العلمانية
صراع بين المواطنة والطائفية

شربل الأشقر

الأربعاء 5 تموز 2017

لبنان دولة بالإسم ديموقراطية تعيش صراعاً بين فكرتين، الأولى هي المواطنة والثانية هي الطائفية.


المواطنة في لبنان تطغو عليها دائماً الصبغة الطائفية. فالشخص يكون مواطنا من خلال انتمائه إلى الدولة اللبنانية وتطبيق الواجبات ونيله حقوقه المدنية. لكن هذا الشخص ذاته يكون مرتبطا بطائفة أو مذهب من خلال محاكمها ومراكزها الدينية ومؤسساتها الخاصة وعقائدها الغير دنيوية.


وهذا الانتماء يكون متجذراً فيه ويعتبره من المقدسات. فمنذ نشأة وولادة لبنان (دولة لبنان الكبير 1920 والاستقلال سنة 1943 والطائف 1989) والطائفية ملازمة له على جميع الأصعدة (سياسة... أمن... اجتماع.. اقتصاد.....)، فالواقع أنه لا يمكن لأي حزب أو جمعية أن تنمو وتنجح دون أن يكون لها دعم من أحد المذاهب (دعم مالي، إعلامي، معنوي، رعوي وخاصة غطاء طائفي...). كما أنّ أغلبية الأحزاب هي أحزاب طائفية لا بل مذهبية. فلبنان محكوم بالطائفية من خلال توزيع جميع وظائف الدولة طائفياً، والتشريعات والصلاحيات التي يكفلها الدستور وتم تكريسها بدستور الجمهورية الثانية (ظاهره قانوني مدني لكن باطنه طائفي لا بل مذهبي).


إذاً لبنان واللبنانيون هم شعب طائفي مغلف بالمواطنة والديموقراطية. ويرى البعض بأن هذا الأمر كان أحد أهم أسباب إندلاع الحرب الأهلية الأممية وتقسيم المجتمع اللبناني إلى مجتمعات طائفية منعزلة تابعة لكيانات أجنبية متعادية يجتمع نظرياً ضمن تحت إطار دولة واحدة اسمها لبنان.


يقول مرجع سياسي أن هذا الانقسام الطائفي جعل من لبنان حلبة صراع طائفية على خلفية دولية، عقائدية وخاصة جيوسياسية وجيوستراتيجية. (الصراع العربي الصهيوني والحرب الباردة التي عادت إلى الظهور)، كون المجتمع اللبناني مبنياً على الطوائف، فان أي مبادرة لإلغاء الطائفية أو حتى لتحجيمها ستواجه غرائزياً من جهة، وبالإمكانات والصلاحيات من جهة أخرى.


ويتابع المرجع السياسي: جاء الميثاق الوطني عام 1943 ليكرس الطائفية السياسية عبر توزيع الحقائب بالتراضي بين الطوائف الـ 18. وإذا أرادت طائفة الانقلاب على الميثاق لن تستطيع فعل ذلك بسبب المعادلة بين الدولة وأجهزتها وبين باقي الطوائف. لكن بعد حربي الـ88 / 90 أُجبر النواب اللبنانيون على إنجاز اتفاق الطائف الذي نزع أكثرية صلاحيات الموارنة وأناطها بمجلس الوزراء. فإنتقلنا إلى السنية السياسية، ويضيف المرجع أضف على ذلك أن الشعب اللبناني متعصب دينيا وهذا التعصب ناتج عن عدة أسباب أهمها:


ـ فقدان ثقة الشعب اللبناني بدولتهِ.
ـ تربية الأهل لأولادهم على أن الدين أهم من الدولة.
ـ انتشار المدارس والجامعات الطائفية منذ وقبل إنشاء لبنان الكيان.
ـ تأجيج الزعماء الطائفيين للطائفية لدى الشعب اللبناني كي يحافظوا على مراكزهم.
ـ الشعب العربي والمواطن اللبناني عاطفي جداً و هذا ما يدفعه إلى اختيارالدين
(وهذا مثبّت علمياً)، كأساس أي شيء في الدنيا.
ـ قلّة وجود جمعيات مدنية تعتني بشؤون المعوزين.
ـ الجهل العلمي لدى شريحة كبيرة من الشعب.
ـ إن لم تكن مؤمناً ومتعصباً دينيا فستكون منبوذاً من مجتمع محافظ جداً.
ـ نفوذ رجال الدين في السياسة والخدمات مما يجعلك ملحق دينيا لا شعوريا بسبب فشل الدولة.
ـ عدم وجود منطق المواطنة لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين (Education civique).
ـ عدم تكريس وقت ومواد كافية لتعليم الأولاد حب الوطن.
ـ حب مرور المواطن عبر المسؤول الطائفي للحصول على خدمة إجتماعية أو قضائية...
ــ لبنان وطن حديث المنشأ حيث كان جبل لبنان فأصبح في العام 1920 لبنان الكبير.
ـ لا يوجد في أي بلد في العالم 18 طائفة كما هو الحال في لبنان.
ـ موقع لبنان الجيوستراتيجي جعله ساحة للصراع الصهيوني العربي (ليس فقط العسكري بل أيضاً الإيديولوجي والديني...)، كما الصراع الدولي والإقليمي.
ـ موقع لبنان الجيوسياسي والحرية النسبية التي يتمتع بها إعلاميا وحزبياً.
ـ وجود العائلات الإقطاعية منذ مئات السنين والتلازم بين الإقطاع والدين.
ـ الجهل والعاطفة التي تميز الشعوب العربية عامة ومنها الشعب اللبناني.
ـ المؤامرة الصهيونية لتوطين الفلسطينيين وتقسيم لبنان إلى دويلات طائفية. (ألم يقل وزير خارجية أميركا الأسبق الصهيوني هنري كيسنجر للرئيس الراحل سليمان فرنجيه: «لبنان هو خطأ جغرافي وتاريخي... وأنتم لستم أمة».

 

وذكر المرجع بما قاله القديس البابا الراحل يوحنا بولس الثاني أن لبنان بلد رسالة فتبين أن شعب لبنان أصبح شعبا ملحق سياسياً وطائفياً بمن يظن أنه وجد لديه مصلحته ورسالته. فبين سوريا والسعودية وإيران والفاتيكان وفرنسا وأميركا وروسيا أصبح للبناني خياراً كبيراً في التبعية...


ويضيف المرجع أن أكثرية السياسيين اللبنانيين يرون أنفسهم بثقافة تلك البلد أو ذاك. البعض يتبع الطائفة أو حتى الدين والمال أو العقيدة. البعض الآخر يريد الغطاء أو الدعم السياسي والدبلوماسي والبعض يريد كل شيء. لكن شيئا واحدا يجمع أكثرية اللبنانيين عليه و هو أنه منذ الحرب الأهلية ومنذ اتفاق الطائف لبنان دولة فاشلة على كافة الأصعدة باستثناء الأغاني والأناشيد الوطنية، ولكي نكون منصفين يضيف المرجع يمكننا القول أن المواطن اللبناني ناجح جداً على الصعيد الفردي إذ نرى لبنانيين مغتربين في أرفع المراكز الدولية كما أن المقاول اللبناني غالباً ما ينجح في مشروعه الشخصي. لكن للأسف على الصعيد الجماعي لم يستطع اللبنانيون بناء وطن ذات ركائز وأسس تجعله أُّمّة.


وعن كيفية التخلص من هذا الوضع يشير المرجع الى إقرار قانون انتخابات حديث يراعي الميثاقية والمناصفة ومن ثم بدء ورشة بناء الدولة المدنية، دولة علمانية مدنية تنطلق من رحم الأم الحامل بطفلها، وإلغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص، وتفعيل دور المجتمع المدني عبر السماح له بالدخول إلى المجلس النيابي بأعداد وفيرة عبر الاتفاق على القانون النسبي بـ 15 دائرة، وتفعيل اللامركزية الإدارية والمالية، ومكننة إدارة الدولة وإنشاء مجلس شيوخ وإلغاء الطائفية في مجلس النواب، وبناء دولة قوية أمنياً وإقتصادياً وإجتماعياً ومالياً على غرار دبي محايدة تُعيد ثقة المواطن اللبناني والأجنبي والعربي بها وأيضاً وتصبح دولة المواطنة وليس موطن الزعيم الطائفي، وتقليص دور رجال الدين عبر تفعيل القوانين المدنية، كالزواج المدني مثلاً.


تفعيل الوزارات والمؤسسات الخدماتية كي يصل للمواطن حقوقه دون الانصياع لزعيم سياسي أو رجل دين.


المصدر: الديار