كُتّاب الموقع
الطائفية كـ "شريعة" لبنانية مقدسة

د. محمود حيدر

الأربعاء 17 أيار 2017

في المسكن السياسي اللبناني أحوال لا شَبَهَ لها بسواها من مساكن العالم. من مفارقاته أن التفكير الطائفي ينزل نزول المقدس في ثقافته السياسية. ومن المفارقات كذلك، أن من يُنزلِون الطائفية مثل هذه المنزلة ليسوا فقط من الذين يفيدون من "أفضالها" في السياسة والمال والسلطة، بل أيضاً من أولئك المعترضين الذين ينكرون على السلطة عرشها واستبدادها بالوطن والدولة والمجتمع. السلطة والمعارضة هنا، تتعادلان في المنطق نفسه حين تتساكنان معاً في بيت طائفي واحد. والعجيب ان ساكني البيت الطائفي يذمُّونه في العلن، لكنهم يعشقونه في السر ويحفظون عن ظهر قلب. وتلك مفارقة لا تجدها إلا في وطن يلعنه أهله كلما ضاقوا ذرعاً باستبداد طوائفهم، ثم لا يلبثون حتى يقدمون لأمراء طوائفهم الولاء حين يعلنون النفير العام. كما لو ان البيت الطائفي هو الكهف الآمن الذي يلتجئ إليه الجميع سواء في سلامهم الأهلي أو في نزاعهم السياسي المستدام. ولو بحثنا عن السبب الذي يجعل التقليد الطائفي اللبناني "شريعة" صمّاء، لكان لنا أن نسجل  ملاحظتين أصليتَّين:


الأولى: إن الطوائف في لبنان ليست مجرد تفريعات مذهبية لكل من الديانتين الإسلامية والمسيحية، وإنما هي وحدات دينية وسياسية واجتماعية وثقافية عميقة الجذور في كيان ملتبس نشأ في الربع الأول من القرن العشرين المنصرم، ولمّا يزل على نشأته الأولى.


الثانية: إن طوائف لبنان لا دينَ لها وهي تخوض غمار اللعبة السياسية. الحاكم على سلوك ممثلي هذه الطوائف في الحكم ومؤسسات الدولة، هو إستدراج المنفعة وتقاسم السلطة. في حين لا يتعدى تدخل الدين في الحياة السياسية حدود السماح للمؤسسة الدينية بالوعظ العام، لينتهي الأمر بها الى ليِّ ساعدها و توظيف "محرابها" الديني في حمى الاختصام السياسي. وفي هذه الحال لا يعود منطقياً النظر الى الدستور اللبناني إلا بصفة كونه دستوراً "علمانياً" استقر في وعاء طائفي. فالدولة بالنسبة الى الطوائف ليست سوى منظومة للإستخدام، يُرجَعُ إليها كلما دعت الحاجة لأجل تدبير الأحوال وإدارة النزاعات.


على مقتضى هاتين الملاحظتين سنرى كيف تشكّلت العناصر التأسيسية لما يسمى بـ «العقيدة اللبنانية».. وهنا إشكالٌ أصلي سنأتي عليه بعد قليل، لنبيِّن ان الاستعصاء التاريخي الذي يحول دون انتقال لبنان من كيان طوائفي الى دولة عصرية هو هذه العقيدة المدَّعاة بالذات. وهي "العقيدة" التي سوف تتحول في زمن قياسي بعد الاستقلال الى منظومة إيديولوجية راسخة يلتزمها كل من ينخرط في لعبة الحكم أنَّى كانت وجهته والقيم التي يتبناها.


ما الذي نقصده  بـ"العقيدة اللبنانية"، وما الذي يمنحها كل تلك الجاذبية لتصير حاكماً على تاريخ لبنان من بدايته الى يومنا هذا؟..


للإجابة على السؤال، لا مناص من الرجوع الى أصل المشكلة. فلو عرفنا البدايات لأدركنا النهايات كما يقال، ثم لتبيَنت لنا أسباب ما يشهده الواقع اللبناني الحالي من انسدادات بنيوية يبدو خرقها وتجاوزها أقرب الى المستحيل.


في مرحلة ما بين الحربين العالميتين انفتح السجال على وِسْعِهِ حول نشوء دولة لبنان الكبير في العام 1926. في تلك سينبري عدد من المثقفين اللبنانيين المسيحيين، الى صياغة ما وصفوه بـ"عقيدة وطنية لبنانية" تتناسب مع الدولة الوليدة متعددة الطوائف. الهندسة الإجمالية لهذه العقيدة تقوم على فَرَضية ان لبنان منفسح جغرافي ليبرالي يُؤوي إليه جميع الأقليات، وتتشارك السلطة فيه الطوائف والمجموعات المختلفة، وتتفاعل على أرضه المسيحية مع الإسلام، والغرب مع الشرق بشكل سلمي وإيجابي؛ وهو فوق كل ذلك، هو مطرح فريد يعود في أصل نشأته إلى الفينيقيين المغامرين، متعددي الأعراق والأجناس، الذين نقلوا الحرف إلى كل أنحاء العالم...


ترتَّب على هذا التنظير نتائج فكرية وثقافية سيكون لها آثار حاسمة على الأزمنة اللبنانية اللاحقة. فكرة الهوية الفينيقية، وبسبب من طابعها الأسطوري اللاَّعقلاني ومقصدها العنصري لم تجد لها جمهوراً واسعاً حتى داخل الكتلة المسيحية نفسها. غير أن فكرة لبنان بلد متعدد الطوائف، ومنفرد عن محيطه العربي بالحرية السياسية والليبرالية الاقتصادية، ستلقَى قبولاً وانتشاراً واسعين في مرحلة ما بعد الاستقلال. وعلى الرغم من كل ما حصل تحولات دراماتيكية دامية خلال السبعينيات والثمانينيات، لا تزال هذه الأخيرة سارية في صميم التقليد السياسي، وتلخص أهم الأسس والمبادئ التي يجتمع عليها السواد الأعظم من السياسيين اللبنانيين.  


يعتبر ميشال شيحا المنَّظر الأول للفكرة الكيانية. إلا انه على رومانسيته كان براغماتياً الى الحد الذي حاول فيه إقناع المسلمين أيضاً بفلسفته السياسية وبالدعوة الى عصبية لبنانية جامعة. كان يرى الى لبنان بوصفه قيمة وجودية خالصة. وقد تبلورت رؤيته انطلاقاً من قاعدة جيو-فلسفية مؤداها «أن الجغرافيا تخلق التاريخ وتتحكّم بمصائر الأمم واستراتيجياتها»، وهذه القاعدة مبنيَّة – بحسب شيحا - على مبدأ "الحتمية الجغرافية" التي تتحكم بحياة الإنسان والعالم من حوله.


تطبيقاً لهذه النظرية سيخلص شيحا الى تعريف جغرافي مزدوج للبنان:


الأول: أن لبنان بلد يقع على مفترق الطرق لقارات ثلاث هي أوروبا، آسيا وأفريقيا.


الثاني: أن لبنان كيان قائم على وحدة البحر والجبل. وبهذا المعنى يتحكم الموقع والمكوّنات الجغرافية للبنان عند شيحا بحضور جوهري وثابت على امتداد التاريخ. فلبنان الأبدي الحضور في التاريخ هو بلد «قديم قِدَم العالم»، والماضي اللبناني دائم الحضور في حاضره، وسوف يستمر حاضراً في مستقبله كما في مستقبل العالم.


ثم يذهب الى مسافة أبعد في "أسطرة" الصورة اللبنانية ليقول: "ان لبنان بلد لا يشبه إلا ذاته. هذا ما يجب ان ندركه مرة واحدة والى الأبد.. انه بلد متفرِّد وحيد نوعه وجنسه"..


لم تكن الصفة الأسطورية التي منحها ميشال شيحا للبنان مجرد عارض كلامي اقتضته شروط السجال الذي احتدم بين النخب المسيحية اللبنانية عشية التحضير للاستقلال في العام 1943. بل ان هذه الصفة "فوق الواقعية" هي بالنسبة لفلسفته السياسية أمرٌ جوهري لا يستقيم الكيان الجديد من دونه.


وجد المنحى الليبرالي للفكر الشيحاوي تجاوباً في أوساط الطبقات العليا والوسطى لدى جميع الطوائف، لأن نشاطها التجاري والاقتصادي يتجانس مع الطرح الليبرالي. ولكن بوجه عام لم تلقَ مفاهيم مثل الأمن المسيحي أو الدعم الغربي أو الخصوصية اللبنانية قبولاً وترحاباً ملحوظين لدى الأوساط المسلمة، وبسبب من ذلك ترك الفكر اللبناني فراغاً كبيراً أفسح المجال أمام تدفق أفكار وطروحات عابرة للإيديولوجية اللبنانية الحادة، كالفكر القومي العربي، والفكرة القومية الإجتماعية التي قدمها انطون سعادة، والفكر الإشتراكي الماركسي بالإضافة الى ايديولوجيات الإسلام السياسي في مراحل متأخرة.


اللافت أن شيحا وعدداً آخر من المفكرين المسيحيين أمثال يوسف السواد وميشال قرم وسواهما راحوا يعملون على إجراء توليف ومصالحة بين نزعتين متناقضتين في بناء الدولة والمجتمع، هما العلمنة والدين. الأمر الذي بدا بوضوح في إحدى محاضرات شيحا لمّا لاحظ أن الكنيسة قد تنفصل عن الدولة، ولكن لن يستطيع أحد أن يفصل الدولة عن الله. ويضيف: "فيما يتعدى الجماعات والأحوال الشخصية يوجد في الدولة الحضور الضروري للذات الآلهية الخالدة.


مثل هذا التوليف، الذي وجد نظائره في الجدل الذي اشتعل في أوروبا مع بدايات التنوير في القرن السادس عشر بين اللاهوت المسيحي الرسمي والمفكرين العلمانيين، سوف يوظّفه شيحا ورفاقه في إطار التنظير للأيديولوجية الطائفية بما هي تعبير عن جوهر الدين ومعطى من معطياته التاريخية. وعلى هذا الأساس جرى النظر الى الطائفية كعلَّة لوجود لبنان وكشرط لدوامه واستمراره ككيان ودولة وشعب.


لعل العنصر الأهم في تشكّل العقيدة اللبنانية بصيغتها الشيحوية، هو إجماع ممثلي الطوائف جميعاً مسيحيين ومسلمين، على أصالة الطائفية وعلى كون الطوائف مجتمعة هي الوعاء الذي يحتوي وينتج ثم يعيد إنتاج الولاية السياسية للدولة والمؤسسات والمجتمع الأهلي..


تلك واحدة من الأفكار الموروثة التي لا تزال تتحكم بالسجال الراهن، من دون أن يتوصل اللبنانيون بعد الى خاتمة سعيدة له.




* مفكر وباحث في الفلسفة السياسية