أولاً: مـقـدمـة تاريخية عن الواقع الطائفي في لبنان
جذور الواقع الديني الطائفي و ظواهرُه، دمَغت الحياة السياسية اللبنانية في العصر الحديث، منذ القرن التاسع عشر، وبصورة جلّية، في عهد القائمقاميتين المارونية والدرزية عام 1842، وعهد المتصرفية عام 1861 وعهدي الانتداب والجمهورية عام 1920، ولغاية يومنا هذا.
ففي نظام الامارة، من العام 1516حتى العام 1842، كانت الاقطاعية والحزبية سائدتين في المجمتع اللبناني، وكان اللبناني،على رغم إنتمائه الحزبي، عضواً في جماعة دينية معيّنة، ويتبع لإقطاعية يرأسها "مقاطعجي". لم يكن ولاؤه يرتبط أساساً بالدين، بل بالمصالح المشتركة للعائلات الإقطاعية. فالنزاعات في تلك الحقبة، غَلب عليها الطابع المدني العلماني، إذ كثيراً ما دارت هذه النزاعات بين الاحزاب أو بين الاقطاعيين، بغضّ النظر عن المذهب الديني والطائفة. فالسلطة والولاء، كانا محددين جغرافياً، ولم يرتكزا إلى إعتبار ديني. ويخبرنا التاريخ، أن بعض الامراء بدّلوا من إنتمائهم الديني الإسلامي السني، بإعتناق المذهب الماروني المسيحي، كالأمير بشير الشهابي الثاني الكبير، ولم يطرح ذلك حينها، أية مشكلة أو فتنة طائفية.
وفي ظل القائمقاميتين، منذ العام 1842 حتى العام 1861، جرى تغيير في النهج السياسي، بعد انهيار الإقطاعية، حين بدأت الطوائف تلعب دورها على المسرح السياسي والإجتماعي. إن صعود الطائفة المارونية، بسبب انفتاحها وثقافة إكليروسها وقادتها، أدّى إلى نهج سلوكي جديد، تبلور في بروز التضامن، ليحل بدلاً من الولاء الإقطاعي، فغدت هذه الطائفة مصدر السلطة وموضع ارتباط سياسي، بسبب مكانتها المعنوية وثروتها المادية ونموِّها الديموغرافي وانتشار أبنائها وأديرتها العاملة في المناطق اللبنانية كافة. ولا بد من الإشارة، إلى أنه في العام 1858، قام الفلاحون الموارنة بثورة على مشايخ الإقطاع، فعزز ذلك مكانة الكنيسة المارونية، وكان بعض رجال الإكليروس يرفدون هؤلاء الثائرين بدعمهم. كل ذلك أدّى إلى التدخُّل في شؤون البلاد عن طريق حماية الطوائف، فكان لا بد من وقوع فتن وأحداث بين الأهلين وبين المتنفذين، في سبيل الصراع على السلطة للحماية الذاتية واكتساب المصالح. وقعت آنذاك حروب أهلية ذهب ضحيتها الكثير من المواطنين، ونجم عنها دمار مروّع. وراحَ اللبنانيون يرسمون مسارهم الطائفي، فتدخلت الدولة العثمانية وعملت على ترتيبات أعادت نسبياً الهدوء والاستقرار، بوضع نظام حكم جديد عرف بالقائمقاميتين، المارونية والدرزية في عام 1842، فتكرّس النفوذ الطائفي رسمياً، وأصبح لكل قائمقامية قائمقام وكيل من طائفتها، بالإضافة إلى مجلس يدير شؤونها، قائم على التمثيل الطائفي والمذهبي، يُرشَّح أعضاؤه بعد نيل موافقة المطارنة والعقّال. كما وجدت مجالس قضائية مختارة على أساس طائفي للنظر في الجرائم والحوادث التي تقع، وقد كان هذا النظام أول شكل من أشكال فدرالية الطوائف.
أما الترتيبات السابقة فلم تُعمّر طويلاً، فعادت الفتن الطائفية إلى الظهور و تتابعت ببُعدها الداخلي وبتشجيع من الخارج، فكانت مجازر عام 1860، المبنية على الإنتماء الطائفي، فتفاقمت الفتنة وعمّ الأقتتال والدمار، وعاث الناس فساداً وخراباً، وذبح الأهالي بعضهم بعضاً، فتدخلت مجدداً السلطة العثمانية مع دول أوروبا الكبرى، وأقرت نظاماً جديداً عرف بنظام المتصرفية أو بروتوكول 1864. وقد اعترف هذا النظام بصراحة بمبدأ الطائفية على مستوى الحاكم والتمثيل والقضاء والوظيفة، إذ كرّسَ بوضوح طائفية المتصرّف المسيحية وأوجد مجلس إدارة لمعاونته مؤلّفاً من أثني عشر عضواً يمثلّون الطوائف والمناطق.
وقد وافق آنذاك الموارنة على إعتماد التمثيل الطوائفي، و خصوصاً الطائفة الشيعية، على رغم ضآلة وجودها في نطاق المتصرّفية. وكانت هذه، نقطة إنطلاق تنظيمي وتمثيلي هام لهذه الطائفة اللبنانية، لأنها لم تندرج من قبل، ضمن جماعات النظام الملِّي العثماني، ولم يكن لها تنظيم شرعي خاص بها في أثناء حكم العثمانيين. وقد حرّر هذا النظام المتصرف، نسبياً من ارتهانه للسلطة العثمانية رغم ارتباطه بالصدر الأعظم العثماني، فحّد من التدخل المباشر للعثمانيين، كما حظي بإجماع دولي، فاطمأنت المجموعات الطائفية وارتاحت إليه.
على أثر ذلك، نعم لبنان بفترة نصف قرن من الهدوء والاستقرار والإزدهار، ولكن لم تختف الحالة الطائفية، بل إزداد نموّها في الحياة السياسية اللبنانية، وظهر ذلك بعد الحرب العالمية الأُولى مع عهدي الإنتداب والإستقلال.
بعد الحرب العالمية الأُولى، من العام 1914 الى العام 1918، أُلغي نظام المتصرفية، ووضع لبنان تحت الإنتداب الفرنسي. ودون التوغّل في المواقف المتباينة التي اتّخذها الأفرقاء اللبنانيون تجاه قضية قيام الكيان اللبناني المستقل، عينّت السلطة المنتدبة عام 1920، مفوّضاً سامياً فرنسياً على لبنان، مدّعيةً أن ذلك إنما تمّ بسبب الإنقسام الطائفي في البلد. كما عَيّنت لجنة إدارية لها سلطات إستشارية مؤلفة من 17 عضواً، عشرة مسيحيين وسبعة مسلمين.
إلاّ ان ذلك لم يمنع السلطة المنتدبة، نسبة للضغوط التي مورست عليها دولياً ومحلياً، من إعلان ولادة لبنان الكبير في31 آب عام 1920. واستكمل الانتداب مسيرته، ففي عام 1922 أُستبدلت اللجنة الإدارية، بمجلس تمثيلي منتخب، روعيت في تأليفه حقوق الطوائف، وكان مؤلفاً من ثلاثين نائباً، مسيحياً و 13 مسلماً.
وحصلت إنتخابات نيابية في عام 1925، تم بموجبها إنتخاب مجلس تمثيلي أقرّ الدستور اللبناني وانتخب أول رئيس جمهورية للبلاد، الأُستاذ شارل دباس الأُرثوذكسي. ودامت فترة الإنتداب حتّى نَيْل الإستقلال في عام 1943، ومن ثم، كان جلاء الفرنسيين عن لبنان في العام 1946.
أما عن ولادة الدستور، ففي الرابع من كانون الاول عام 1925، أَعلن دي جوفنيل، أنه طلب من الحاكم الفرنسي "كيلا"، توجيه دعوة إلى المجلس النيابي للانعقاد بدورة استثنائية لوضع دستور للبلاد، فتم ذلك وصار انتخاب لجنة برئاسة موسى نمور، وعضوية ميشال شيحا، شبل دموس، عمر الداعوق، يوسف الخازن، فؤاد ارسلان، يوسف الزين، جورج تابت وعبود عبد الرزاق، واختارت اللجنة شبل دموس مقرراً لها، وعيّنت المفوضية العليا شارل دباس والمستشار بول سوشييه لمؤازرة اللجنة في مهماتها.
قامت هذه اللجنة بالوقوف على آراء الأعيان ورؤساء الطوائف وكبار الموظفين والمفكرين في شأن مرتكزات الدستور الجديد، فطرحت الأسئلة على حوالي 189 شخصية لبنانية من الطوائف كافة، فأبدت 132 شخصية رأيها حول مستقبل لبنان.
وبالرغم من إعلان الدستور، فُقد التجانس النسبي الذي عرفه لبنان سابقاً، بسبب دخول عاملي الجغرافيا والديموغرافيا الجديدين بالإضافة الى المصالح الطائفية، فبرز صراع الافكار وتباينت المطالب والمصالح، فأربك ذلك الحياة السياسية منذ بداية عهد الجمهورية ولمّا يزل، إذ أنه مع الاستقلال وبعده، لم ينجُ لبنان من الوقوع في فخّ الأحداث التي تحوَلت إلى فتن طائفية، خاصة عام 1958، حين شارفت ولاية الرئيس شمعون على الانتهاءوبروز حلف بغداد على صعيد المنطقة العربية.
ثانياً: وثيقة الوفاق الوطني، والدعوة الى إلغاء الطائفية السياسية
وبعد حرب ضروس وقعت في لبنان عام 1975، بين الجماعات و الفئات المتنوعة من لبنانيين ومقيمين، أدّت إلى فتن طائفية داخلية، لعبت بها الرياح الخارجية والقوى الإقليمية والمطالب السياسية والاقتصادية والإجتماعية والمطالبة بالعدالة والمساواة، إلى ما هنالك من اسباب متراكمة ساعدت على تفجير الوضع، دُعِي اللبنانيون، بعد تدخل الدول العربية والعالمية الأُوروبية والأميركية، إلى إجتماع في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية، وخرجوا بميثاق جديد دعي "وثيقة الوفاق الوطني" وافق عليه المجلس النيابي اللبناني عام 1990، وعدّل الدستور على أساس بعض أحكام هذه الوثيقة.
وبالرغم من الجنوح الى الطائفية في الدستور الحالي، فإن النظام اللبناني الذي ولد من رحم تكوين الجماعات الطائفية، يمتاز عن أنظمة البلدان المحيطة، كونه لم يتّجه كلياً إلى فصل الدين عن الدولة، لكنه في الوقت عينه عزز الواقع الطائفي، مما حدا هذه المجموعات الدينية الى أن تصبح أفرقاء وشِيَعاً سياسية، وأضحى وجودها فرضية حتمية لاستمرار توازن النظام، خصوصاً، أن التجربة الديمقراطية لم تعمّر فيها وكانت قصيرة الأمد.
وإن عدنا الى التعديلات الدستورية الواردة في وثيقة الوفاق الوطني نلحظ الآتي:
ورد في الفقرة (ج) من مقدمة الوثيقة ما يأتي:
"إلغاء الطائفية السياسية، هدف وطني أساسي، يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية"
ونصت المادة التاسعة من الدستور ما يأتي:
"حرية الإعتقاد مطلقة، والدولة، بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى، تحترم جميع الأديان والمذاهب، وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام. وهي تضمن أيضاً للأهلين، على إختلاف مللهم، إحترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية".
ونصت المادة العاشرة من الدستور: "التعليم حر، ما لم يُخلّ بالنظام العام أو ينافِ الآداب أو يتعرض لكرامة أحد الأديان والمذاهب، ولا يمكن أن يمس حقوق الطوائف من جهة، إنشاء مدارسها الخاصة، على أن تسير في ذلك، وفاقاً للأنظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية"
أما المادة التاسعة عشرة فقد لحظت انشأ المجلس الدستوري، وعددت أصحاب الحق في مراجعة هذا المجلس في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين، منهم: "رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً، في ما يتعلق حصراً بالاحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني"
وجاء في المادة الثانية والعشرين:
" مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية"
وورد في المادة الرابعة والعشرين إلى أن يضع مجلس النواب قانون إنتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد الآتية:
أ- بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين
ب- نسبياً بين طوائف كل من الفئتين
ج- نسبياً بين المناطق
ح- أما المادة الخامسة والتسعون فقد نصّت:
"على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة، بين المسلمين والمسيحيين، إتّخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وَفْق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية وإجتماعية مهمتهم دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية.
وفي المرحلة الانتقالية:
أ- تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.
ب- تلغى قاعدة التمثيل الطائفي، ويعتمد الإختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العامة والمختلطة، وَفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأُولى فيها، وفي ما يعادل الفئة الأُولى فيها. و تكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة، لأية طائفة، مع التقيُّد بمبدأي الإختصاص والكفاءة.
ثالثاً: في المرتكزات الأساسية لإلغاء الطائفية السياسية، والعبور الى الدولة المدنية
بعد عرضنا لمسار النظام اللبناني، يمكننا اعتبار هذا النظام مثالاً للتداخل والإختلاط بين ما هو ديني وعلماني، وقد أصبح الإنتماء المذهبي و الطائفي هو محور الإستقطاب في الحياة السياسية والعامة في لبنان، وهو ظاهر بقوة في بعض الأحزاب والهيئات المجتمعية والتيارات والقوى السياسية ومؤسسات الدولة، وإنه متغلغل في كل المناحي، وقد شكل إختلافات ثقافية مستحكمة، وبات يفرز حالات طائفية تعيد إنتاج نفسها.
والطائفية أو الطوائفية، كلمة مستحدثة، انشأتها النسبة إلى الطائفة التي تدل لغة على جماعة أو فئة من الناس، من غير أن ينطوي المدلول على حب ولا كراهية ولا على صلاح، ولا فساد ولا دين ولا إلحاد. لكن الاستعمال اخرج كلمة الطائفية من التعميم إلى التخصيص. فبدلاً من أن تفيد الجماعة أو الفئة بوجه عام، أمست معلماً للفرقة الدينية او المذهب الديني، ومن هنا، أحاطها الاصطلاح الحديت بالجو الديني، واصبحت الطائفية مرادفة للتعصب الذميم، تهدف إلى غاية سياسية باطنية لا ارتباط لها بجوهر الدين.
واليوم تتعالى الأصوات وخصوصاًمن بعض الأحزاب العلمانية والمجتمع المدني المتحرر، تدعو إلى تأليف هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية، لأن ذلك هدف وطني أساس، يجب العمل على تحقيقه عاملاً للتطور حسب ما جاء في الدستور. ولقد استدرج هذا الطرح القيادات السياسية، فكشفت حقيقة مواقفها.
وكانت ردود الفعل بين مؤيّد ورافض أو مناهض لفكرة إلغاء الطائفية السياسية فإذا ببعض الجماعات تؤيد هذا الطرح إنطلاقاً من شعور طائفي ومذهبي، وبسبب النموّ العددي الذي تملكه، مما يؤمن لها الغلَبة على باقي الطوائف. وهذا بالضبط ما يربك الجماعات الأُخرى ويجعلها ترفض هذا الطرح، خشية إزاحتها عن مواقع السلطة والإدارة، وبالتالي إلغاء دورها في الحياة العامة. وهناك تنطلق اصوات مقابلة تدعو الى الأخذ بهذا النظام الطائفي، بعد تشذيبه من بعض شوائبه و تعتبره صيغة فريدة وتجربة ناجحة، يمكن تطبيقها في الدول التي تتشابه تركيبتها والتركيبة اللبنانية كقبرص مثلاً. وهي تنادي بتقوية هذا النظام.
وفي هذا السياق، ومما لاشك فيه، أن الواقعات والحوادث الأليمة التي مرت على لبنان، كانت الطائفية إحدى أسبابها، مما يقتضي معها منطقياً سلوك النهج المؤدي الى العبور نحو الدولة المدنية. فالدستور نظر إلى إلغاء الطائفية السياسية من زاوية النص دون المعالجة الفعلية. والمطلوب اليوم، تحقيق مسار يحمل معالجة لعدة موضوعات اساسية، تساعد على تجاوز الحالة الطائفية تمهيداً إلى إلغائها. فإلغاء النص لن يؤدِ الى إلغاء الطائفية، وإن التشريع بإلغاء الطائفية السياسية من دون حراك فكري وإجتماعي، لا يضمن صيرورة الإلغاء واقعاً فعلياً، إذ أن أكثية النصوص الدستورية، تعيش تناقضاً بين النصوص والممارسة، فكل فئة سياسية تفسر النصوص طبقاً لغاياتها، ولا توجد مرجعية أوكل إليها أمر تفسير النصوص الدستورية، ومجلس النواب لا يقوم بهذا الدور، وهذا ما لمسناه خلال الازمة الاخيرة، حيث أنّ أكثرية القوى الداعية لإلغاء الطائفية، لم تشّرع في إعادة هيكلية ذاتها، ولم يتم إعادة تموضع أساسي لها، أداءاً وتحالفاً، خارج انماط التحالفات الطائفية القائمة.
"أن هدف إلغاء الطائفية السياسية، هو أمر وطني بامتياز، ولكي يأتي وطنياً لا طائفياً، يجب، بداية، معالجة الحالة الطائفية، بكل أبعادها والنظر بالمواضيع الآتية:
1- الإتّفاق بين الجماعات اللبنانية على الامور المصيرية
2- بسط سيادة الدولة على كل أراضيها
3- الإقرار بمفهوم لبنان- الرسالة، من حيث دوره المميّز بالإنفتاح على الثقافات والحضارات كبلد حاضن للقيم والأفكار والحوار بين الشعوب والجماعات المختلفة، إضافة لضمان حقوق الإنسان وللحريات العامة
4- إقامة الشراكة بموجب نظام عيش مشترك بإرساء دولة القانون والعدل والكفاية و الديمقراطية وحقوق الإنسان
5- تنزيه مصادر القرار في السلطة العامة من رواسب الطائفية السياسية والادارية ومن المحسوبية
6- إصلاح الإدارة في مجالات التعيين على أساس الكفاية والإختصاص وتعزيز وتطوير أجهزة التفتيش و المحاسبة، وصولاً إلى إلغاء التوزيع الطائفي
7- إعتماد تشريع مدني إلزامي شامل للأحوال الشخصية كافة، وأهمها الزواج وما ينتج عنه، وذلك لفكّ ارتباط المواطن بمؤسّسات السلطات الروحية وربطه بالدولة وحدها، حيث تقوم المحاكم المدنية بتطبيق هذا التشريع
8- تحقيق اللامركزية الإدارية وإنشاء وزارة اللامركزية الادارية وتحقيق تقسيمات إدارية جديدة (محافظات و دوائر ضمن وحدة الارض و الشعب)
9- وضع قانون جديد للأحزاب و الجمعيات، يمنع قيام الطروحات الطائفية و الدينية، بل يعتمد الطروحات الوطنية المسندة إلى مقدمة الدستور وأحكامه الأساسية و حقوق الانسان
10- وضع قانون إنتخاب عصري
11- تنظيم و صيانة الحرية الاعلامية للحد من طغيان الإعلام الطائفي و عشوائيته
12- ألتزام وضع برنامج وطني للتربية والتعليم والثقافة، يرتكز خصوصاً على إلزامية التعليم و تحديث البرامج التعليمية لتتجاوز التلقين الأُفقي إلى التحليل العامودي
13- وضع تاريخ موحّد للبنان على صعيد الواقعة و ليس على صعيد تأويلها، يشارك فيه مفكّرون لبنانيون وأكاديميون من الجامعات في لبنان
14- اعتماد كتاب تنشئة وطنية، يشارك فيه مندوبون عن الجامعات في لبنان، يشدّد على حقوق الانسان والقيم الخُلُقية والوطنية ومفهوم الأديان والشراكة الإنسانية
15- إعتماد خطة إنمائية شاملة لكل المناطق
16- تفعيل الإنماء و الدور الاجتماعي للدولة، خصوصاً الصحي والسكنيْ، للحدّ من لجؤ المواطن إلى المؤسسات الدينية
17- تشديد العقوبات على مثيري النعرات الطائفية التي تعرض السلامة العامة والسيادة والإستقلال.
وبإنتظار الوقت الذي يحمل في طياته التعديل في التفكير والأداء، ونتمناه قريباً، لا بد من مواكبة الصراع السياسي على الساحة اللبنانية، بأنماط تخدم المواطن اللبناني وليس أطراف النزاع، و ذلك بإعتماد نظام يسمح بالعبور الى الدولة المدنية، بانتهاج الاسلوب الذي يضمن حضور المواطن الفاعل في إطار الوطن الواحد، نظام قائم على الحرية وحقوق الانسان، يواكب الحياة العصرية، بالتقارب والتعاضد بين الجماعات المتنوعة ويكون وسيلة توحيد وإغناء في مجتمع مدني يسوده التنوع والمواطنة الحقة.
* نقيب المحامين سابقاً