العلمانية
جدل الطائفية والمواطنة في لبنان حبل الصُرَّة المتين(4)

محمود حيدر

الثلاثاء 18 تموز 2017

ننشر في ما يلي سلسلة حلقات تضيء على المكونات التأسيسية للبنان في فضاء العلاقة القلقة بين المنظومة الطوائفية للدولة والمجتع السياسي، واللبنانيين كمواطنين متحررين من أسوار طوائفهم. وعلى ظننا فإن طرح هذه القضية ضمن حلقات للتفكير تكتسي ضرورتها فيما يعبر لبنان والعالم العربي محنة الانقسام والاحتراب والتآكل.

 


*     *      *

 


                             المدينة "الطائفية" الفاضلة
 

 

لمَّا نظَّر ميشال شيحا للوطن اللبناني المتخيّل، مضى بتنظيره حداً يفوق ما ذهبت إليه المخيلة الرومانسية لأيديولوجيي الدولة القومية في أوروبا القرن الثامن عشر. سوف يعلي شيحا من متخيّله الكياني ليرفعه إلى مقامين يبدوان متفارقين على نحو لافت:


- أولهما مقام الأسطورة، حتى ليظنّ القارئ أنه بإزاء بيت مشيّد بالشعر، أو حيال مكان جيو- ميتافيزيقي، لا يشبه أمكنة الدنيا، ولا تشبهه هي في شيء.


- وثانيهما مقام الواقع، حتى ليكاد المرء أن يحسب شيحا فيلسوفاً سياسياً من طراز ماكيافيلي أو ابن المقفّع، لكن على الطريقة اللبنانية التي عوَّدنا عليها سياسيو الطوائف منذ الاستقلال (1943) إلى ما بعد اتفاق الطائف(1989). هذا المفكر المسيحي الكلداني الذي جاءت عائلته من العراق سيعيّن سكرتيراً لهيئة الخبراء التي وضعت مسوَّدة الدستور اللبناني عام 1926. وسيكون من أبرز المخطِّطين الرئيسيين للبنية السياسية، والاقتصادية اللبنانية بعد الاستقلال. كان لبنان بالنسبة اليه "بلد الحلم والواقع معاً". تريد فلسفته أن تقيم لمدينته الفاضلة سياجاً من عقل صارم يحميها من مواتٍ أكيد. ولهذا راح يبيّن منذ العام 1942 أن الديمقراطية هي الصيغة الوحيدة التي تلائم لبنان، ويقول: "لا بد من مجلس يكون مركز التقاء وتوحيد للطوائف في سبيل تحقيق إشراف مشترك على الحياة السياسية في الأمة. فحين يُلغى المجلس، يُنقل الجدل حتماً إلى المحراب (من حرب) أو إلى ظلّه، فتتأخر بالتالي مسيرة التنشئة المدنيّة.. فـ "لا يناسب لبنان ركوب الرأس ولا مركب الانقلابات.. سيكون عليه أن يتجنب الطغيان، وسيطرة البعض على البعض الآخر، ليتفادى بالتالي كل أنواع الاضطرابات". وما لا ريب فيه أن «العقل التسووي» الذي دعا شيحا اللبنانيين إليه، ليعصمهم من كواره الزمن، هو المنجز الفلسفي - السياسي الذي سيؤلف بينهم، ويدبّر لهم اجتماعهم وتوحّدهم. وبعد هذا فهو (المنجز) الذي يصون الإلفة من الفِرْقة، والوحدة من الانشطار والتشظِّي. والأهم من ذلك كله أن هذا المنجز الفلسفي - السياسي نفسه، هو الذي آل إلى أن يكون دستوراً في العام 1926، وميثاقاً وطنياً حُمِلَ عليه الاستقلال عام 1943. بل ثمة من يمضي ليصل إلى اتفاق الطائف ليقول إن هذا الاتفاق انتزع من «الشيحوية» عصارة الفؤاد.


بهذه المواصفات رسمت «الشيحوية» ماهية بلد عجيب تركَّب على الكثرة والتعدّد، بعدما صارت هذه الثنائية السياسية تقليداً، وصار التقليد سلطة معزّزة بالقانون. إنها سلطة «الكَثرة المركبة» نفسها التي افترض شيحا أنها تستطيع أن تؤمِّن للبلد أمنه وثباته، فتعصمه من التذرر والإنفراط. كان ميشال شيحا مؤمناً بأن لبنان «بلد يجب أن يدفع التقليد عنه شرَّ العنف». كما أنه وعى مبكراً فَرَضِيَّة التناقض بين الطوائف، فأراد أن يؤسس لمنطق ينزع من الاجتماع السياسي العتيد عوامل انفجاره. غير أن الإختبارات الاولى للفلسفة الشيحوية، سرعان ما وقعت في شرك منطقها المتناقض. إذ سيتبيّن بعد سنوات قليلة من التجرية بهتان منطق يصرُّ على أن يستولد من قضية مهزوزة، نتيجة مستقرة.


إجتهادان متعاكسان
 

الأكيد أن "الشيحوية" لم تمضِ إلى القبر مع صاحبها. وسيكون لها مع كل " نائبة" تحل على لبنان نصيبٌ من الحضور. وعلى الرغم من تشكيك الكثيرين بجدواها كمرجعية فكرية لتسوية الأزمات الكبرى، فلم يفلح المشككون بعزلها عن ميادين الثقافة السياسية. فلا يزال إلى يومنا يوجد ما يشبه حرباً فكرية باردة بين اجتهادين متفارقين، سوى أنهما ينتميان بهذا القدر أو ذاك إلى الأسئلة نفسها التي قدمها ميشال شيحا:
الإجتهاد الأول: ان لبنان بلد استثنائي كرّمته السماء، فعرضت عليه طوائفه، فكان بها وجوداً أصيلاً. ولبنان هذا، صارت الطوائف والمذاهب بالنسبة إليه علّتهُ الفضلى. بها يقوم ويترقى ويدوم، وطناً لأهله المختلفين المتَّحدِيِن على عشق لا يزول.


والإجتهاد الثاني: إن لبنان قد لَعَنَتْهُ الحتميات التاريخية والجغرافية على السواء، وكانت النتيجة أن خلعت طوائفُهُ عليه ألوانها وأشكالها ومشاكلها، وراحت تنزع منه- منذ أول التقاء في ما بينها – جُلَّ صلاتِ الوصل التي تجعله وطناً جامعاً لمواطنيه. ليس لبنان - على رأي أهل هذا الاجتهاد- غير ماهية مخصوصة بالفقر كما يقول أهل الحكمة. أي أنه بلد لا مِنْعة له بإزاء الاضطراب، فهو مقيم على قلق طوائفه، إما لعلة في ذات كل واحدة منها، كما لو ان شعوراً يسكنها بأنها مغدورة من أخواتها اللاّتي يشاركنها باب الدولة العالي.. وإما بسبب من لعبة انتهاب متبادل في ما بين الأخوات المتشاركات كلهن، أفضت إلى ثنائية الخوف والغبن.. حيث ترتَّب على هذه الثنائية من الآثار ما انتصبت بسببها جُدُرٌ حالت دون استنبات مواطنية حقيقية. وكان الحاصل جراء هذين (العلة والسبب) أن تعرّض البلدُ لاهتزازات متعاقبة. ومع أن كلا الاجتهادين آنفيَ الذكر قد هبطا إلى ما دون الحدود التي رسمها اتفاق الطائف(1989)، فهما لا يزالان على النشأة نفسها، أي بوصفهما مصدرين يغذيان سجالاً لا ينتهي حول مستقبل النظام والمجتمع والطوائف في لبنان.



* مفكر وباحث في الفلسفة السياسية