ننشر في ما يلي سلسلة حلقات تضيء على المكونات التأسيسية للبنان في فضاء العلاقة القلقة بين المنظومة الطوائفية للدولة والمجتع السياسي، واللبنانيين كمواطنين متحررين من أسوار طوائفهم. وعلى ظننا فإن طرح هذه القضية ضمن حلقات للتفكير تكتسي ضرورتها فيما يعبر لبنان والعالم العربي محنة الانقسام والاحتراب والتآكل.
* * *
(الحلقة الثالثة)
الطائفية بوصفها معرفة وسلوك
ظهرت الطائفية اللبنانية كممارسة – كما يبيِّن مؤرخوها- حين نشب الصراع بين النخب المارونية والدرزية، وبين الأوروبيين والعثمانيين (وهو صراع أساسه طبقي اجتماعي وسياسي وثقافي) حول تحديد علاقة عادلة ومنصِفة ﻠ "القبيلتين" أو "الأمتين" الدرزية والمارونية بدولة عثمانية تستهدف التحديث. ثم بزغت تلك الطائفية كثقافة حين نُزِعَت الثقة، عن النظام القديم في جبل لبنان في منتصف القرن التاسع عشر. وهو نظام كان محكوماً بتراتب نخبوي. وكانت السياسة هي التي تحدِّد المنزلة والمقام في الدنيا، لا الانتماء إلى الدين. وهكذا فتح انهيار النظام القديم فضاءً لشكل جديد من السياسة والتمثيل يقوم على لغة المساواة الدينية. ولقد أعلى هذا التحول من شأن الطائفة بدلاً من المكانة النخبوية (الاجتماعية والطبقية)، وجعلها الأساس لأي مشروع من مشروعات التحديث والمواطنة والتحضُّر. وبالتلازم مع كل هذا، تطوَّرت الطائفية أيضاً كخطاب. أي كمجموعة من الافتراضات والكتابات التي وصفت هذه الذاتية المتغيِّرة ضمن سرد التحديث العثماني والأوروبي واللبناني .
سوف نقع في هذا المجال، على مُنفَسَحٍ آخر من النظر لا يرى إلى الطائفية، على أنها مجرد موروث عثماني، أو صيغة ثقافية قانونية من صيغ المعرفة الاستعمارية الغربية، ولا هي أيضاً، واقع يمكن ردّ جذوره إلى ماضٍ معين سابق على الحقبة الكولونيالية... إنها – بنظر أصحاب هذه الرؤية- مزيجٌ من إدراكات واستعارات ووقائع ما قبل كولونيالية (سابقة على عصر الإصلاح العثماني) وما بعد كولونيالية (خلال عصر الإصلاح). بعبارة أخرى، فإن الطائفية –والكلام لهؤلاء- معرفةٌ "حداثية" لأنها أُنتِجَت في سياق الهيمنة الأوروبية والاصلاحات العثمانية، ولأن المفصحين عنها –على مستوى كولونيالي (أوروبي) وإمبراطوري (عثماني) ومحلي (لبناني)- يعتبرون أنفسهم حديثين يستخدمون الماضي التاريخي لتبرير مطالب راهنة وتطور مستقبلي. وبقدر ما تمثل الطائفية معرفة كولونيالية حقاً، فإنها تمثل أيضاً وجوهرياً معرفة عثمانية إمبراطورية، ومعرفة قومية محلية لا يتم إنتاجها بعد الكولونيالية أو رداً عليها، بل بالتزامن مع المعرفة الكولونيالية ومُثُلها .
لقد أراد هذا التحليل التاريخي أن يُفسح عن المنطقة الرمادية التي انغمرت بها لحظات الاستبدال الاستعماري بين الإمبراطورية العثمانية المتهالكة، والشريكَين الامبرياليين الصاعدين بريطانيا وفرنسا. فلقد جرت الأمور على نحو بدت فيه المواجهة بين السلطنة العثمانية والمستعمرين الجدد (الفرنسيون والانكليز) وكأنها مسرح تفاعل ثقافي يستغله ساكنو الجبل اللبناني بطريقة محسوبة وواعية من أجل بلورة هوية كيانية ذات مضامين وشروط جيو-سياسية.
وهكذا فقد عمدت كل من بريطانيا وفرنسا، وبتواطؤ مع العثمانيين إلى تنظيم أوجه مختلفة من المواجهة. وقد وفَّر هذا التنظيم للسكان المحليين في جبل لبنان سُبلاً لإعادة تأويل تاريخهم، وتعريفهم الخاص لأنفسهم كطوائف، ونظامهم الاجتماعي الصلب والجامد. ولا شك أن القوة لعبت دوراً حاسماً، ذلك لأن هذه المواجهة لم تكن متكافئة بأي حال من الأحوال، وغالباً ما جرى دفعُ ذلك الدفق من الإيديولوجيات والممارسات التغييرية من الآستانة وباريس ولندن إلى جبل لبنان، حيث جاءت حصيلةُ هذا التبادل، ظهور الطائفية بوصفها معرفة وممارسة على السواء .
إذا كانت الأسس والقواعد الطائفية قد رُسِمت وأُنشِأت وأصبحت واقعاً مُبيَّناً بدولةٍ ومؤسساتٍ ودستورٍ وقوانين، وتحت رعاية وحماية الإرادتين الأوروبية والعثمانية.. فإنّ استمرارها لم يفارق الرعاية والتأثير الخارجيين. والذي جرى هو أن الطائفية راحت تستأنف ولاداتها بتسديد وتأييد من إرادات دولية وإقليمية تعاقبت على مدى الحقبة التي تلت الإستقلال. هذا يُفضي إلى أنّ قواعد النظام السياسي الطائفي في لبنان، لم تغادر الترتيبات التي آلت إليها خرائط المنازعات الخارجية ومؤثراتها منذ العام 1860، مروراً بالسلسلة الهائلة من المنعطفات التاريخية التي شهدها القرن العشرون المنصرم. ولسوف يظهر لنا بوضوح أن الجيوستراتيجيا المعاصرة، وخصوصاً مع نشوء دولة إسرائيل في فلسطين، تعاملت مع لبنان وأزماته على القاعدة إيّاها التي تعاملت فيها معه أمبراطوريات القرن التاسع عشر.
سوف نفترض أنّ حزمة الأطروحات التي مرّ الكلام عليها في الحلقة السابقة، تؤلف على الجملة، مفاتيح معرفية للاقتراب من فهم المنطق الداخلي لتشكّلات وقائع المواطنة في لبنان. فالقول السياسي الطائفي المؤسِّس للكيان اللبناني، سيكون له فعله الحاسم، في بناء وإعادة بناء الشخصية اللبنانية أفراداً وجماعات. لقد أسَّس "قول الطوائف المأثور" قلعة ثقافية وإيديولوجية عملت جماعة من رواد الفكر الكياني اللبناني، ولاسيما في البيئة المسيحية، على بلورتها وتقديمها كأيقونة فلسفية مقدسة. على هذا النحو، جرى الكلام على فرادة لبنان. وتحديداً على فرادة الحيِّز الجغرافي الذي يسكنه مسيحيو جبل لبنان. وما ذهب إليه المؤرخ جواد بولس كان جلَّياً من هذه الناحية، لمَّا بيَّن "أن لبنان أمة جغرافية، وأن الجغرافيا هي التي تصنع التاريخ، والتاريخ هو الذي يصنع السياسة". ولسوف نرى أيضاً كيف أن عقيدة سياسية كهذه، قد ولّدت طرازاً خاصاً من مواطنية ذات طبيعة عنصرية استعلائية. ولئن كان لنا أن نبيِّن مرجعية هذه العقيدة فسيظهر ميشال شيحا كأحد أبرز واضعي بناءها الإيديولوجي. نشير في هذا الشأن إلى أنّ محور فلسفة شيحا، هو تحويل الطائفية إلى نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وإسباغ الشرعية الدستورية والأخلاقية عليه. ولمَّا لم يكن إدراك وفهم أي شأن من شؤون لبنان منذ تأسيسه في العام 1920، إلا انطلاقاً من المعتقد الطائفي الذي أقام شيحا بناء الممعرفي، فإن إدراك طبيعة واقع المواطنة لن يغادر الحياض المتين لذلك المعتقد. وعلى نصاب هذا الإدراك، سوف يتسنى لنا فهم العلة الجوهرية التي تجعل الطائفية مرجعية متعالية لرعاية التسويات التي تعقب كل حرب أهلية، أو أية عاصفة سياسية تروح تضرب لبنان على مدى تاريخه الاستقلالي. لقد أرسى شيحا منظومة فكرية سوف تشكل مرجعاً ودليل عمل لعقود من الزمن. ولقد قدِّر له أن يضع موضع التنفيذ عدداً لا يستهان به من أفكاره. ويمكن التأكيد فوق ذلك كله أن فكره سيمارس تأثيراً حاسماً على الأجيال التالية، إذ كانت أفكاره وطروحاته وشعاراته محركاً للفكر السياسي والإقتصادي اللاحق، ومصدر إلهام للعديد من تلامذته الذين احتلوا المناصب الأولى في الدولة والإدارة . والشيء اللاّفت في الأزمنة اللبنانية المتأخرة، أنه كلما حلّ على اللبنانيين سؤال التسوية الداخلية، استأنفوا جدلاً عظُمَ شأنه واتسع مداه، حول صيغة الجمع في ما بينهم.. وفي كل مرة كانوا ينعطفون فيها نحو ذلك السؤال، كان ميشال شيحا يملأ مساحة بيّنة في ثقافتنا السياسية، حتى ليكاد ذلك "الفيلسوف الكياني" أن يؤلف بين أطياف لبنانية خالف بعضها بعضاً، وكان لها أن تعود لتأتلف على «فضيلة التقليد». ولذا فإن الماضي السياسي الاجتماعي للبنان وعلى امتداد ستين عاماً، سيجري على نصاب تلك الفضيلة. أما اللحظة اللبنانية الجارية، وإن اكتست بطبقات الغموض الكثيف، فإنها لم تخلُ من النقاش على "الشيحوية" وكلماتها وتوجيهاتها. فلقد بدا واقع الحال كما لو ان "التسوية التاريخية" المأمولة، لن تحيد عن تلك الكلمات والتوجيهات.
* مفكر وباحث في الفلسفة السياسية