العلمانية
"لبنان المِرآةُ المتكسرة" لسهيل القش.. بلد على مقاس طائفة(1)

محمد حجيري

الجمعة 28 أيار 2021

يسعُ قارئ كتاب "لبنان: المِرآةُ المتكسرة"(*)، للباحث والأكاديمي اللبناني المقيم في كندا، سهيل القش، أن يفهم، وبعمق، خطاب اللبنانوية من منظورها الإيديولوجي على طريقة سعيد عقل، وواقع الأزمة الراهنة في لبنان وتداعياتها وأصلها وفصلها وتشعباتها وشظاياها ووجهها الجديد والقديم والمتكرر، من ضمن المعادلة التي يمكن تلخيصها بالقول "إن غلاة اللبنانوية بين الموارنة الذين ما انفكوا يؤكدون إيديولوجيا أولوية الداخل اللبناني على الخارج، قد تميزوا في سياساتهم للحفاظ على السلطة، باستدعاء الخارج، أي خارج، والاستقواء به على بقية الطوائف والملل في الداخل، من فرنسا والفاتيكان في القرن السابع عشر، مروراً بوالي مصر في القرن التاسع عشر، الاستقواء مجدداً بفرنسا كليمنصو وجيش الجنرال غورو، ثمّ الاستقواء بسوريا الأسد على الفلسطينيين ثم بالإسرائيليين ضد السوريين، وأخيراً وليس آخراً الاستقواء بإيران وصاحب الزمان ضد العرب". و"من سخرية القدر أن يسرق صهر الجنرال خطاب بشير الجميل اللبنانوي الماروني باسم الدفاع عن حقوق المسيحيين، وان يستقوي على الداخل اللبناني بالبندقية الشيعية الإيرانية التي تهدد اللبنانيين بإصبع نصرالله".
 
واستدعاء الخارج والاستعانة به والضرب بسيفه، جعل لبنان دولة مفعولاً بها (أو زبوناً ودولة كيان)، لا دولة فاعلة، في بلد وصفه بأنه "فيض من التاريخ تجمع في قلة قليلة من الجغرافيا"، و"ما انفك يفتن الكتّاب ويلهم الشعراء في إقامة هذا التزاوج الفريد من نوعه بين البر والبحر، وبين الجبل والسماء، تزاوج يضم في كنفه تنوعاً بشرياً من أغنى ما عرفته الحضارات". و"شاءت الجغرافيا أن تحشر جبل لبنان في حيز ضيق، كما شاء التاريخ أن يرمي به على دروب كبرى الامبراطوريات القديمة". ونظراً إلى تعدّد المتحدات المكونة لكيان لبنان، كان من الطبيعي أن يجد كل متحد وسيلة لابتداع سردية تروي تاريخ لبنان على أنه تاريخ أرض تندرج في حيز سوري أو عربي أوسع. وحدهم الموارنة، كانوا المنشدّين باكراً نحو الغرب، بطريقة من الطرق، وبظرف من الظروف. يقول سهيل القش: "تميزوا بتأسيس سرديتهم التاريخية وكأنهم جزء من تاريخ أوروبا المسيحية. وبذلك كانوا ينظرون إلى الجبل كقلعة حصينة تحميهم من تصحر الصحراء العربية وتصون هويتهم المسيحية". و"سردية تاريخ الجبل من هذا المنظور انما تختصره كتاريخ للمتحد الماروني اياه. انها السردية اللبنانوية الساعية لإيجاد تحديد عام لهوية الكيان اللبناني".
 
اعتمد القش في هذا البحث، السردية اللبنانية، كمرتكز نظري شكل مرجعية لتصنيف بقية السرديات الايديولوجية التي تتناول الكيان اللبناني، كل واحدة منها تتموضع سلباً أو ايجاباً في موقفها من هذه السردية المركزية... ويعالج تشظي المِرآة اللبنانية المتكسرة، التي تعكس سياسات القوى الكبرى في تقاطعها مع القوى الاقليمية، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف وجهات نظر المؤرخين وعلماء الاجتماع والفلاسفة في سعيهم إلى فهم أنظمة السلطة في العالم العربي. ثمة فيض من التكثيف في توصيف مرآة "اللبنانوية" المتشظيّة في كتابة سهيل القش، من مختلف المجالات والمنابع الثقافية والأصول الإيديولوجية، وقد قُسم كتابه الى قسمين كبيرين: الأول بعنوان "يروى عن لبنان"، ويتناول مختلف سرديات تركيبة السلطة، وهي تتوزع في فصول ثلاثة..
 
الفصل الأول بعنوان "السردية اللبنانية"، يتناول نشوء هذه السردية التي تحتل مكاناً محورياً بالنسبة لبقية السرديات، بعد التأكيد على التمييز بين "لبنان" ككيان متحدي يتصف أحياناً بإجماع مكوناته الطائفية، وبين اللبنانوية كتعبير إيديولوجي عن قومية لبنانية مارونية على طريقة سعيد عقل، ما انفكت تعمق الانقسام بين اللبنانيين، وهي وجه من وجوه قوميات مختلفة ومتناقضة ومتخاصمة، الى جانب السورية والعربية. لقد حاول القش في هذه الفصل دراسة أصول هذه السردية اللبنانوية التي مهدت لنشوء المتحد الطائفي الماروني. فوجد أنها تعود إلى ثلاثة مقومات اساسية، كلية روما المارونية (1584)، جمعية نشر الايمان الكاثوليكي بين الشعوب (1622) ولجوء الامير فخر الدين المعني الثاني إلى إيطاليا (1613 – 1618). ويسأل: هل توجد أمة لبنانية مكتملة المواصفات، مبنية على شعب متجانس استطاع أن يصهر كل مكوناته الدينية في عصبية موحدة الأهداف؟ والى أي حد يمكن القول ان طائفتيّ الدروز والموارنة تشتركان في تصور واحد للبناني لكي ينصهرا في شعب واحد متجانس؟ ويقول أنه تكفي العودة إلى التاريخ لنكشف أن الموارنة القادمين من سوريا البيزنطية، والدروز القادمين من سوريا السلجوقية، كان التقاؤهم في لبنان مبنياً على سوء تفاهم تاريخي ما زال يؤرق تاريخ تعايش الواحد مع المتعدد. مصدر سوء التفاهم هذا إنما يعود الى قدوم الصليبيين العام 1098 إلى القدس، والذي يعتبر الحدث الأبرز في بلورة التباين والتعارض بين موقف كل من الدروز الموارنة من هذه الحملات الصليبية، والتالي بلورة مفهوم لبنان لكل منهما: من هم أعداؤه ومن أصدقاؤه؟ هل تشترك مكوناته في تاريخ واحد؟ وهل يجمعهما مصير واحد؟
 
يؤكد معظم المؤرخين العرب أن الدروز قدموا الى لبنان ليس هرباً من جور أكثرية سنّية مضطهِدة لأقلية دينية، كما يدعي النص اللبنانوي الماروني، بل أُرسلوا من قبل الأيوبيين إلى لبنان للتصدي للغزوات الصليبية التي كانت تهدد الداخل العربي، وأطلقت عليهم تسمية "حماة الثغور". في حين يفاخر معظم الموارنة بأنهم ساندوا الصليبيين في حروبهم ضد العرب. ان سوء التفاهم هذا، هو الذي يحول دون قيام شعب لبناني متجانس وموحد الرؤيا في ما يتعلق بماض متنازع عليه، او في ما يتعلق بتحديد العدو المشترك: "من الواضح أن الدروز ينظرون الى جبل لبنان كمعقل يقف في وجه اجتياح غربي للبر العربي من البحر، في حين أن الموارنة يتمثلون نفس الجيل كسد منيع في وجه الصحراء العربية وحضارتها التي تهدد بإلغاء فرادة لبنان".
 
يسأل القش: كيف تم اختراع الشعب اللبناني؟ ويقول إن وعد بفلور العام 1917 الذي التزمت بموجبه الامبراطورية البريطانية إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، يتشابه في كثير من وجوهه مع الوعد الذي قطعه كليمنصو للبطريك الحويك بإقامة "لبنان الكبير" بهدف حماية الطائفة المسيحية المارونية! يتبين من ذلك أن الهدف في الحالتين، يكمن في اختراع أمة وشعب على مقياس كل من الطائفتين: إسرائيل للطائفة اليهودية، ولبنان الكبير للطائفة المارونية. وقد تكفل اللغط اللغوي الذي أعقب هذين الوعدين بالمزج بين مفهومي الطائفة والشعب. وبذلك استخلصت السفسطة الصهيونية حول المظلومية اليهودية، بأن الشتات جعل من اليهود شعباً بلا أرض، فوعدهم بفلور بإعطائهم أرضاً سائبة لا شعب يقيم عليها.
 
اما في ما يتعلق بالطائفة المارونية، فقد وجدت في بداية الاستشراق الإيديولوجي الفرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، من يطلق عليها الموارنة، الذي لم يتشكلوا كطائفة، بعد تسمية الشعب الماروني أو الأمة المارونية. الصعوبة كانت تكمن في هذه الحالة في خلق لبنان مكبر أو كبير يتسع لإقامة شعب مسحيي وذلك باقتطاع مناطق بأكملها من الجوار السوري أو "الجوف السوري" وقد ترفض الالتحاق بالطائفة المارونية التي أطلقت على نفسها صفة أمة. لكن الخطر الذي يهدد المشروع الفرنسي بإقامة دولة لبنان المكبر، إنما جاء من داخل الطائفة المارونية نفسها. لقد ثبت أن الحجج التي اعتمدها البطريرك حويك لإقناع كليمنصو بتكبير لبنان المتصرفية، كانت تستند الى قابلية الدولة العتيدة للحياة، وهي لا تستقيم إلا بالمصادر الزراعية للمناطق التي توافق البطريرك حويك مع كليمنصو على سلخها عن سوريا وضمها الى جبل لبنان...
 
إن الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) استحضرت مجدداً السجال حول صوابية أو خطأ تكبير لبنان العام 1920. يختار القش وثائق "الجبهة اللبنانية"، لقراءته السردية اللبنانية. صحيح أن الطائفة المارونية خسرت الحرب وفقدت السلطة، لكن خطابها الايديولوجي ما زال حاضراً لدى القوى السياسية التي تدعي الدفاع عن حقوق المسيحيين وصون لبنانية لبنان "المهددة بالذوبان" في بحر الإسلام الشاسع. إن السردية اللبنانية لم تُهزم مع مَن هُزموا عسكرياً وسياسياً في الحرب، بل بقيت متجذرة إيديولوجياً وسط النخب السياسية والفكرية من الطوائف كافة...
 
لقد شدد سهيل القش على مفهوم اللبنانوية، لكي يميزه عن مفهوم لبنان المتداول بين غالبية المؤرخين. اذ لجأ بعض المؤرخين اللبنانيين اليساريين، الى الانتقاء العشوائي لسرديات مختلف الطوائف، والتي تنطوي على تصور حديث للبناني المرتجى، وذلك في محاولة منهم لتفادي الخوض في نظريات موضوع مثير للخلاف، كموضوع القومية أو الأمة اللبنانية.
 
يسأل القش لماذا اكتسبت الطائفة المارونية هذه الأهمية بالنسبة إلى فرنسا الكاثوليكية والعلمانية على السواء؟ يقول أنه إذ كانت بدايات اهتمام البابوية الكاثوليكية بالكنيسة المارونية تعود الى القرن السادس عشر، مع تأسيس مدرسة روما المارونية (1584) وجمعية نشر الايمان الكاثوليكي (1622)، فإن المراحل اللاحقة لتكوّن النص الكياني اللبنانوي المسيحي، بدأت تتبلور أيديولوجياً في كنف الاستشراق الأيديولوجي الفرنسي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتميزت هذه المرحلة بنشوء جمعيات رعت العديد من المثقفين، غالبيتهم من المسيحيين، شكلوا مقدمة لخطاب القومية اللبنانية... يقول القش: "قد يختلف فرنسيو المتروبول حول فهمهم لمبادئ الثورة الفرنسية ومسؤوليتها الكونية إزاء شعوب الأرض، لكن حين يتعلق الأمر بامبراطورية فرنسا ومستعمراتها، يتوحد فجأة العلمانيون والكاثوليك دفاعاً عن "الموروث الروحي" الفرنسي في وجه العرب. هذا الموروث الروحي انما يعود على الأقل الى الصليبيين الذين يفاخر الموارنة بالقتال الى جانبهم في وجه العرب. من المؤشرات ذات الدلالة في هذا المجال، هو أن يقف فرنسي علماني كالجنرال غورو على قبر صلاح الدين في دمشق ويخاطبه كصليبي شامت "ها قد عدنا يا صلاح الدين". يبدو أن كلاً من العلمانيين والكاثوليك توحدهم الأحقاد الصليبية حين يتعلق الأمر بالعرب".
 
وشكل الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان انتصاراً، ليس فقط للطائفة المارونية، بل شكل كذلك انتصار إيديولوجياً للنص الكياني اللبنانوي الذي عمّ تأثيره على بقية الطوائف والملل. ومن أبرز كتّاب مرحلة الانتداب والاستقلال: داوود عمون، يوسف السودا، بشارة خليل الخوري، ميشال شيحا، شارل قرم. ومن ثم بعد الانتداب، سعيد عقل وكمال الحاج والاب سليم عبو.. كل هذه الأدبيات مهدت الطريق لبلورة نص كياني لبنانوي اتضحت معالمه مع انفراط الكيان نفسه في خضم حروب أهلية وإقليمية لم تنته بعد.
 
يقرأ القش الأيديولوجيا اللبنانوية انطلاقاً من وثيقة خلوة سيد البيرة، التي عقدت العام 1977، ومن حسنات هذه الوثيقة بحسبه، أنها، رغم لغتها "الفجة"، تلخّص بوضوح النص اللبنانوي الذي انخرطت بموجبه كافة الأحزاب المسيحية في صفوف "الجبهة اللبنانية" (مجموعة الأحزاب المسيحية خلال الحرب الأهلية). لا وجود للبنان خارج الغلبة المارونية، ولا مبرر لوجود لبنان من دون قومية لبنانية مسيحية. إن أصحاب هذا الطرح الذين اعتبروا أن مجد لبنان أُعطي لهم، وضعوا شروطاً أمام المسلمين لدخول لبنانهم الذي لم يبق من مجده سوى صورة رئيس يقف أمام مرآة لا قعر لها. وهو يستمد ديمومته من تفتت الواقع العربي وانقسامه الى كيانات حريصة على خصوصيتها. يعتبر القش أن التأكيد على خصوصية الكيان اللبناني، ككل الكيانات العربية الحريصة على خصوصيتها، لا تزدهر ولا يستتب أمرها إلا في ظل انهزام المشروع العربي الموحد. يتبع... 
 
(*) يصدر الكتاب قريباً عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
 
 
 
المصدر: المدن