نظير حمد...السؤال الراهن عما كان يفعله الله قبل الخلق
روجيه عوطة
الخميس 12 آب 2021
الحديث شيقٌ مع المحلل النفسي الفرنكولبناني نظير حمد، ومردّ ذلك، دورانه حول موضوعات مختلفة. فحمد على تمكن مستمر من الذهاب والإياب بين المجالات، وفتحها على بعضها البعض، فلا تعود عندها كأنها توشك على موتها. فهو كان ذات مرة روائياً، وقبل ذلك، كان قد حاول في الشعر، وبالطبع، ديوانه التحليل هو دوماً عنوان البراعة، أما، بعد ذلك، فله باع في التفلسف فضلاً عن الوقوف على الأسطرة على تنوعها، أكانت دينية أو غيرها. قريباً، يصدر الجزء الثاني من كتابه مع شارل ملمان "بسيكولوجيا الهجرة"، لكن، بالبعيد من راهنية هذا الإصدار، كنت قد أقدمت على هذا الحديث معه قبل أن أنقله الى العربية بعد قراءة نص من نصوصه. هذا الحديث يدين لغابريال فارو، وبانطلاقه من عندياتها، يطيله المُحَاوَر من عندياته.
- تميّز بين رب كثير الحضور ورب على قليله، أو بالأحرى رب مكتوم...
نعم، مثلاً في عدد من بلدان الشرق الأوسط، الرب على كثرة حضوره تلك. فهو يختلط بكل شيء، من العيش الخاص إلى عيش الجماعة، مروراً بعيش البلد بأكمله. لا أقول ذلك لأبشر بالضد من الدين، ولكن، ما اريد الاشارة إليه ان كثرة حضوره أو قليله لا يحققان لنا موضعاً أفضل في ادراكنا لأنفسنا في الزمن بما هو حياتنا. في كل حال، ليس موضع الانتماء الديني أو العلماني بالأمر المريح. فغالباً ما يصطدم المرء بالنغص في الحضارة على قول فرويد، وهذا النغص ليس سوى العيش بذاته بما هو يفرض علينا عدداً من القيود والتنازلات. أن يكون الرب كتوماً أو حاضراً أينما كان، فهذا لا يجعلنا نتجنب هذا النغص.
- لماذا يبدو هذا التجنب محالاً؟
لنعُد إلى الخلف قليلاً. السجال الأول الذي وضع الكنيسة في مواجهة المانية هو سجال خاضه القديس اغسطينوس ضد المانيين. مع العلم انه هو أيضاً كان منهم قبل أن يصير مسيحياً، ويدافع بشراسة عن معتقده الجديد ضده، تماما، كما كان يفعل حيال معتقده القديم ضد المسيحيين. لقد طرح عليه المانيون سؤالاً، اعتقد انه راهن واساسي. قالوا له بما معناه ان الاخذ بوجهة النظر التي يقدمها الإنجيل، اي ان الله خلق الإنسان، وخلق الأرض، وخلق كل الكون... في حال الاخذ بوجهة النظر هذه، ثمة سؤال يطرح نفسه، وهو: قبل الخلق، ماذا كان الله يفعل؟ هل كان عاطلاً عن العمل اذاً؟ هل لم يكن رب أي شيء؟ هل كان رباً وحيداً، ربّ ذاته؟ كان إله مَن وماذا؟ انه سؤال مهم، وبالارتكاز عليه، سيوضع دعاة التطوير في مقابل دعاة الخلق، كما هي الحال في الولايات المتحدة الأميركية، أو في البلدان حيث الدين هو الذي يُقاس عليه كل شيء. هذا السؤال دفع القديس اغسطينوس على التفكير للإجابة عليه، وقد أتى رده من قبيل: انتم تصيبون في سؤالكم، ففي حال تأريخ الخلق، يبدو الله أنه لم يكن يفعل شيئاً. عند الاتكاء على فرضية انه خلق الأرض، ثم الإنسان في لحظة ما، يمكن الاعتقاد ان ثمة قبل وبعد، قبل الخلق، حيث كان الله وحيداً، وبعده، حيث صار رب الكون. ولكن، ماذا يعني هذا على صعيد الحقيقة؟ اعتقد ان الحقيقة دوماً أخرى.
- كيف؟
في حال كان الله قد خلق الأرض، فليس ذلك في وقت معين من التاريخ، وهذا، لأن الزمن لم يكن موجوداً سلفاً، بل ان الله خلقه أيضاً. لقد خلق مع الزمن بالتحديد، اي لم يكن، وفي نتيجة ذلك، قبل الخلق وبعد الخلق. فالزمن والخلق هما حدثان متصلان، بحيث لا يمكن تناول الأول بلا الثاني والعكس. هناك ثلاثة اطراف، ومن هنا يمكن فهم من أين أتى الثالوث ربما: الله، الزمن، والخلق. ولا يمكن الفصل بين هذه الأطراف، بل انها حصلت مع بعضها البعض. الله خلق مع الزمن، يعني، وبعبارة مختلفة، الزمن كان بمعية الخلق، فلم يبدأ قبله أو بعده، إنما معه، اي أنه لازمه. كل هذا أجده راهنا، وهذا لسبب بسيط، وهو أن كل دين، كل جماعة، وكل مجموع، يستند إلى زمن ملائم لمراجعه. لماذا يوجد تقويم روماني؟ بسبب الإرجاع إلى المسيح. كل جماعة تأول الزمن بحسب دينها. في السياق نفسه، الحديث عن زمن هو حديث عن الحقيقة. كل دين يميل إلى الإطاحة بالدَين الرمزي، وخطف الحقيقة بما هي كُل. ما هو الدَين الرمزي؟ انه ما ندين به لكل الحضارات السابقة، أكانت وثنية او بآلهة متعددة أو بإله واحد. كل الديانات تناقلت من بعضها البعض، وبلا استثناء، عناصر من هؤلاء الذين نظموا المجتمعات التي كانت حاضرة قبل إقبال الديانات التوحيدية. خلق آدم مثلاً من الأساطير التي تنوجد في حضارات أخرى. فجلجامش خُلق من طين ايضاً. الحج، الأضاحي، التطهير، الممنوعات المتعلقة بالمأكل وغيرها من العناصر كانت موجودة قبل الديانات التوحيدية، التي، ويدورها، أعادت احيائها فيها لأنها على قيمة رمزية مؤسسة. لا يمكن للديانات مثلما انها لا تريد أن تعترف بما أخذته من بعضها البعض لأنها، وفي حال فعلت ذلك، فكل سؤال الحقيقة بما هي كُل ينقلب رأسا على عقب. لهذا، كل ديانة تدمج الديانات الماضية فيها، وتربط عناصرها بأصل إلهي.
- لماذا الدين المسيحي هو دين الغموض بامتياز؟
الثالوث هو الغموض بعينه. في حال كنت مانوياً، اطرح على المسيحيين الاستفهام الاتي : ماذا كان يفعل الله قبل التجسد؟ كان هناك زمن قبل وزمن بعد. انه زمن تاريخي، ولكنه، يرتبط بكون الله هو نفسه قبل وبعد. الا أنه أراد أن يتجسد، أن يأخذ هيئة بشرية، أن يصير انساناً. اعتقد ان ثالوث، الاب، والابن، والروح القدس، ليس ثالوثاً سوى في إثر عنصر رابع، وهو مريم العذراء. لماذا الله كان يحتاج إليها لكي يتجسد؟ غموض؟ نعم ولا على حد سواء. شرح لنا القديس اغسطينوس ان مريم ليست جسداً، فالجسد مجنسن دوماً، إنما هي لحم. القول إن مريم لحم، هذا يدل على أنها لم تُعَد كامرأة سوى بالمعنى اللغوي. انها أمّ بالتأكيد، ولكنها، ليست امرأة إلا قواعدياً. العنصر الرابع في الثالوث هو عنصر القواعد، الكلمة من لحم، مثلما ان اللحم له قيمة كلامية. الغموض هو هيئة من هيئات الغموض. الحقيقة مبنية كأسطورة. هذا ما لا يمكن شرحه. الاسطورة لا قيمة لها سوى حين لا تقدر العقلنة عليها. لهذا السبب لا لقاء بين الاديان. فليس هذا ممكناً لأن طلب شرح ما لا يُشرح يضع أسس الدين في محل الشك. لا يمكن الشك في الثالوث من دون الإطاحة بأساس من أسس المسيحية. وهذا، ما ينسحب على باقي الديانات. الاشكالية ترتبط بكون الدين لا يمكن أن يعيش سوى في الحاضر. خذ مثلاً عاشوراء. فالشيعة يحيونها كل عام في اجسادهم. فاستشهاد الحسن والحسين يحيا في الحاضر. انهما يموتان على مدار الأعوام. لا يمكن أن تصير عاشوراء من الماضي الا في حال القبول بجعل هذا القسم من تاريخ الدين نسبياً. لهذا، ايضاً، ثمة صراع بين الشيعة والسنة، مثلما هناك عراك بين كل جماعة، كبين المسيحيين والمسلمين، وبين المسلمين واليهود الخ. الأمر عراكي، عراك زمني وغير زمني. في رطانتنا التحليلية النفسية، هذا يسمى عارض. العارض هو زمن نسي ان يتأرخ، أن يصير من التاريخ. يُعاش دوماً كحاضر راهن. التحليل النفسي يمكننا من تورَخة ما نحياه كغير زمني. لا يمكن استخلاص درس من التاريخ لأنه بالنسبة للمقتنع بمرجعه التديني التأريخ غير ممكن. الحاضر والماضي والمستقبل زمن واحد.
- ماذا عن اليوم السابع من الخلق؟
في حال اعتبار الخلق فعلاً يتطلب جهداً فيزيقياً ما، فيمكن تخيل بداية له ونهاية. لقد استمر خلق الله ستة ايام، أما، اليوم السابع فهو يوم مبارك. في كل الأحوال، الله اليهودي بارك اليوم السابع وقد لزّم شعبه مباركته أيضاً. لا نعمل في هذا اليوم. انه يوم لتحقيق واجب الاجتماع، واجب تثمين ان نكون معاً، وتذكر الله. الراحة هي راحة الإنسان، بحيث أنه هو الذي يبذل الجهد الفيزيقي الذي يرهقه، ولهذا، هو يحتاج إلى تعويض عنه. لكن، الخلق ليس فعلاً فيزيقياً متعباً، إنما هو يتعلق بما طلبه الله من آدم، اي أن يسمي. لقد طلب الله من آدم ان يسمي ما يراه وما لا يراه. وان يسمي آدم، فهذه التسمية تضع كل كائن، كل شيء، في مكانه على الأرض. هنا ايضاً فرضيتي هي نفسها: الخلق هو تسمية، لغة، كتلك التي استخدمها آدم لكي يسمي العالم الذي ولد فيه. هذه التسمية ولدت انسانيتنا. الأناس كائنات تتكلم، ولهذا الأمر، عالمهم لغوي. ماذا يصير العالم في حال غدا بلا لغة؟ إن كان هذا ممكناً، فهذا العالم لن يكون إنسياً. في هذه الجهة، نعود إلى نفس ما قدمه القديس اغسطينوس: الله، الزمن، والكلمة هي أطراف لا يمكن الفصل بينها. اليوم السابع هو زمن اعتراف، زمن مَسرة. لا دين من دون مَسرة مباركة من الله.
ربما، لا بد من الملاحظة في هذا السياق أيضاً حول الكلمة، ففي اي لسان كانت، أكانت بالعبرية، بالآرامية، بالعربية؟ لا يمكن معرفة ذلك، طالما ان الله قرر خلط الألسن في بابل، دافعاً إلى نسيان اللسان الأصل. في الجهة عينها، يمكن تذكر ما كتب القديس اغسطينوس حول ان الله بحسب رواية بابل قد قال "هيا لننزل لأجل خلط لسانهم". فيستفهم القديس اغسطينوس: لماذا يتكلم الله بالجمع؟ هل يفعل ذلك من باب التعظيم بنفسه؟ لا، فهو لا يحتاج إلى ذلك، يجيب. ولكنه، اقدم على ذلك من باب التأكيد على الثالوث: فقد كان عندها ثلاث في اله واحد.
- ولبنان من كل هذا؟
لماذا لبنان محكوم بمعاناته، بموته؟ لا عيش مشتركاً ممكناً بلا التضحية. التضحية بالقليل من الذات من أجل أن يتمكن الاغيار من إيجاد أنفسهم. الديموقراطية جهد مشترك، خلاله يقبل الأفراد كالجماعات خسارة واقعية من أجل ربح رمزي. هذا الربح ليس مادياً، ولهذا، يصعب تقييمه. على سبيل المثال، إن قلت أنني لبناني، فهذا يعني بالنسبة اليّ أنني اقبل التنازل عن شيء ما من انتمائي العائلي، الجماعاتي، الديني، باسم مصلحة مشتركة وانتماء مشترك. وهذا لا يلغي الخصوصيات الجماعاتية والفردية، ولكنه، يجعلها ثانوية حيال ما هو اساسي، اي الانتماء المشترك. فعلياً، الآلهة في لبنان هم من آلهة الأوليمب، هم في عراك دائم. ربما، لا بد لبنانياً من قراءة هوميروس كسبيل للدراية بالتراجيديا اليونانية. انه التراجيديا اللبنانية بإمتياز، حيث لا يمكن للانسان ان يكون في مواجهة المصير، الذي تصنعه آلهة على نحو عراكي ودموي. فآلهة الأوليمب كانوا ينظرون إلى الإنسان يتقاتلون، كما لو ان ذلك من ارادتهم. لبنان هو طروادة الجديدة وحروبه هي من عمل الآلهة. حين تكون في لبنان، فأنت حسب القانون لا تعد سوى كمنتمٍ إلى جماعة. مهما تكن أفعالك أو مواضيعك أو نياتك، فأنت لا تعد على اساسها إنما على أساس انتمائك ذاك. لهذا، لا فاعل في لبنان، إنما هناك مكانه الخاضع الذي ينتجه ذلك القانون. زمن الفرد هو زمن انتمائه اياه، زمن ارجاعه إلى جماعته. في حال توجهت إلى غيري باعتباره مختلفاً عني من موضعي كمن يقدر على تنسيب سؤال الانتماء والحقيقة، ثمة، وباستمرار، احد ما أو شيء ما يرجعني إلى ذلك القانون. فهامش المناورة على هذا الصعيد ضيق. ما يسمى "الفسيفساء" هو أمر معذب، إذ ينضب كل شخص يريد أن يكون غير ما يُعد. الكثير من اللبنانيين حين يغادرون البلد، يتخلصون من حمل ردهم الى القانون ذاته. ولكن، عند تناول كل جماعة في فضاء زمني محدد، من المحال العلم بمن هو المسيحي الحقيقي، أو المسلم الحقيقي أو سواهما... الأناس يتحولون بالانطلاق من مصالحهم، حسب ظروف الحقبات، أنه الـ"تطور الجيوبوليتيكي" كما يقال في أيامنا.
المصدر: المدن