منذ 45 ألف عام، فوجىء الأوروبيون بذلك الراعي الشرق أوسطي الذي يقود قطيعه أمامه. في تلك اللحظة بدأ يتشكل في اللاوعي الأوروبي المفهوم الأنتروبولوجي لـ«المؤسسة».
لاحظ ذلك الكاتب الفرنسي، من أصل بولوني، ماريك هالتر. واذ وضع سلسلة من الكتب التاريخية، ومنها «زيبورا زوجة موسى» و«كتاب ابراهيم» و«عاصفة الخزر» و«الأوديسيه اليهودية»، أثار منذ عقود نقاشاً صاخباً في المراكز الأكاديمية والسياسية في اسرائيل لدى نشر دراسته لجماجم تعود الى يهود اوروبيين، وقد أثبت فيها أن هؤلاء يتحدرون من قبائل الخزر، ولا علاقة لهم بالعبرانيين.
هالتر قال أن اوروبا كان يمكن أن تكون ضاحية لاهوتية، وربما استراتيجية، للشرق الأوسط. استغرب كيف أن المنطقة التي ترعرعت فيها الحضارات «تبدو وكأنها ماتت تحت قدمي الزمن».
ربما كانت اشارة هالتر هي التي حملت سياسيين، ومعلقين، اوروبيين على القول أنه مثلما «هاجر» الارهاب غرباً، في انعكاس تلقائي للعبة الدومينو، قد تأتي اللعبة اياها بما هو أكثر كارثية. تفكك الخرائط في الشرق الأوسط لا بد أن يستدعي، جدلياً، تفكك الخرائط في القارة الأوروبية.
وزير الخارجية الفرنسي السابق اوبير فيدرين حذّر من «عدوى الانحلال». حين تتحلل سوريا، ويتحلل العراق، اضافة الى دول أخرى على الجمر، أو على تخوم الجمر، كيف لا تتحلل اسبانيا، وبلجيكا، وايطاليا، وحتى بريطانيا. ماذا عن الاتحاد الروسي؟
الى حد ما يمكن القول، وبالرغم من اصرار اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة على تفكيك القارة العربية، ان السيناريو الخاص باعادة تركيب الخرائط قد تعثر، ودون أن تكون المصادفة وراء التزامن بين استفتاء كردستان واستفتاء كاتالونيا.
مبدئياً، وربما منطقياً، الخارطة السورية ستبقى على حالها. الخارطة اللبنانبة ستبقى على حالها, ما دامت موسكو، وباطلاقها مصطلح «الشعوب السورية»، قد أزالت الالتباس الذي كرّسه الواقع السوسيولوحي الرث للمجتمعات العربية.
لا تفكيك. ولكن هل تبقى الصيغ على حالها؟ اذ يبدو البيت الأبيض على اجتراره للاستراتيجيات القديمة، يحاول الكرملين ارساء قواعد جديدة للعبة. اذاً, لنراهن على دعوة فلاديمير بوتين الى الحوار بين «ممثلي الشعوب اللبنانية».
بطبيعة الحال، التفاعلات الايديولوجية، بأبعادها الدموية، تنعكس على لبنان. هنا الدور المسيحي محوري وحاسم في ما يتعلق بالحيلولة دون انتقال الحالة السورية، أو الحالة العراقية، الى الساحة اللبنانية.
الآن، ومع بعض الفروقات الشكلية أو الهيكلية، يبدو وكأننا في عام 1860 حين كتب الوزير الانكليزي البروتستانتي و. طومسون مقالة حول التركيبة الديموغرافية في لبنان.
قال «هناك حوالى 400 ألف انسان منتشرين في 600 ضيعة وبلدة تجمع أدياناً واتنيات مختلفة مع بعضها، حاملة هواجسها، ومتناقضة غير منصهرة في بوتقة واحدة... فالشيعة والسنّة يكرهون الدروز، وثلاثتهم يبغضون العلويين النصيريين...»
أضاف «...وكذلك لا يخص الموارنة أحداً بحبهم. وفي المقابل يكرههم الجميع. أما الارثوذكس فلا يتحملون الكاثوليك. والجميع يكرهون اليهود ظاهراً ويتعاملون معهم باطناً... وأنا لا أعتقد أنه يوجد شعب واحد في العالم يحمل هذه التناقضات، وهؤلاء لن يتمكنوا أبداً من أن يكونوا شعباً واحداً، او أن يتفاهموا على موضوع سياسي موحد. لذلك سيبقون ضعفاء وغير قادرين على حكم أنفسهم أو معرضين للاحتلال والضغط من الخارج».
حتى هذه اللحظة، ما زلنا الدولة دون الدولة. الغريب أن يأخذ البعض على الرئيس ميشال عون، وهو الرجل القوي، أنه لم يحقق سوى النزر اليسير في السنة الأولى من عهده. هل باستطاعة الجنرال، وقد وجد نفسه داخل الأدغال، أن يحذو حذو كونراد اديناور الذي قال لبني قومه، وقد رأوا كيف تحولت دولتهم الى ركام «ألمانيا التي بحاجة الى دموعكم، تحتاج أكثر الى أيديكم، والى أدمغتكم. الأحرى الى ضمائركم»؟
عشية الكلام الرئاسي كان هناك مفكر صديق يقول ان زحزحة جبل صنين أسهل من زحزحة الفساد كمدخل الى الاصلاح. الرئيس يعلم أن لبنان بحاجة الى هزة بنيوية وفلسفية ليس هذا وقتها ما دامت المنطقة تطفو فوق اوقيانوس من الاحتمالات.
الى اشعار آخر، وكما قال الشاعر السريالي أندريه بريتون، اللقلاق يطير بقدمي السلحفاة !!لن نتفكك ولكن...!
المصدر: الديار