها الزراعي بالقرب من مفترق بوابة أبناء مازق، مؤخراً، أسفرت عن مقتل رئيس قسم البحث الجنائي الرقيب إبراهيم عبد النبي الخيالي والملازم عباس أبوبكر علي وجرح 5 أعضاء تابعين لمديرية أمن سبها ومنتدبين للعمل بجهاز المباحث الجنائية.
وبالنظر إلى هذه الأحداث، عبّر المحلل السياسي محمد قشوط عن دلالات هذا العمل الإرهابي قائلاً أن قادة التنظيمات الإرهابية في المغرب العربي لا تريد الاستقرار لليبيا، لأنه يشكل خطراً على وجودها، فمثلاً قادة التنظيمات الإرهابية في الجزائر يرون في ليبيا "الملاذ الآمن"، فقد تنقّل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب والذي يتزعمه مختار بلمختار إلى مدن أوباري وسبها، ورصدته قوات الجيش الوطني الليبي في مدينة أجدابيا أثناء معركتها ضد الإرهاب في بنغازي ودرنة.
وأضاف أن الفوضى في جنوب ليبيا ليست فقط "ملاذاً آمناً" لهذه العصابات من المطاردة الأمنية في بلادها، ولكن للتدريب والتسليح السهل، ولتكوين ثروات ضخمة دون التقيد بقوانين أو خوف من الحساب.
حيث أوضح قشوط أن أبرز مصادر هذه الثروات هي تجارة المهاجرين غير الشرعيين، وتهريب المخدرات والسلاح إلى مناطق النزاعات والتوترات داخل إفريقيا والمنطقة العربية، بخلاف إبتزاز الدول بالتفجيرات التي يتدربون عليها ويخططون لها داخل ليبيا. مثمناً تحركات الجيش الوطني الليبي سواء في مرزق وسبها وأوباري وغيرها مما يقلل من نمو هذه التنظيمات ومن أنشطتها الإجرامية، ويمنع تدفقها إلى خارج البلاد.
التهميش الذي تعرض له الجنوب الليبي لمدة سنوات من قبل الحكومات السابقة والحالية هو ما أدى لهذه الحالة من التوتر وعدم الإستقرار وهو أمر في غاية في الخطورة ويهدد من سير المسار السياسي الرامي إلى عقد إنتخابات رئاسية في البلاد. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هل هذا التهميش مُتعمد من قِبل حكومة الوحدة الوطنية الحالية لإفشال الإنتخابات أم أنه دليل على عجز هذه الحكومة من تنفيذ مهامها؟