لم يعد الحديث عن تقسيم سوريا افتراضيا كما كانت تذھب التوقعات عن مسار الحرب، بل بات حقيقة واقعة. في ظل تنافس ووجود عسكري للقوى العظمى والفاعلة على الأرض فيها، وھذه الدول ھي أميركا وروسيا وإيران وتركيا، فيما تضع "إسرائيل" خطوطاً حمراً على حدودھا لمنع تقدم أي قوة. بينما يشكل الوجود الأميركي في سياق تقاسم سوريا معضلةلانه قادر على إفشال أي تسوية تتحقق خارج رغباته ومصالحه، وھو قادر على تنظيم حروب داخلية بين المناطق المتقاسمة.
وسط ھذه المعمعة، يجھد النظام السوري لتكريس نفسه طرفا في اللعبة الدائرة، ويسعى الى حسم عسكري في مناطق باقية خارج سيطرته، فالتقسيم وتقاسم النفوذ الجغرافي يُرسم بالدم والسلاح، حيث تسيطر الحكومة السورية الآن على أكثرمن نصف مساحة البلاد. فيما تسيطر "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) على إقليم شرق نھر الفرات، وقامت تركيا بعمليات توغل في سوريا في عامي 2016 و 2018 لدعم جماعات ارهابية سيطرت على منطقة على شكل قوس بمحاذاة الحدود من عفرين في الغرب، حيث تلتقي بالمنطقة الخاضعة للمعارضة في إدلب، إلى نھر الفرات في الشرق. وتسيطر جماعات معارضة مدعومة بوجود عسكري أجنبي على منطقة شمال غربي سوريا، والفصيل المھيمن ھناك ھو "ھيئة تحرير الشام"، وھو تحالف من متشددين يھيمن عليه فصيل كان يعرف بـ"جبھة النصرة" التابعة سابقاً لتنظيم "القاعدة".
في المقابل تتحرك موسكو في إدارة الملف السوري ومرحلة الإنتقال من الحرب الى التسوية، على ثلاثة خطوط متوازية وبشكل متزامن:
- الخط الأول: ھو الخط الإسرائيلي، فقد نقلت صحيفة "معاريف" عن مسؤول عسكري كبير في" إسرائيل" أنه ورغم أن الجيش الإسرائيلي يھاجم مواقع لحزب لله، ويركز عملياته ضد القواعد المسماة في "إسرائيل ""ملف الجولان".
وقالت مصادر إسرائيلية إن تكرار الھجمات الجوية الإسرائيلية يعبر عن التغيير الحاصل عند الحدود في ھضبة الجولان، حيث حل مقاتلو حزب لله مكان الإيرانيين الذين استبعدوا من ھذه المنطقة، من أجل بناء قاعدة لهم بالقرب من الحدود مع" إسرائيل".
والتنسيق الروسي – الاسرائيلي شھد، مؤخراً، إستعادة الزخم والتعاون الأمني في سوريا الى ما كان قبل أيلول الماضي، فقد حصلت زيارات متبادلة على مستويات رفيعة تم خلالھا التباحث بمجمل الأوضاع في سوريا، وعلى رأسھا التمركز الإيراني، الى جانب تحسين منظومة الإتصالات بين الجيشين في الأجواء السورية، وأھم ما تبلغته إسرائيل ھو "إلتزام روسيا بالحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي"، وإن جاء مقرونا بالتزام روسي ثابت بحماية نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
- الخط الثاني: ھو "الخط التركي"، ويتعلق بأمن وترتيبات الشمال السوري، إذ لدى موسكو قلق ازاء الوضع الأمني في منطقة إدلب التي تم الإتفاق سابقا على إنشاء منطقة منزوعة السلاح فيھا، وإذا بھا تحوّلت الى بؤرة للإرھابيين بشكل مخالف للتفاھمات الروسية - التركية، بعدما فشلت تركيا في تنفيذ إلتزاماتھا، والتي ركزت على المنطقة الأمنية العازلة، وھذه المنطقة التي يطرحھا أردوغان من خلفية توفير الأمن الحدودي وحماية الحدود التركية من الھجمات الكردية، وأيضا من خلفية تخفيف عبء اللاجئين السوريين في تركيا، وهذه المنطقة العازلة تتطلب قرارا دوليا وموافقة أميركية وروسية بالدرجة الأولى.
- الخط الثالث: ھو الخط الإيراني الذي ھو الأول والأساس منذ العام 2015 تاريخ التدخل العسكري الروسي في سوريا. وكان نشأ على الأرض السورية وتطور الى تحالف وشراكة ونجح في تحقيق الأھداف المشتركة.
والسؤال المطروح هنا، روسيا وإيران في سوريا: أين تلتقيان... وأين تفترقان؟!
اليوم ثمة وجھتا نظر تتبلوران حول ما يُقال عن إشكالية العلاقة بين روسيا وإيران في سوريا، والصراع الخفي على النفوذ والدور والمصالح:
1- وجھة النظر الأولى ترى أن ھذا الخلاف سطحي لا يُعتد به، وربما أشبه بمناورة أو شكل من أشكال توزيع الأدوار، ولن يصل في أي حال الى حد الإفتراق والطلاق، بل سيجد طريقة نحو التفاھم والتقاسم التوافقي للمكاسب والأدوار.
2- وجھة النظر الثانية ترى أن الخلاف الروسي - الإيراني في سوريا سوف يتفاقم مع خمود المعارك وبدء موسم القطاف ليأخذ أبعادا حادة تفضي في نھاية المطاف لتمكين طرف على حساب آخر في تحديد المصير السوري.
التوازن الدقيق في سوريا يجعل من روسيا اللاعب الأول وليس قوتھا العسكرية التي استخدمتھا واستفادت منھا ديبلوماسياً لتعزيز موقعھا في المنطقة. والولايات المتحدة وتركيا بحاجة إلى روسيا لتنفيذ أي خطوة في سوريا، وكذلك إيران والدولة السورية. والرئيس بوتين يريد وجودا راسخا ونفوذا قويا في سوريا والمعادلة المطروحة عنده ھي: "إسرائيل" لأميركا، العراق لإيران، وسوريا لروسيا. ومع إستمرار عدم إستعداد الغرب لدفع ثمن تدخل عسكري واسع في سوريا، جنحت دول غربية ومعھا دول في المنطقة إلى خيار واقعي تمثل في القبول بـ"سوريا الروسية" إذا كان ذلك يمنع قيام "سوريا إيرانية". وبعدما انتھت الحرب العسكرية الى إنتصار النظام السوري وبقائه، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ھو "سيد اللعبة" في سوريا، والوحيد القادر على إدارة مرحلة التسوية السياسية المقبلة.
في النتيجة، روسيا تسعى للحفاظ على علاقاتھا الجيدة مع كل الأطراف، لأنھا تجعلھا ممرا إلزاميا لأي تسوية في سوريا في كل الملفات، إن لجھة إعادة الإعمار أو عودة النازحين السوريين، أو بالنسبة لأمن" إسرائيل" أو تركيا، أما في حال تردّت علاقة روسيا مع أي طرف، فھذا يعني خسارة ھذا الموقع المميّز.
تشهد الساحة السورية سباقا بين الحسم العسكري ومشاريع التسوية السياسية مع ارجحيت تغليب التفاهم الاستراتيجي السوري الايراني الروسي على المناورات التكتيكية التي يديرها الروسي مع اميركا و"اسرائيل" وتركيا .وتبقى قوة الجيش والمقاومة والشعب هي القول الفصل في المعادلة المعقدة .