العلمانية
السودان: هل بدأت معركة إستعادة الحكم المدني؟

المدن

السبت 23 تشرين الأول 2021

سار المناهضون لحكومة عسكرية في شوارع العاصمة السوديانة الخرطوم الخميس، بالآلاف وسط إطارات محترقة ومواكب سيارات، مصممين، كما قالوا، على إنقاذ "ثورتهم"، ومرددين أن لا عودة الى "دكتاتورية" أو حكم عسكري في السودان.
 
ورغم أجواء التوتر الناتجة عن وجود متظاهرين آخرين في الشارع يطالبون بحكومة عسكرية، اجتاح عشرات الآلاف شوارع الخرطوم ومدنا أخرى.
 
وردد المتظاهرون شعارات تؤكد أنهم في الشارع لحماية الثورة وأنهم لن يقبلوا بالعودة الى الدكتاتورية. وهتف متظاهرون "الجيش جيش السودان، لا جيش البرهان"، في إشارة الى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
 
وأعلنت وزارة الصحة السودانية إصابة 36 شخصاً في المظاهرات التي شهدتها البلاد للمطالبة بتسليم السلطة للحكومة المدنية، فيما وصفت وسائل إعلام سودانية المظاهرات بالمليونية.
 
وقالت لجنة أطباء السودان إن 4 من بين المصابين، أصيبوا بالرصاص الحي، وقالت إن "القوات النظامية استخدمت القوة والرصاص والغاز المسيل للدموع ضد الأبرياء". إلا أن بياناً للشرطة قال إن بعض المتظاهرين خرجوا من المسيرة السلمية وهاجموا قوات الأمن، مما أدى إلى إصابة عناصر الشرطة، من بينهم اثنان أصيبا بجروح ناجمة عن أعيرة نارية.
 
وشهدت مدن العاصمة الثلاث أمدرمان والخرطوم وبحري احتجاجات شعبية غير مسبوقة تطالب بتحقيق العدالة واستكمال هياكل السلطة الانتقالية، بعد تدهور العلاقة بين المكونين العسكري والمدني في مجلس السيادة الانتقالي، الذي يدير البلاد منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير عام 2019.
 
وتقدم تظاهرات الخرطوم رئيس الحكومة عبد الله حمدوك الذي غرّد قائلاً إن "المتظاهرين أثبتوا اليوم تمسكهم بالسلمية وبالتحول الديمقراطي. وجدد تعهده بإكمال مؤسسات الحكم الانتقالي مؤكدا ألا تراجع عن أهداف الثورة".
 
ويخضع السودان إلى حكومة مدنية-عسكرية مؤقتة منذ عام 2019، لكن العلاقة بين المكونين تدهورت في الأسابيع الآخيرة، منذ أن قالت السلطات المؤقتة في السودان إنها أحبطت محاولة انقلاب داخل الجيش الشهر الماضي، وألمح البرهان إلى إمكانية حل حكومة حمدوك المدنية، قائلاً إنها قد تكون مقدمة لحل الأزمة.
 
ويؤرق مطلب تسلم العسكريين أنصار الحكم المدني، لا سيما منهم الذين لم ينسوا القمع الدامي لاعتصام مدني في العاصمة والذي خلف قتلى وجرحى. وفي الشارع، هتف المطالبون بحكم مدني"سلّم.. سلّم يا برهان".
 
بالنسبة اليهم، يبدو أن مكتسبات العام 2019 مهددة اليوم بالاعتصام الذي ينظمه منذ ستة أيام أنصار الحكم العسكري. ويقولون إن هذا الاعتصام يقف وراءه العسكريون لاستعادة السلطة بحجة أن الشارع معهم. ورفع بعضهم لافتة كتبوا عليها "البرهان لا يمثلنا".
 
أما المؤيدون للجيش فحملوا صورا لحمدوك كتب عليها: "فقط ارحل". وهم يريدون "تفويض" البرهان تخليص السودان من أزمة اقتصادية تعكسها نسبة تضخم خيالية تصل الى 400 في المئة، في بلد غني بمناجم الذهب وبالأراضي الزراعية الخصبة وكانت دوما تسمى ب"سلة غذاء إفريقيا".
 
ويرأس البرهان، وهو شخصية عسكرية، مجلس السيادة السوداني الذي تشكل باتفاق بين المدنيين والعسكريين في آب/أغسطس 2019، والذي ينص على أن تنتقل الرئاسة إلى مدني في نيسان/أبريل 2022، على أن يلي ذلك تنظيم انتخابات تتسلم بموجبها البلاد سلطة مدنية فائزة بأصوات السودانيين.
 
لكن الشكوك طبعت العلاقة بين المكونين المدني والعسكري منذ البداية، في ضوء مَيل العسكريين إلى التمسك بالسلطة، خصوصًا أن اتفاق حول المرحلة الانتقالية لم يكن ليحصل لولا ضغط الشارع وبعد فض اعتصام القيادة العامة في 3 حزيران/ يونيو 2019، وقد أسفر عن سقوط أكثر من مئة قتيل من المتظاهرين وجرح أكثر من خمسمئةٍ آخرين برصاص قوات الأمن.
 
واعتقد المجلس العسكري الانتقالي حينها أن فضّ الاعتصام سوف يؤدي إلى تجريد قوى الحرية والتغيير، المحرك الرئيسي للثورة السودانية، من أداة الضغط الرئيسة التي تملكها؛ ومن ثم يسهل إملاء شروطه عليها بشأن إدارة المرحلة الانتقالية. لكن تظاهرات الخميس أظهرت بشكل واضح، أن قوى الحرية والتغيير ما زالت تمتلك أدوات ضغط، وقدرة على تحريك الشارع، لمنع أي جنوح عسكري للسيطرة على السلطة.
 
ويبدو واضحاً أن العلاقة بين المكونين المدني والعسكري تمرُّ بمنعطف كبير، وأن الشراكة التي بدأت بينهما قبل أكثر من عامين تواجه مأزقاً خطيراً مع توجه العسكريين إلى الاستئثار بحكم البلاد. لكنّ تهيّب العسكريين من تحمل المسؤولية الكاملة عن إدارة أزمات البلاد؛ بما فيها أزمة شرق السودان، والأزمة الاقتصادية، فضلاً عن المقاومة التي تبديها القوى المدنية، والضغوط الخارجية، الأميركية خصوصاً، قد تدفع كلّها في اتجاه تسوية يُعاد من خلالها تشكيل الحكومة المدنية على أساس توسيع قاعدة المشاركة، وهذا مطلب تؤيده قوى داخل المجلس المركزي للحرية والتغيير، مع بقاء رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، على الأرجح.
 
 
 
 
المصدر: المدن