العلمانية
جدل الطائفية والمواطنة في لبنان ..حبل الصُرَّة المتين (1)

د. محمود حيدر

الجمعة 14 تموز 2017

ننشر في ما يلي سلسلة حلقات تضيء على المكونات التأسيسية للبنان في فضاء العلاقة القلقة بين المنظومة الطوائفية للدولة والمجتع السياسي، واللبنانيين كمواطنين متحررين من أسوار طوائفهم. وعلى ظننا فإن طرح هذه القضية ضمن حلقات للتفكير تكتسي ضرورتها فيما يعبر لبنان والعالم العربي محنة الانقسام والاحتراب والتآكل.


أصل المواطنة الطائفية وفصلها (1)

 


لا يخلو الكلام على المواطنة في بلد متعدد الطوائف كلبنان من مخاطرة. موضوع كهذا أنَّى كان لون مقاربته، فإنه يستثير الإشكال واللَّبس، ويبتعث القولَ على القولِ، والحجةَ على الحجة. ثم إنّه يمضي ليفتح على أسئلة لا نهاية لها، وعلى إجابات لا تأتي بيقين. ولذا فالكلام على المواطنة والطائفية، أو على المواطن والطائفة، أو على دولة الطوائف في سلامها الأهلي وأزماتها.. كل ذلك سيأتي على نصاب الظن والتقريب، أو على محمل الترجيح والاجتهاد.


المواطنة والطائفية، مفردتان شائعتان شيوع قاموس الأزمات في الثقافة التاريخية اللبنانية. إنهما مفردتان تتعدَّيان اللفظ العارض، لتغدوا حقيقة واحدة مركبة، تؤرخ لما انصرم من تاريخ لبنان، مثلما تؤسس لحاضر ومستقبل وطن لا ينفك أبناؤه يختبرون أساسات نشوئه كل آن.


لا كلام إذاً على المواطنة في لبنان خارج حياض الطائفة. حتى لتكاد تبدو الصلة بينهما كصلة الاسم بالصفة، أو كعلاقة المفهوم بظهوره الفعلي ومجال استعماله. وحين وضعنا المواطنة في موازاة الطائفية، فليس لنجعل منهما ثنائية متغايرة، وإنما لنتعامل معهما كقضية واحدة. فعندنا منذ أن تشكَّل لبنان ككيان سياسي اجتماعي عبر ولاداته المتواترة (دولة لبنان الكبير 1920 وجمهورية الاستقلال 1943 وجمهورية الطائف 1989).. لا شيء ينمو ويتحرك خارج أسوار الطوائف. بالطوائف رُفِعت قواعدُ الكيان الناشئ، وعلى صورتها رُسِمَت خريطة الدولة، وتوضَّح شكل السلطة، واكتمل نظام الاجتماع السياسي. حتى لقد صارت دولة الطوائف هي نفسها الدولة الطائفية. ذلك أن الطوائف لا تلد نظاماً سياسياً دستورياً إلا على شاكلتها. تماماً كالإناء الذي ينضح بما فيه. فيكون الذي ظهر من ذاك الشيء، هو جوهر الشيء نفسه. فلا ظهور لأي تشكيل سياسي أو اجتماعي يقدر على الحركة، من دون أن يتصل بهذا القدر أو ذاك، بشريعة المنظومة الطائفية وقانونها العام.


حتى الظهورات اللاَّطائفية، من أحزاب علمانية، ونقابات جماهيرية، واتحادات، وجمعيات أهلية، وسائر ما استحق مجازاً صفة "المجتمع المدني"، لم تفلح طيلة تاريخ لبنان المعاصر في انجاز فضيلة الاستقلال، والتحول إلى مجتمع مدني حقيقي. فعلى الرغم من فروسية أصحاب تلك الظهورات في خطابهم النقدي، وفي جرأتهم على افتضاح المفاسد الطائفية، بقيت الكتلة المدنية اللاّطائفية تنشط تحت سقف النظام الطائفي، ومكثت دون القدرة على الدفع باتجاه الإصلاح السياسي الفعلي.


ليست المواطنة، بوصف كونها هوية اللبنانيين كأفراد يعيشون تحت رعاية وعناية الدولة الطائفية، سوى مادة هذه الدولة ونظامها. فالأمر هنا لا يتعلق بالإرادة والرغبة وحكم القيمة، بقدر ما يتصل بواقع التاريخ الإجتماعي، وبنمط الحياة التي افترضها روح الدستور وتشريعاته.


ثمة من ذهب إلى بدعة القول بالمتعالي الطائفي، وذلك لسبب يعود إلى مركزية الطوائف في تشكيل الهندسة الإجمالية للروح الوطنية. غير أن هذه المركزية سيكون لها أثرٌ حاسمٌ في إثبات موقعية المواطنة في الحياة اللبنانية. ولقد رأينا كيف فعلت الطائفية فعلتها لتحيل تلك الموقعية إلى فصل حميم من فصول حركتها. ثم ليظهر لنا كم لسلطان الطوائف من شأنية حاسمة في تشكيل حياة مواطنيه. وإذ نرى إلى مزايا المواطنة في لبنان سنلاحظ أن اللبناني يعيش مواطنة مثلثة الأبعاد:


- فهو في سياق الانتماء الطائفي، مواطن في طائفته، يدين بالولاء لقياداتها المدنية والدينية ولأجهزتها القضائية ولتقديماتها الخيرية والاجتماعية.


- وهو أيضاً يعيش مواطنة جغرافية مثقلة بالرموز والتاريخ البعيد والحديث.


- وهو أخيراً مواطن لبناني ينتمي قانونياً وحياتياً إلى الجمهورية اللبنانية، ومؤسساتها الدستورية والإدارية والقانونية .


غير أن المفارقة المذهلة في هذا المقام، هي أن الجمهورية اللبنانية في الوقت الذي تفرض قوانينها على مُواطِنِها في كل الحقول، فإنها لا تعترف به كمواطن إلا بصفة كونه منتمياً لطائفته أولاً، أو آتياً بشهادة من تلك الطائفة تصدِّق انتماءه إليها...


ولذا فمن البيِّن أن كل كلام على المواطن لا يستقيم إلا على خط موازٍ للطائفة التي ينتسب إليها، بالولادة أو بالولاء... ثمة صلة توليدية بين المواطن والطائفة. وبين المواطنة والطائفية. حتى ليَستوي القولُ على نفسٍ واحدة. بحيث يسري ذلك كقانون صارم على كل طائفة من الطوائف الثماني عشرة في لبنان.. والتي هي كناية عن عديد أبنائها المنضوين تحت لوائها السياسي الجغرافي. في حين أن هؤلاء الأبناء ليسوا سوى مواطنين مشوا تحت رايات طوائفهم، كممر إجباري للعبور إلى الوطن.


          تلك هي الصورة الأولية التي تنطوي عليها الرابطة المعقدة بين الدولة والمواطن والطائفة. لكن ما يفترضه فهم التكوين التاريخي لهذا البلد وأحوال المواطنة فيه، هو معاينة مسارات الطوائف، وأثر منظومتها السياسية والقانونية في ترسيخ البنيان الكلي للدولة الطائفية والمجتمع الطائفي في لبنان...




  - - ملحم شاوول – مفهوم المواطنة في التجربة الغربية والتجربة اللبنانية – مقالة مشاركة ضمن كتاب بعنوان: "إشكالية الدولة والمواطنة والتنمية في لبنان – تحرير جاك قبانجي – دار الفارابي – بيروت 2009 (ص 85).

* محمود حيدر - مفكر وباحث في الفلسفة السياسية