العلمانية
بكركي وأوهام "الحل الدولي" للمسألة اللبنانية

نبيل الخوري

الأربعاء 10 شباط 2021

نشأت دولة لبنان بقرار دولي عام 1920، عندما خضعت منطقة المشرق لنظام الانتداب تحت إشراف "عصبة الأمم". كانت فرنسا الدولة المُنْتدِبة، الراعية لتلك الولادة. أثبتت التجربة أن هذا المولود الجديد، هذا الكيان، قابل للحياة، إنما حياة مضطربة دائماً. كلما بلغ الاضطراب أوجه، أي كلما وصل الانقسام السياسي بين الأطراف اللبنانية إلى مرحلة الاستعصاء، ترتفع أصوات لتطالب بحل دولي. وفي حالات كثيرة، لم يأت الحل إلا من الخارج، أو أقلّه في ظل دور خارجي حاسم.
 
ديغول وفؤاد بطرس
 
 
 
في طليعة تلك الأصوات اليوم، يقف البطريرك الماروني، بشارة بطرس الراعي، ليدعو علناً، في 7 شباط 2021، إلى عقد "مؤتمر دولي خاص برعاية الأمم المتحدة يثبت لبنان في أطره الدستورية الحديثة، التي ترتكز على وحدة الكيان ونظام الحياد وتوفير ضمانات دائمة للوجود اللبناني تمنع التعدي عليه، والمسّ بشرعيته، وتضع حداً لتعددية السلاح وتعالج حالة غياب سلطة دستورية واضحة تحسم النزاعات (...)". دعوة كهذه تضع مسألة "التدويل" على رأس أجندة النقاش العام في البلد. لكن هذا لا يعني أنها ستتحول تلقائياً إلى أولوية على جدول أعمال المجتمع الدولي.
 
الطريق ليست معبّدة إذاً أمام تدويل حل الأزمة اللبنانية. ذلك أن أي حلّ يحتاج إلى توافق جميع الأطراف المعنية بالصراع. في حالة لبنان، الأطراف المحلية والأطراف الخارجية ليست متفقة حتى الآن على صيغة للحل. في ما يتعلق بالدول الغربية، فرنسا والولايات المتحدة الأميركية تحديداً، فهي أكثر من يدرك صعوبة التدويل. لا يمكن للغربيين، أثناء إدارة الأزمة، سوى استحضار ما قاله ذات يوم، الرئيس الفرنسي شارل ديغول، لوزير خارجية لبنان، الراحل فؤاد بطرس، في 24 حزيران 1968 في باريس (حسب مذكرات الأخير): "(...) لسوء الحظ، إذا نشبت أزمة في لبنان بسبب نزاع بين البسطا والجميزة، لا فرنسا ولا أحد بإمكانه أن يفعل شيئاً من أجلكم، وسيكون على اللبنانيين الاعتماد على عبقريتهم للخروج من مثل هذا المأزق".
 
اتفاق القاهرة
 
 
كذلك، لا يمكن للغربيين إلا تذكّر تجاربهم الملموسة مع فكرة التدخل في لبنان. أثناء الحرب الأهلية المصغرة عام 1958، شهدت البلاد تدخلاً عسكرياً أميركياً بطلب رسمي من السلطات اللبنانية. وكان هذا أول تدخل غربي في أول أزمة خطيرة، في ما بعد الاستقلال. لكن يمكن القول إنه كان آخر تدخل ناجح في الوضع اللبناني منذ تلك السنة. تمخض عنه تسوية أوصلت إلى الحكم رئيساً توافقياً، فؤاد شهاب، صاحب التجربة الوحيدة في بناء دولة القانون والمؤسسات والتنمية المتوازنة والحياد الإيجابي، في تاريخ لبنان.
 
عندما بدأت أزمة العمل الفدائي الفلسطيني في الجنوب، وحين أخذت تتفاقم بعد سنة 1968، كان هناك فريق محلي يطالب بنشر قوات دولية لتحييد لبنان عن الصراع العربي ــ الإسرائيلي. إلا أن توجّه كهذا لم يكن يحظى بتوافق داخلي. وبدل التدويل، جرى "تشريع" العمل الفدائي بموجب "اتفاق القاهرة"، عام 1969، الذي لم يحل الأزمة، إنما أجّل انفجارها أو تحوّلها إلى حرب أهلية، لبضع سنوات فقط.
 
كل ما شهده لبنان بعد ذلك من أدوار وتدخلات لمجلس الأمن الدولي، اقتصر على قرارات أممية تدين شفهياً الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الفلسطينيين. حتى ما يسمى بـ"التدويل" عام 1978، حين أرسلت الأمم المتحدة قوات "اليونيفيل" رداً على الاجتياح الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان، لم يكن سوى عملية فصل (غير ناجحة) بين المتحاربين. لم تأت القوات الدولية بأي حل لأزمة الوجود الفلسطيني المسلح. لم تنسحب "منظمة التحرير" من بيروت إلا بالقوة، إثر اجتياح إسرائيلي كاسح ومدمر عام 1982.
 
القوات المتعددة الجنسيات
 
 
 
الدور الإسرائيلي كان عامل انقسام لبناني داخلي عنيف، ساهم في تأجيج الأزمة اللبنانية بدل معالجتها. أما المحاولات الهادفة إلى إعطاء دور للأمم المتحدة في الإشراف على الحل اللبناني، فلم يُكتب لها النجاح. لقد فضلت واشنطن الحل "الغربي ــ الأطلسي"، بواسطة دخول "القوات المتعددة الجنسيات"، في أيلول 1982، بدل من توسيع صلاحيات ونطاق عمل قوات "اليونيفيل". كانت النتيجة غرقاً غربياً في المستنقع اللبناني. واجه الوجود العسكري الغربي اعتراضاً واسعاً من قبل أطراف محلية، حليفة لسوريا. كان بعضها ينظر إلى هذا الوجود بوصفه انحيازاً إلى الطرف المحلي الخصم، المتمثل آنذاك بسلطة الرئيس الكتائبي أمين الجميل. وكان بعضها الآخر، يتعامل مع هذا الوجود الغربي باعتباره عقبة أمام مشروع جنيني، آنذاك، المتمثل بمشروع التوسع الإيراني الهادف إلى تأمين موطئ قدم لإيران في لبنان، على البحر المتوسط. فعمِلَ بالتالي على إزالة تلك العقبة. ونجح بذلك عام 1983، مع استهداف القوات الأميركية والفرنسية حيث كانت تتمركز في جنوب بيروت وبمحيط مطارها، في هجوم يُنْسب إلى حزب الله. عملية "المارينز" و"دراكار" في 23 تشرين الأول 1983، أنهت الإدارة الغربية للصراع اللبناني. ومهّدت السبيل لمستفيد أول، هو النظام السوري الذي هيمن على لبنان، ولمستفيد ثانٍ، هو حزب الله الذي هيمن بعد الانسحاب السوري عام 2005.
 
1559 و1701
 
 
 
إذا كان لكل تلك التطورات والتحولات من معنى سياسي، فهو أن تدويل الأزمة اللبنانية، سواء كان بتفويض من الأمم المتحدة، أو من دونه، ممنوع في نظر هذا الحزب. وإذا كان يتعامل بواقعية مع الدور الأممي في الجنوب، نظراً لحاجته هو أيضاً لوقف إطلاق النار، إلا أن ذلك لا ينسحب على بقية جوانب الأزمة اللبنانية، خصوصاً في أبعادها الداخلية. أبرز دليل على ذلك يتمثل في عدم تجاوب حزب الله مع القرار 1559، الذي صدر عام 2004، عبر رفضه بشكل قاطع نزع سلاحه، التزاماً باتفاق "الطائف". صحيح أن ذلك القرار الأممي يندرج في خانة مساعي التدويل، وهو أدى إلى وضع لبنان تحت المراقبة الدولية. بيد أن استحالة تطبيقه تعني عملياً استحالة التدويل. حتى القرار 1701 الذي من المفترض أن يمنع الوجود المسلح في جنوب خط الليطاني، يستحيل تطبيقه كاملاً.
 
ثمة متغيّر وحيد يتيح للبعض "فرصة" طرح فكرة تدويل الأزمة اللبنانية. يتعلق الأمر بالانهيار المالي والاقتصادي، واحتمال تحول لبنان إلى دولة فاشلة. لكن وضع مؤسسات الدولة تحت إشراف أممي، على شكل وصاية، يتطلب أيضاً توافقاً داخلياً، خصوصاً قبول حزب الله بذلك. وهذا ما لا تتوفر مؤشرات باتجاهه حتى الآن. قد يكون هو الحل الأنسب والمؤقت، لكنه لن يكون إلا حلاً تقسيمياً، لأن الحزب لن يقبل في امتداد الوصاية الدولية إلى مناطق نفوذه.
 
أما فكرة انعقاد مؤتمر دولي لإنتاج ومواكبة الحل اللبناني، فهي فكرة قابلة للتنفيذ، لكن الرد الدولي عليها لا بد أن يكون مشابهاً لما قاله شارل ديغول لفؤاد بطرس، ومفاده أن مفتاح الحل داخلي وليس خارجي. بمعنى آخر، لا يستطيع المجتمع الدولي، حتى لوْ توافقت كل أطرافه، فرْض أي حل من الخارج، إذا كان طرف محلي واحد معترضاً عليه. يمكنه فقط حثّ اللبنانيين على الحوار والتفاهم. أو المبادرة والقيام بوساطة كما تفعل فرنسا وقطر والفاتيكان.
 
تدرك بكركي كل هذه المعطيات بالطبع. لكن هل يتصور أحد أن حزب الله سيمنح الضوء الأخضر لمسار دولي يُراد منه، حسب كلام البطريرك الماروني، أن يضع حداً لتعددية السلاح، مثلاً؟
 
 
المصدر: المدن