اقر البرلمان الفرنسي مؤخرا على مشروع القانون الحكومي المسمى "تعزيز مبادئ الجمهورية" وهي الصيغة الملطفة للتسمية السابقة ً "قانون محاربة الانفصالية الاسلاموية"، وذلك بعد شهر كامل من المناقشات في لجنة خاصة طيلة أسبوعين كاملين شهدا انقسامات حادة بين اليمين واليسار ومزايدات لا تنتهي.
منذ البداية، انصبت الانتقادات على المشروع من اليمين واليسار، حتى من داخل الاكثرية النيابية. فمن جهة، اعتبر ممثلو اليمين الكلاسيكي بحزب "الجمهوريون" واليمين المتطرف "التجمع الوطني" أن المشروع "لا يذهب بعيدا " في محاربة "الانفصالية الاسلامية" التي تعني قيام بؤر مجتمعية تتبنى قيما مغايرة عن قيم الجمهورية، ولا تحترم مبدأ العلمانية، الذي يعد إحدى ركائز الجمهورية، الناظم للعلاقة بين الدولة المدنية والاديان. وفي هذا السياق، رأى داميان آباد، رئيس مجموعة نواب "الجمهوريون"، أن المشروع الحكومي جاء "مبتورا " لانه "يهمل مسألة الهجرات والتطرف في السجون وفي الشركات الخاصة".
وقّدمت مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف، مشروعاً منافساً يذهب بعيدا في ما تعتبره محاربة"الايديولوجيات الاسلاموية"، ومما تقترحه منع ارتداء الحجاب في الفضاء العام، وهو ما لا يحرمه القانون الفرنسي الحالي.
وبعكس التيار الغالب داخل األكثرية، والذي يدافع عن الطرح الحكومي، ويعتبر مشروع القانون "متوازنا "، فإن بعض اليسار واليسار المتشدد يصب جام غضبه عليه ويعد أنه يستهدف تحديداً الاسلام والمسلمين، ويزيد من الشروخ بين الفئات المكونة للمجتمع الفرنسي، وتغيب عنه وعود الرئيس ماكرون بمعالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية العنصرية التي تعاني منها فئات من المهجرين وأبنائهم والغيتوات والممارسات التمييزية، وأحيانا التي تتشكل في ضواحي المدن الكبرى.
ويربط عدد من المحللين بين طرح هذا المشروع واقتراب موعد استحقاقات انتخابية، أهمها إطلاقاً الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في ربيع العام المقبل. وتفيد استطلاعات الرأي المتوافرة في الوقت الحاضر أن المنافسة النهائية ستنحصر، كما في الانتخابات السابقة بين ماكرون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، وبالتالي فإن الرئيس الحالي بحاجة لابراز انه ليس متساهلا مع التطرف الذي يعد مدخلا الى "قبضة حديدية" في المسائل الامنية، و محاربة الاسلام الراديكالي للارهاب الذي تعاني منه فرنسا.
من هنا، فإن موقع الاسالم في المجتمع الفرنسي وكيفية مجابهة التيارات الاسلاموية التي تدعو إلى الانطوائية وتغليب قيم تبتعد عن قيم الجمهورية، وهو ما يسمى،في الادبيات السياسية " الانفصالية الاسالموية" سيكونان حاضرين بقوة في الجدل الذي سيشتعل بين الحزاب المتنافسة. وليس ما حصل من نقاشات حادة داخل قبة البرلمان طيلة 135 ساعة، إلا عينة لما سيعيشه المواطن الفرنسي في الاسابيع والاشهر المقبلة.
حقيقة الامر، أنه رغم تراجع العمليات الارهابية في فرنسا، ما زالت الصورة التي تربط بين الارهاب و"التطرف الاسلاموي" هي المسيطرة على المجتمع الفرنسي. ودأبت الحكومة، في الاشهر الاخيرة، على دفع ممثلي المسلمين إلى القيام بخطوات ملموسة لتصحيح الصورة وإدانة التطرف والراديكالية من خلال تبني "شرعة مبادئ" تؤكد على قبول مبدأ الجمهورية و العلمانية ونبذ التطرف والمساواة بين الرجل والمرأة ورفض تدخل الخارج في شؤون المسلمين وفتح الباب من أجل إنشاء "مجلس الائمة" الذي ستناط به مهمة "تفويض" الائمة للقيام بمهامهم الدينية والتخلي عن استجلاب ائمة من الخارج يقدر عددهم بـ300 إمام من المغرب والجزائر وتركيا .
في هذا السياق، يندرج مشروع القانون الجديد الذي يراد منه بشكل رئيسي توفير "الاساس القانوني" لمواجهة النزعات الانفصالية والاسلام السياسي الذي يعمد إلى تسخير الديانة لاهداف سياسية حسب زعمهم .
لقد عاد ملف "الإسلام السیاسي" الى واجھة الأحداث في فرنسا مع صدور تقریر عن مجلس الشیوخ أعدته لجنة تحقیق خاصة استحدثت في شھر تشرین الثاني من العام الماضي، واستندت في كتابتھا على نتاج سبعین مقابلة مع مسؤولین وسیاسیین ومثقفین وجامعیین وأعضاء في جمعیات ناشطة من المجتمع المدني، واستخلصت أن "التطرف الإسلاموي ھو الیوم واقع ملموس" في العدید من الأحیاء وأن دعاة التطرف الإسلاموي "یسعون الیوم لوضع الید على الإسلام في فرنسا". ویعتبر التقریر أن "الإسلامویة المتطرفة متعددة الأشكال وھي تتسلل إلى كافة مناحي الحیاة الاجتماعیة وتسعى لفرض قیم جدیدة على المجتمع بحجة الحریة الفردیة". ووفق معدي التقریر، فإن كافة الأراضي الفرنسیة معنیة بھذه الظاھرة باستثناء غرب البلاد، وأنه یتعین التحرك الیوم وإلا فات الأوان. وبالنسبة للجنة المذكورة، فإن فرنسا لیست تراكم مجموعة أقلیات بل ھي أمة وبالتالي لا یمكنھا التساھل مع ھذه الظاھرة.
یذھب معدو التقریر إلى تأكید أن المتطرفین یسعون لتحقیق "الإنفصالیة " في عدد من المدن، الأمر الذي یعني عملیا "التنكر لقیم الجمھوریة كحریة المعتقد والضمیر والمساواة بین الرجل والمرأة واختلاط الجنسین".... وذھب التقریر إلى حد الحدیث عن سعي الإسلام السیاسي - المقصود به تیار الإخوان المسلمین - عن سعیھم لإعادة "إحیاء الخلافة". ونقلت وكالة الصحافة الفرنسیة عن مقررة اللجنة عضو مجلس الشیوخ جاكلین أوستاش برینیو قولھا إنه "یتعین الإسراع في التحرك... وإلا فإن العدید من الأحیاء في الضواحي وفي مناطق كثیرة ستنفصل بعد عدة سنوات عن الجمھوریة".
منذ سنوات، یتھم الیمین وزارة الداخلیة والأجھزة الأمنیة بتلافي الدخول إلى أحیاء الضواحي في المدن الكبرى تلافیا لحصول مواجھات بینھا وبین مجموعات الشباب التي تعتبر نفسھا مھمشة وأحیاءھا متروكة لمصیرھا. ورغم الخطط المتتالیة التي أطلقت مع تعاقب الحكومات، فإن المعضلة لم تحل لا بل أصبحت أكثر تفجرا ما یزید التباعد مع ھذه الأحیاء.
تحت عنوان محاربة " الانفصالية الاسلاموية " اقدم البرلمان الفرنسي على اصدار قانون انتقائي اعتبره البعض معاد للاسلام لانه لم يتطرق الى مسؤولية الدولة في تنمية الاحياء الشعبية المهملة كما انه حصر الانعزالية في فئة اسلامية بعينها مع العلم انها ظاهرة تطال ايضا فيئات مهمشة اخرى . هذه الخطوة سوف تاجج الصراعات الدينية والعنصرية في فرنسا وقد تمتد الى دول اوروبية اخرى .