العلمانية
جدل الطائفية والمواطنة في لبنان- حبل الصُرَّة المتين (2)

محمود حيدر

السبت 15 تموز 2017


    ننشر في ما يلي سلسلة حلقات تضيء على المكونات التأسيسية للبنان في فضاء العلاقة القلقة بين المنظومة الطوائفية للدولة والمجتع السياسي، واللبنانيين كمواطنين متحررين من أسوار طوائفهم. وعلى ظننا فإن طرح هذه القضية ضمن حلقات للتفكير تكتسي ضرورتها فيما يعبر لبنان والعالم العربي محنة الانقسام والاحتراب والتآكل.

 


                   *     *     *


                  (الحلقة الثانية)


   

عشر أطروحات في "أصالة" الطوائف
 

لقد وجدنا لنقترب من فهم تعقيدات "الفيزياء التاريخية للبنان، أن نعاين تأسيساته الطائفية. فعلى أرض هذه التأسيسات - كما نفترض- يمكن أن نتوفّر على خريطة معرفية تُفيد مسعانا في هذا البحث. وللدخول في مثل هذه المعاينة، نقترح عشر أطروحات تأسيسية حول دور الطوائف حول الدور المركزي في نشوء لبنان:


الأطروحة الأولى: الطائفية مقولة لبنانية بامتياز. إنها أمرٌ ذاتي وجوهري في نشوء وقيامة الكيان السياسي للبنان.. وبهذا المعنى هي ليست حالة عارضة يمكن إلغاؤها وإثبات بديلها اللاطائفي عبر اتفاق بين ممثلي الطوائف المكونة للكيان. ولمّا كانت الطائفية بهذه الصفة، أي أمراً ذاتياً يقع في أصل ظهور لبنان، فإن أي مسعى لنزعها كناظم للحياة السياسية فيه، يعني منطقياً نزع أصل هذه الظهور، وهذا محال منطقياً وعملياً.


الأطروحة الثانية: الطوائف في لبنان ليست مجرد تفريعات مذهبية لكل من الديانتين الإسلامية والمسيحية، وإنما هي وحدات سياسية واجتماعية وثقافية شكلت مجتمعة أساس ظهور الجمهورية الأولى في الربع الأول من القرن العشرين المنصرم.


الأطروحة الثالثة: إن طوائف لبنان لا دين لها، وهي تخوض غمار اللعبة السياسية. وإن الحاكم على سلوك ممثليها السياسيين في الحكم ومؤسسات الدولة، هو تقاسم السلطة، وفقاً لميزان التمثيل بين المسلمين والمسيحيين. في حين لا يتعدى تدخل الدين والشريعة في ممارسة السلطة حدود السماح للمؤسسة الدينية بالوعظ وممارسة الطقوس والشعائر. وبهذا المعنى لا يمكن قراءة نص الدستور اللبناني، سواء ذاك الذي ورد في اتفاق الطائف، أو النصوص الدستورية التي سبقته، إلا بصفة كونه دستوراً هو أقرب الى الوضعية العلمانية منه إلى ذاك الذي نجده لدى الدولة الدينية.


الأطروحة الرابعة: الدولة بالنسبة إلى الطوائف التي اجتمعت لتؤسس لبنان التاريخي، ليست سوى إطار ناظم للميثاق السياسي فيما بينها. وكلما كان يحل العنف على لبنان ويستوطن فيه، تعود الدولة بما هي وعاء للسلام السياسي إلى صمتها وانتظارها. حتى إذا تعب المتحاربون ووهُنَت أحوالهم، وأدرك نظام الصراعات الدولية والإقليمية أن لعبته في لبنان قد أُشبِعَت، كانت الدولة هي المآل والمستقر. ثم لتتحول في اللحظة التالية إلى وعاء يحوي الجميع، على قاعدة التوافق وعدم الغَلَبة.


الأطروحة الخامسة- الطائفية بوصفها إيديولوجيا لبنانية: ليست الطائفية عندنا في لبنان مجرد كلمة اعتدنا على التوقف أمامها كأمر مذموم. الطائفية فكرة وسياق ونظام حياة. ولأنها كذلك، فعليها ابتنى أهل كل طائفة مصالحهم وأهدافهم وسياساتهم. فقد كان من البديهيات أن يتخذ الاجتماع السياسي اللبناني من لقاء الطوائف خريطته الفكرية الهادية. لعل العنصر التأسيسي في تشكُّل الإيديولوجية الطوائفية هو اليقين بأن لبنان قام ويستمر على أصالة طوائفه. والأصالة هنا تعني أنه باجتماع الطوائف ووئامها فقط، ينبسطُ الحقل الذي ينتج ويعيد إنتاج الدولة، ومؤسساتها. ذلك ما يُعرب عنه سلوك الطوائف حيال بعضها البعض يجري على أساس خريطة معرفية وضعها المؤسسون الأوائل، عرفت بالصيغة، أو ما يسمى بالميثاق الوطني 1943. فلا تملك أي طائفة مغادرة تلك الخارطة، أو خوض اللعبة خارجها، وإلاّ اعتبر ذلك انقلاباً على ما يستحيل الانقلاب عليه. وهذا ما لم يحصل في تاريخ لبنان، رغم الحشد الهائل من الاضطرابات السياسية، والأزمات الاجتماعية، والحروب الأهلية. فغداة كل اضطراب أو أزمة أو حرب أهلية، تعود كل طائفة الى الاعتصام بالتقليد، أي بصيغة التسوية، ثم تروح تتعامل مع بعضها البعض بروح الوفاق والوئام. وكأن أنهر الدم التي جرت هي وجه من وجوه الممارسة السياسية. تلك الخريطة التي أشرنا اليها هي التجلِّي الثقافي لما سُمي بـ «الايديولوجيا اللبنانية».


الأطروحة السادسة: حوَّلت الطوائفُ لبنانَ، خصوصاً في أزمنة الحرب والنزاعات الأهلية، إلى مقولة أمنية. لكل طائفة، بما هي وحدة إيديولوجية وسياسية وثقافية، استراتيجيات أمن اجتماعي وسياسي ومعنوي خاصة بها. العلامة الفارقة لهذه الإستراتيجيات، أنها تحتجب في أوقات السلم السياسي، ثم لا تلبث أن تظهر إلى الملأ وتدق النفير، كلما لاحت أزمة في الأفق الرمادي، أو اقتربت البلاد من حرب أهلية. ولنا في هذه الأطروحة تفصيل إضافي:


ظهرت صورة لبنان بعد نهاية حربه الأهلية (1990-1989)، مركَّبة على نشأة أمنية غالبة. ذلك ما ذهبنا إليه بعد ذلك الزمن بقليل، من أن لبنان تحول بعد الحرب إلى مقولة أمنية . حيث يترجَّح الأمني فيها على السياسي، ليجعل له سقفاً سميكاً يستحيل خرقه بيسر. فلقد صار كل ما هو خارج اعتبارات الأمني ومقاييسه وشرائطه أمراً لا يعوَّل عليه. في حين أن القطيعة المفترضة بين الما قبل (زمن العنف) والما بعد (زمن السلم السياسي) لا تتراءى إلا على قشرة الخطاب السياسي المعلن. وكان على الهيئات السياسية الحاكمة يومئذٍ أن تزيِّن سلوكها السياسي بالتفاؤل. إذ بين يديها ميثاق سياسي أمني دستوري هو اتفاق الطائف، سوف يتحول في خلال وقت قصير إلى منظومة إيديولوجية، وكذلك إلى سلطة معنوية شديدة القسوة على كل من ينقدها. بل لقد غدا مضمون الاتفاق وخطابه الإيديولوجي قولاً ثقيلاً يرتقي في غالب الأحيان إلى رتبة المقدس. في مناخ المقولة الأمنية صارت السلطة السياسية الطالعة من اتفاق الطائف أشبه بمستوعب شرعي لاستقبال محاربي الطوائف. وحصل هذا من دون أن يجري بالفعل أي تطور من شأنه ترتيب آليات مستقرة للعمل السياسي. والنتيجة غياب الكلام على حياة سياسية هادئة وسويَّة، في ظل مقولة أمنية راحت تحايث كل صغيرة وكبيرة في إدارات الدولة، ومؤسساتها الأمنية والقضائية والسياسية والاقتصادية، ناهيك عن مؤسسات "المجتمع المدني" (أحزاب، نقابات، جمعيات أهلية إلخ)..


ولسوف تُستأنف المقولة الأمنية على امتداد السنوات العشرين التي أعقبت سلام الطائف. حيناً على مشهد العنف السياسي المستتر، معبِّراً عن نفسه بأزمات في الحكم بين أطرافه وفي الشارع، وحيناً آخر على شكل انفجارات متعاقبة ومتفاوتة لبؤر أمنية في هذه المنطقة أو تلك. وعلى هذا النحو سيدخل اللبنانيون في وضعية اللاَّيقين والشك بسلام أهلي لم ينجز، ولم يجد سبيله إلى الاكتمال. ولقد أفضت تلك الوضعية إلى آثار نفسية وسياسية عوّقت التواصل المفترض بين فضاءات المواطنة. إن هذه الوضعية السلبية نفسها سوف تضاعف من استشراء المقولة الأمنية بين صفوف المواطنين لتمكث في مساكنهم كخفير يراقب، ويحجب، ويمنع كل تطور يعيد الحياة لمواطنية لبنانية جديدة.


الأطروحة السابعة - أرض لبنان  بوصفها جيوبوليتيكا طائفية: بسبب المقولة الأمنية سوف تُقفل النوافذ أمام نشوء ما يسمى بمجتمع المواطن. المجتمع الذي يعيش ويعمل ويتحرك خارج أفق الطائفة التي ينتسب إليها. لقد وجد هذا المجتمع أي مجتمع المواطن أنه محاط بمنظومة طائفية شديدة الوطأة تحول دون دخوله منازل الوطن المرتجى. ثم سيكون عليه أن يعود القهقرى إلى كهف الماضي لكأنما يرتدُّ فردوسه المفقود... إلى كهف المجتمع السياسي التقليدي المبني على تركيبة مثلثة الأضلاع هي: الطوائف والمناطق والعائلات. ولسوف نرى بالمعاينة كيف تحولت الجغرافيا السياسية – الاجتماعية للبنان، في أثناء الحرب الأهلية وبعدها وبسببها، إلى "فدراليات"، لكل منها أمنها وسياساتها ورؤاها وثقافاتها. ثم نشأت جغرافيات سياسية طائفية شديدة الخصوصية والفرادة. وأبعد من ذلك، ففي أحقاب معينة ظهرت صورة كل محافظة من المحافظات اللبنانية الخمس، وكأنها على شيء من الاستقلال الذاتي. حيث سترسو جغرافيات الطوائف على قواعد شبه "سيادية" ذات أضلاع ثلاثة:


1- القوة التي تحوزها وتتمتع بها تبعاً لاستيطانها الطائفي أو المذهبي.
2- الجاذبيات الإقليمية والدولية بما لها من تأثير، على منطق عمل الطوائف مجتمعة، وعلى كل طائفة بصورة منفردة.
3- الدائرة الجغرافية التي تؤلف حياضها السوسيولوجي والأمني والسياسي.
لقد أفضت هذه الثلاثية إلى نشوء ما جوّزنا وصفه ﺒ "جيوبوليتيكا الطوائف". حيث ستسفر الظاهرة الجيوسياسية للطوائف عن امتدادات تتخطى أمداء الجغرافيا اللبنانية التقليدية. ذلك على الرغم من عدم حيازتها الغطاء الشرعي المعلن من جانب المنظومتين الاقليمية والدولية المحيطة.
وسط مناخٍ متشظٍّ كهذا، لم يملك اللبناني أن يعثر، ولو نظرياً، على نعمة المواطنية الجامعة. ونشأ جرّاء ذلك، حالٌ هو أدنى إلى الاستيطان الإكراهي داخل مساكن سياسية وأمنية طائفية، شكلت قواعد انطلاق باتجاه دولة افتراضية، لا تجد من تنازلات زعماء الطوائف إلاَّ ما يزيدهم قدرة الاستقواء عليها...


الأطروحة الثامنة: زواج العلماني/الطائفي


لعل الشيء الذي يحيِّر كثرة من اللبنانيين ولا يملكون جواباً عليه، هو ذلك المركَّب العجيب من المساكنة بين العلماني والطائفي. فلا أحد من بين تلك الكثرة يستطيع أن يعيِّن بدقة، طبيعة ولون وماهية النظام السياسي في لبنان. فلا هو على ما يتفق الجميع، نظام طائفي صافٍ، ولا هو كذلك نظام علماني بالمعنى الذي يُفهم منه فصل الدنيا عن الدين . ولا هو بطبيعة الحال، نظام يتركَّب على مصالحة معلنة بين دين ومجتمع ودولة يبلغ الاحتدام فيما بينهم حد الانتفاء المتبادل.


الحاصل في لبنان هو ضرب من المفارقة، يظهر فيها الواقع السياسي الاجتماعي  وكأنه جامع المتناقضات الثلاثة. حيث تتساكن العلمانية مع الطائفية من دون عقد. فليس من اعتراف علني  يمثل هذا التساكن. فو بات أقرب إلى نمط الحياة اللبنانية العادية. من دون أن يكون ثمة حاجة إلى تحويل نصاً مكتوباً بل على العكس وهنا المفارقة – فإن مجرد التفكير بنقله إلى مجال التداول يتحول الأمر إلى خطبٍ جلل. ولأن الطائفية بحكم أبوَّتها المزعومة للكيان السياسي، ولما تملك من مساحات المكر والسعة، فقد استطاعت أن تؤمن للعلمانيين من أبنائها، أمكنة للإقامة في منازلها. وفي المعايشة التاريخية اللبنانية ما يشير إلى حقيقة ميدانية تبدو فيه الطائفية أشبه بمستوعبٍ عجيب يحوي ألواناً وأفكاراً واعتقادات وأهواء لا حصر لها..


الأطروحة التاسعة- النزاع على التاريخ: عندما يصل اللبنانيون في مدارج حوارهم الوطني إلى الحديث عما يسمونه "التسوية التاريخية" سرعان ما تنعقد حَيْرَتُهم حول سؤال هو في غاية التعقيد: من أين يبدأ تاريخ لبنان.. وكيف يُكتب هذا التاريخ على النحو الذي يكون بالنسبة إليهم معياراً لإدراك ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم؟


لا يكاد النقاش حول هذا الإشكال يبلغ مآلاته المرجوة، حتى تعصفه ريح القطيعة، ثم ليتوقف عند حدود الجدل المستحيل. فلقد بدا تعطيل الكلام حول وجوبية الإتفاق على تاريخ موحَّد للبنانيين، أشبه بإجراء وقائي يجنِّبهم استحضار زمن مديد من المنازعات الأهلية.


هذا المحل من النقاش ليس جديداً ولا طارئاً على تقاليد الثقافة السياسية في لبنان. والكلام المستأنف بين نخب الطوائف على إعادة هندسة الهوية الوطنية الجامعة لا ينفك يصطدم باستحالة الجواب على السؤال المركّب الآنف الذكر.


واقع الحال الآن، هو أشبه بدوران في الفراغ. فلا شيء أمرّ على اللبنانيين من الكلام على تاريخهم. فإنه مبعث كل خلاف حصل بينهم في الماضي وقد يحصل في المستقبل. وهو الذي يعيدهم إلى الانحباس ضمن حلقات لا حصر لها من السجال حول الهوية والمواطنة والانتماء والولاء. فضلاً عن أنه مبعث خلاف مستعصٍ حول طبيعة الدولة وصورتها في وطن متعدد الطوائف والمذاهب.


وللنخب الطوائفية اللبنانية مرافعات عزّت نظائرها لجهة ما تسبغه على تواريخها من صفات ميتافيزيقية. سواء على صعيد كل طائفة بعينها، أو على مستوى لبنان ككيان طائفي فريد.


لكن النقاش في حقيقة تاريخية لبنان مستمر. وهو نقاشٌ غالباً ما ينطلق من مسلَّمات عامة: فلو كان لأية مجموعة من البشر، في أي مكان، أن تخلق لنفسها شعوراً بكونها جماعةً سياسية، وأن تحافظ على مثل هذا الشعور، فلا بد من أن يكون لها رؤية موحدة لماضيها. وغالباً ما يكون التاريخ المُتصوّر كافياً لهذا الغرض في المجتمعات التي يسودها تضامن طبيعي، ومنها القبائل أو العشائر التي تزعم لنفسها تحدّراً من أجداد أسطوريين وتكرم ذكرى أبطال خياليين(...) وهو ما يعزّز التلاحم بين العناصر التي تتكون منها القبيلة أو العشيرة الواحدة.


يقدم لبنان اليوم مثالاً ممتازاً للمجتمع السياسي المحكوم عليه بأن يعرف ويفهم الحقائق الصحيحة لتاريخه، إن هو أراد البقاء في الوجود. وليست مسألة كيفية حل التعقيدات الشائكة للنزاع الحالي في لبنان مسألة يقررها المؤرخون. لكن المؤكد هو أن أية تسوية سياسية في هذا البلد، لا يمكن أن يكتب لها الدوام، إن هي لم تأخذ مسائل التاريخ في اعتبارها. ومن قبل أن يأمل أهل لبنان في الوصول إلى درجة من التضامن الاجتماعي تمكنهم من الوقوف جنباً إلى جنب كجماعة سياسية منسجمة وقابلة للديمومة، عليهم أن يعرفوا بدقة لماذا هم لبنانيون، وكيف أصبحوا لبنانيين، وهم لم يكونوا في الأصل إلاَّ مجموعة من الطوائف المتفرّقة صودف تواجدها في بقعة واحدة من الأرض. وإذا لم يفعلوا ذلك -كما يبين المؤرخ كمال الصليبي - فإنهم سيستمرون في البقاء مجموعةً من العشائر البدائية المتنافرة أصلاً، تسمّي نفسها "عائلات روحية" من دون أن يكون لها بالضرورة أية علاقة بالروحانيات، وسيظلون جميعاً على حذر دائم، يطلقون مجسّاتهم إلى العالم الخارجي في كل الاتجاهات لسبر ما يمكن الحصول عليه هنا أو هناك من مساعدة ودعم، استعداداً لجولة أخرى من النزاع المكشوف .


الأطروحة العاشرة - الطائفية بوصفها حداثة: خلافاً للشائعة التي تُحيل الطائفية اللبنانية إلى ثقافات القرون الوسطى، ثمة من المؤرخين من ينسبها إلى الحداثة. القائلون بهذه "الإنتساب" يؤيدون رأيهم بالقول: إن الطائفية هي مولود تاريخي ظهر إثر الاحتدام اللدود بين "العثمنة" في طورها الأخير وامبرياليات الحداثة الأوروبية. جرى ذلك عملياً قبل اندلاع النزاع الأهلي الدموي عام 1860 بين المسيحيين والدروز. والرواية - حسب هؤلاء-  تبدأ قبل ذلك بسنوات كثيرة حين انفتح المجتمع المحلي اللبناني على خطابات الإصلاح العثمانية والأوروبية. ولعل المفارقة في هذه الخطابات أنها كانت ممتلئة بنبرة الحداثة لكنها هي نفسها  التي جعلت من الدين مسرح المواجهة الكولونيالية بين "غرب مسيحي" من جهة، و"إمبراطورية عثمانية مسلمة"، وجد فيها ذلك الغرب خصمه الدائم" من جهة ثانية. فلقد بدّلت تلك المواجهة على نحو عميق ما سبق أن اتخذه الدين من معنى في مجتمع جيل لبنان ذي المِلل المتعددة. ذلك أنها أكَّدت الهوية الطائفية معياراً حيوياً وحيداً للإصلاح السياسي، وأساساً موثقاً أوحد للمطالب السياسية. والقصة باختصار هي التالية: تعايش بين التقاليد وممارسات محلية – وقع فيها الدِّين في شراك علاقات اجتماعية وسياسية معقّدة- من جهة تحديث عثماني غدت له اليد العليا في إعادة صياغة التعريف السياسي الذي تُعرِّفُ به كل جماعة ذاتها بحسب ديانتها (...) ذلك يعني أن سرد حكاية الطائفية لا يكون ممكناً إلا بالاعتراف المتواصل والإشارة المستمرة إلى التاريخين المحلي والامبريالي (العالمي) اللذين تفاعلا –تصادماً وتعاوناً على السواء- لإنتاج مخيلة تاريخية جديدة .


وفقاً لهذه الرؤية لا تعود الطائفية مجرد فرضية. وإنما هي سيرورة واقعية لها زمنُها الذي استهلت به حكايتها. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الطائفية في لبنان بما هي مولود جيوبوليتيكي حديث، ظهر إلى الوجود بفعل تضافر مؤثرات إقليمية ودولية وجدت لها قابليات محلية في القرن التاسع عشر.



*مفكر وباحث في الفلسفة السياسية