العلمانية
الإسلام السياسي والعلمانية في زمن الدول الطائفية

ناتالي أرنو

الثلاثاء 15 كانون لأول 2020

لا بد أن تحتل العلمانية دوراً على قدر هائل من الأهمية في زمن بلغ فيه الإسلام السياسي مرحلة تؤكد على الأرض مدى خطورة هذا الأمر وعواقبه على شعوب العالم أجمع، ولكي نضمن أن بكون دور العلمانية فعالاً بالقدر المرجو، لا بد لنا أن نعرّف العلمانية بحق، بعيداً عن أي مفهوم مغلوط لها. فالعلمانية لا تلغي الأديان بل إنها تدعو إلى "فصل الدين عن الدولة" أولاً، ثم إنها "تمنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين"، وتزيل الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب".
 
هكذا عرّف الرجل الكبير أنطون سعادة العلمانية، وبهذا التعريف إنما هو يؤكد اعترافه بمختلف الأديان لكنه يرفض تسييسها.
 
كتب أنطون سعادة يوماً عن مفاضلته للإيمان الديني بشكله الروحاني للفرد، على الإيمان بشكله الاستثماري السياسي. كان ذاك في الأربعينات من القرن الماضي. أي أنه دق ناموس الخطر المقبع منذ أكثر من ثمانين عاماً. هذه الرؤية أصبحت اليوم واقعاً لا بد من الوقوف عنده ملياً، ثم حمله وزرعه في أنحاء المعمورة.
 
العلمانية لا تلغي الدين. أن يعتنق الفرد ديناً وأن يمارس طقوسه لا يتناقض مع العلمانية. إنما لا يجوز للمرء أن يتبنى مبدأً سياسياً ثم يبنيه على عقيدة دينية، فهذا كفيل بتدمير شامل للعقائد وللمفاهيم وللأخلاقيات وللتقاليد وللأعراف وللأسس وللممارسات على مستوى الفرد كما على مستوى الدول.
 
أن يكون هنالك "دولة عبرية" أمر مرفوض! بل إنه أمر يعود بالبشرية إلى عصور بالية!
 
وأن يكون هنالك "دولة إسلامية" أمر مرفوض أيضاً. وهو أمر على قدر كبير جداً من الخطورة اليوم، فالدول المبنية على أسس الدين لا تعرف حدود الدول ولا حدود القوميات. بل إنها تلغي القوميات!
 
إن ما يجري اليوم على الساحة الدولية، وليس فقط في بلدان الشرق الأوسط، لهو أكبر دليل على أهمية احتلال العلمانية لدورها الحق في كافة المجتمعات.
لا شك أن مراقبتنا للمرحلة الحالية عن قرب، وخاصة في ما يتعلق بسياسة دول كبرى وغيرها هامة جداً، تقودنا إلى الخروج بنتيجة لم تعد تقبل الشك. هذه المراقبة الثاقبة للانتخابات التي جرت وتجري في أرجاء العالم إنما تبرهن على ردة فعل قومية لم نشاهد مثلها منذ عصور.
 
أثبت اليمين، وبخاصة اليمين المتطرف، الفائز بالعديد من هذه الانتخابات أنه سيمسك بزمام الأمور بمواجهة الإسلام السياسي. لا يمكننا أن نتجاهل هذا الأمر، كما لا يمكننا أن ننفيه فقد أصبح واقعاً. هذه الردّة إلى القومية ليست ناتجة عن مجرّد ظروف اقتصادية. فالوضع الاقتصادي في أوروبا مثلاً، والذي يعتقد الكثير من الأوروبيين أنه ناتج عن القصور في الفرص بسبب دمج نسبي للدول داخل الاتحاد الأوروبي، هذا الوضع الاقتصادي سائد منذ قيام الاتحاد الأوروبي. إنما لم تأخذ ردة الفعل القومية مداها سوى مؤخراً. إذن فهي، أي ردة الفعل، ناتجة عن عوامل إضافية.
 
العلمانية بممارستها اليومية تعني أن يذهب المرء إلى عمله أو إلى تأدية واجبه، غاضاً النظر تماماً عن انتمائه الديني وعن انتماء أفراد مجتمعه إلى أي دين كان.
 
لا تخافوا على أديانكم من العلمانية! بل خافوا عليها من الحركات السياسية التي تشوهها وبالتالي تقود بكم إلى مخاطر بالرغم عنكم.
 
 
 
 
الكاتبة: ناتالي أرنو