ننشر في ما يلي سلسلة حلقات تضيء على المكونات التأسيسية للبنان في فضاء العلاقة القلقة بين المنظومة الطوائفية للدولة والمجتع السياسي، واللبنانيين كمواطنين متحررين من أسوار طوائفهم. وعلى ظننا فإن طرح هذه القضية ضمن حلقات للتفكير تكتسي ضرورتها فيما يعبر لبنان والعالم العربي محنة الانقسام والاحتراب والتآكل.
* * *
الحلقة الخامسة
إستئناف الوطن الطائفي
يظهر المشهدُ اللبناني المعاصر، وكأنه استئناف صريح لحكاية الوطن الطائفي الذي تأسَّس في لحظة حرجة تزمنّت مع انهيار الدولة العثمانية وصعود الامبرياليات الحديثة في الغرب. يستذكر اللبنانيون هذه اللحظة ليؤسسوا عليها عصبيتهم من أجل دولة تستوعب طوائفهم وتصون مصالحهم في الوقت عينه. انها "الدولة المستوعب" التي طمح إليها الكل واستيقنتها أنفسهم. اللهم إلا ندرة أعرضت عن السوء الطائفي وآنست الى مساكنها المدنية الضيقة. فـ"الدولة المستوعب" في زمن ما بعد الحروب الأهلية، لها دور ينبغي ألا تكون سواه: محطة لاستقبال محاربي الطوائف، ومنحهم شهادة إعادة تشكيل الكيان الوطني من جديد. من مآثر "دولة الاستيعاب" التي تولى أمرُها المحاربون، أن فتحت أذرعها لحداثويي "الطوائف" في الاقتصاد، والمال، والسياسة، والثقافة، لتكون منزلهم الآمن، ولتصير القميص الذي يلبسونه بشغف ومسرّة.. ثم لتصاغ مشاريعهم ومنظوماتهم وتصوراتهم على نحو ما نشأ عليه البلد أول مرة. الذي حصل بعد سنين وجيزة من انصرام الحرب الأهلية ان كل شيء ظل على حاله وإن تبدَّلت الوجوه والزعامات وتقنيات السلطة. فلا شيء تبدّل في ماهيّة الطوائف السياسية التي صنّعت الكيان، ثم كانت سبباً في تقويضه . ومع ذلك ففي الأسئلة المحتجبة اليوم، أو في تلك التي تتهيأ للظهور، تعود التسويات على الطريقة «الشيحوية» لتسكن المجتمع السياسي وتتوغل فيه. كما لو أن المنطق اللبناني الشائع يفترض المماهاة مجدداً، وعلى نحو مستدام بين القيامة اللبنانية المفترضة، وايديولوجية ميشال شيحا الكيانية. بعد الحرب بانَ لنا المشهد على أتمّه. انصرفت النخب إلى استعادة الرؤى الشيحوية قصد تعيين دور ووظيفة للكيان اللبناني المستأنف. ولقد جرى الأمر هذه المرة ضمن توليف متقن بين الأيديولوجيا الطوائفية والمال السياسي. سوى ان هذا التوليف - على الرغم من سطوته الجارفة تحت ظل الحريرية المستحدثة سحابة عقد من الزمن (1990-2005) - لم يستطع ان يقوِّض التقليد التاريخي للطوائف. فالذي حصل كان على خلاف ما كان يتوقعه البعض او يتمناه. لقد ابتعثت أزمنة الحرب وما بعدها حنيناً للتقليد، ثم لم يلبث هذا الحنين ان تحوَّل تدريجاً إلى قوة تدفع ببلد مثقل بالأتعاب نحو نيوليبرالية جامحة إلا أنها متعايشة مع التقليد. فقد راحت هذه النيوليبرالية تنشئ دولة ما بعد الحرب الأهلية على السيرة الأولى التي نهض عليها الوطن الطائفي. كما لو كان التقليد الطوائفي بالنسبة إليها هو الجذر السري الذي ينبغي مراعاته ورعايته من أجل التلاؤم مع طبيعة الدولة الطائفية العميقة في لبنان. هكذا تعود المدرسة الشيحوية مرة أخرى لتُبعث من جديد في الثقافة السياسية اللبنانية. كان ميشال شيحا ومن معه من ايديولوجيي الوطنية اللبنانية الحادة يفخرون بأنهم أبدعوا للبنان نظرية لاستقراره وازدهاره، تقوم على الاعتصام بالتقليد اجتناباً للعنف والحروب الأهلية. وبمقتضى هذه النظرية ساد ما يشبه الاعتقاد بأن طوائفية هذا البلد هي علّة وجوده، ولا صلاح إلا بها، وعليها، ومن خلالها. كأن ثمة من ينبِّهُنا على الدوام، أن كونوا على حذر مقيم من عنف قد يشتعل في أي لحظة إن أنتم مَسَسْتُم التقليد أو ألحَقْتُم بقواعده الأذى.
* * *
المؤرخ الراحل كمال الصليبي يتساءل في ختام الفصل التاسع من كتابه "بيت بمنازل كثيرة" ، عن فرص النجاح التي كانت متوافرة أمام رعاية عقلانية للتقليد في مجتمع لا يستوى فيه الجميع على الدرجة نفسها بالعقلانية. كان الصليبي يقصد هنا على الأرجح المدرسة الشيحوية التي كان مؤسسها مهجوساً بالفعل بمثل هذا التساؤل، إلا أن قدرَهُ لم يسعفه ليظهَرَ له الحصاد المرير بعد سنين قليلة من رحيله. فها هو العنف ينفجر وكأنه قدر لا مردّ له. الأمر الذي حدث على نحو دورات عنف متتابعة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وأطاح بالتقاليد التي كان لها وحدها في رأيه، أن تحافظ على المثالية الفينيقية المتصوَّرة. لكن الصليبي يعود ليمنح شيحا حقه في "أنه كان على حق" - ولو لوقت معلوم - حين رأى أن العنف الكامن في لبنان، لا يمكن احتواؤه إلا بالرأي السياسي الصائب. ولسنا ندري إن كان الفرقاء الإقليميون والدوليون الذين وضعوا أو باركوا سلام الطائف 1989 قد استمسكوا يومئذٍ بالرأي الصائب. غير أن السؤال الذي لم ينفك عن أحواله الماضية ظل يدور حول ما إذا كانت الشيحوية وفلسفتها ودعواها إلى التقليد، لا تزال تنعقد على فضيلة التسوية التاريخية.
رغم أن ميشال شيحا فَلْسَفَ الصيغة الطائفية بوصفها الطريق الذي ينبغي سلوكه لحماية الكيان من الانفجار والتشظي، فإنه سيلجأ بعد فترة قصيرة من المعاينة الى نقدها. فبعد ثلاث سنوات على إعلان الاستقلال، أي في العام 1945 - وبعد أن لاحظ بأم العين التسابق المحموم بين ممثلي الطوائف على وزارات الدولة واداراتها - سوف ينبري الى السؤال التالي: "متى تصبح هذي البلاد غير طائفية؟".. ثم يجيب: "يوم تنعقِدُ النية بجدٍّ على ألاَّ يبقى لبنان بلاداً طائفية، وعلى ان يكون لزاماً على كل طائفة القبول دون كثير من الصياح، أن يكون تمثيلها في بعض الأحيان أدنى من حجمها في أحيان أخرى" ...
غالب الظن أن فيلسوف الصيغة الطائفية كان محمولاً على الاسى حيال هشاشة الكيان أمام الأزمات، كما لو كان يستشعر الخطر المحدق بنظامه الايديولوجي. جرّاء المشاجرات حول قسمة المغانم بين زعماء الطوائف في ذلك الوقت. ومع أن تعليقه المشحون بالمرارة جاء في لحظة ساخطة على مشهدية التنازع على السلطة، فإن كثيرين ذهبوا إلى أن تصريحاً يصدر من فيلسوف الكيانية اللبنانية نفسه كان يشير الى فداحة ما تنطوي عليه الطائفية من شرور لا شفاء منها. ومع ذلك وبعد أجيال من ذلك التاريخ بقيت الطائفية في نظر أتباع المذهب الشيحوي مقوّماً وجودياً للبنان. وسنقرأ ما لا حصر من التنظيرات السابقة على الحرب الأهلية واللاَّحقة عليها، أن الطوائف المسيحية والإسلامية تشكل متحدات اجتماعية ثقافية كلية، لكل منها هوية خاصة هي الأقوى والأثبت من بين جميع الانتماءات الدينية والاجتماعية والسياسية.
* مفكر وباحث في الفلسفة السياسية