العلمانية
تأزم العلمانية والديمقراطية والليبرالية في العالم العربي

ماجد كيالي

الجمعة 23 حزيران 2017

يكتسب هذا الموضوع أهميته من التعثر الحاصل في التجربة الديمقراطية في بعض البلدان العربية، بعد ثورات "الربيع العربي"، حيث باتت التيارات الدينية والعلمانية والليبرالية في حالة صراع فيما بينها، إلى درجة باتت تهدد معها وحدة المجتمعات العربية واستقرار نظمها السياسية.

الجدير ذكره أن هذه الصراعات أو التوترات ليست جديدة إذ أن الثقافة السياسية العربية ظلت تكابد، منذ مطلع القرن العشرين، في سبيل توطين مضامين التحولات الفكرية والسياسية الكبرى، التي كانت ظهرت في المجتمع الغربي، وبالخصوص منها نزعات العلمانية والليبرالية والديمقراطية والشيوعية والقومية، والتي كانت أسست لحداثته ونهضته، وأيضا لمجادلاته وانقساماته.

وكما هو معلوم فقد تمت محاربة كل هذه التيارات بدعوى أنها مستوردة من الغرب وباعتبارها دخيلة على الواقع والثقافة العربيين، في وضع عربي كل شيء فيه مستورد، من الملابس، إلى تنظيم الجيوش والطرق والمدن والبنوك، ومن أنظمة التعليم والصحة والريّ والقضاء والاقتصاد والحكم، إلى العادات الاستهلاكية والترفيهية والصحية، وصولا إلى الثلاجة والغسالة والتلفاز والساعة والحاسوب والهاتف والموبايل.

على أية حال فإن مدركات الثقافة العربية السائدة للأفكار المذكورة جاءت جد متفاوتة، إذ تم تمثل فكرة القومية، مثلا، أكثر من غيرها (مع أنها فكرة غربية)، بسبب وجود خلفيات تاريخية وثقافية لها، وبواقع استنادها لزعامة كبيرة بحجم الرئيس جمال عبد الناصر.

يكتسب هذا الموضوع أهميته من التعثر الحاصل في التجربة الديمقراطية في بعض البلدان العربية، بعد ثورات "الربيع العربي"، حيث باتت التيارات الدينية والعلمانية والليبرالية في حالة صراع فيما بينها، إلى درجة باتت تهدد معها وحدة المجتمعات العربية واستقرار نظمها السياسية.

الجدير ذكره أن هذه الصراعات أو التوترات ليست جديدة إذ أن الثقافة السياسية العربية ظلت تكابد، منذ مطلع القرن العشرين، في سبيل توطين مضامين التحولات الفكرية والسياسية الكبرى، التي كانت ظهرت في المجتمع الغربي، وبالخصوص منها نزعات العلمانية والليبرالية والديمقراطية والشيوعية والقومية، والتي كانت أسست لحداثته ونهضته، وأيضا لمجادلاته وانقساماته.

وكما هو معلوم فقد تمت محاربة كل هذه التيارات بدعوى أنها مستوردة من الغرب وباعتبارها دخيلة على الواقع والثقافة العربيين، في وضع عربي كل شيء فيه مستورد، من الملابس، إلى تنظيم الجيوش والطرق والمدن والبنوك، ومن أنظمة التعليم والصحة والريّ والقضاء والاقتصاد والحكم، إلى العادات الاستهلاكية والترفيهية والصحية، وصولا إلى الثلاجة والغسالة والتلفاز والساعة والحاسوب والهاتف والموبايل.

على أية حال فإن مدركات الثقافة العربية السائدة للأفكار المذكورة جاءت جد متفاوتة، إذ تم تمثل فكرة القومية، مثلا، أكثر من غيرها (مع أنها فكرة غربية)، بسبب وجود خلفيات تاريخية وثقافية لها، وبواقع استنادها لزعامة كبيرة بحجم الرئيس جمال عبد الناصر.

ولنا أن نتخيل مآلات هذه الفكرة لولا هذه الشخصية، بدليل عدم نشوء أحزاب قومية في العالم العربي، ولا سيما في مغربه، إذا استثنينا حزب البعث (الذي نشأ في سوريا والعراق أساسا)، وحركة "القوميين العرب" التي انتهت في فترة مبكرة.

وبالنسبة لفكرة الشيوعية فقد لاقت نجاحا محدودا، في مراحل معينة، على خلفيات سياسية فقط، وليس لاعتبارات أيديولوجية أو ثقافية، أي بحكم قوة الاتحاد السوفياتي، وشبكة العلاقات التي كانت ربطته بالأنظمة (كما بالأحزاب الشيوعية) في البلدان العربية، وبواقع المناخ الجماهيري المعادي للإمبريالية الأميركية المتحالفة مع إسرائيل، وربما بحكم توق الناس في هذه البلدان للعدالة الاجتماعية المتضمنة في فكرة الاشتراكية.

أما فكرة الديمقراطية فقد لاقت قبولا أكبر، بالقياس لغيرها، في الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية، باعتبارها تغذي الحاجة، عند أطراف وتيارات متضاربة، للتغيير السياسي، وتمهد لوضع حد لنظام الحكم المطلق، وللتخلص من ويلات الفساد والاستبداد، في آن.

وكان أن بات ثمة نوع من إجماع على الديمقراطية لدى مختلف التيارات الفكرية والسياسية العربية (يسارية وإسلامية وقومية ووطنية وليبرالية وعلمانية)، باستثناء الأنظمة المتسيدة التي ناهضتها العداء، مع الأخذ في الاعتبار أن كل تيار اشتهى الديمقراطية كوسيلة، وبالمعنى المحدود لها.

مقابل ذلك فإن فكرتي العلمانية والليبرالية ظلتا في مكانة محاصرة، أو هامشية، أو في مكانة استبعادية وعدائية في الثقافة السياسية السائدة.

الأولى (أي العلمانية) بسبب عداء التيارات الدينية لها على طول الخط، إلى درجة "التكفير"! وأيضا بسبب عدم هضمها من قبل التيارات الأخرى (القومية والوطنية والليبرالية)، التي أبدت أيضا نوعا من الانتهازية في تعاطيها مع فكرة العلمانية (وهذا ينطبق على النظم السياسية السائدة)، وذلك بدعوى مراعاة الميول الدينية في المجتمعات العربية، وبهدف توظيف المشاعر الدينية في الأغراض السياسية.

أما الثانية (أي الليبرالية) فقد نبع العداء لها من عدم تبني معظم التيارات السائدة قضايا الحرية والتحرر، أي حرية الرأي والفكر والمرأة والأفراد والجماعات، ومن ضعف الثقافة الحقوقية، وأيضا بسبب ارتكازها إلى فكرة الفرد المواطن، والمساواة أمام القانون، وفصل السلطات، والدولة الدستورية، في واقع يؤبد السيطرة الأحادية والشمولية (الأب في الأسرة وزعيم العشيرة في عشيرته، ورجل الدين في مسائل الدين، وزعيم الحزب في حزبه، ورئيس الدولة في دولته).

وعلى الرغم من كل ذلك فإن الدعوة إلى العلمانية لم تلق ما كابدته الليبرالية من إشكاليات أو ادعاءات، مع أنها في حقيقتها دعوة للحرية والتحرر، للأفراد والمجتمعات، إزاء مختلف أنواع الهيمنة الفكرية أو السياسية، المجتمعية أو الدولتية. هكذا وصمت الليبرالية بشبهة التبعية السياسية (وليس فقط الفكرية) للغرب (المتحالف مع إسرائيل)، أي أنها وصلت إلى درجة "التخوين"، مع أن قوامها التحرر من أية تبعية، ربما لارتباط هذه الفكرة بالفئات المدينية التي صعدت في بلادنا في مرحلة الاستعمار، وأسست للاستقلال، في بلاد عانت من الاستعمار.

ومشكلة الليبرالية عندنا، أيضا، أنها ارتبطت بالليبرالية الاقتصادية، أكثر من ارتباطها بالدولة الدستورية وبالحريات السياسية وبحقوق المواطنين، ما وضعها على الضد من العدالة الاجتماعية، في مجتمعات ترزح تحت نير الفقر والحرمان.

المفارقة اللافتة أن الفكرة الليبرالية راجت في البلدان العربية في المجال الاقتصادي، وفي مجال علاقة البلدان العربية مع الدول الغربية، أي فقط في المجالات التي نبذت من أجلها، في حين أنها ما زالت محاصرة، وموضع شبهة في المجالين السياسي والثقافي، حيث الحاجة لها ملحة.

في المحصلة فقد نشأت كل تلك التيارات مأزومة، إذ لم تتشكّل بوصفها تيارات واعية لذاتها، لا من جهة تمثيلها لكتل مجتمعية معيّنة، ولا من جهة تعبيراتها أو دلالاتها السياسية أو الثقافية.
ثمة عدد من الأسباب التي تفسّر ذلك، أهمّها أن هذه التيارات لم تنشأ في البيئات المحليّة لهذه البلدان، أي في جامعاتها وأحزابها ومنتدياتها وصحفها ودور النشر والثقافة فيها، وإنما بفضل الاحتكاك أو الاصطدام مع الغرب، لا سيما في التجربة الاستعمارية.

ولنا أن نتخيل مآلات هذه الفكرة لولا هذه الشخصية، بدليل عدم نشوء أحزاب قومية في العالم العربي، ولا سيما في مغربه، إذا استثنينا حزب البعث (الذي نشأ في سوريا والعراق أساسا)، وحركة "القوميين العرب" التي انتهت في فترة مبكرة.

وبالنسبة لفكرة الشيوعية فقد لاقت نجاحا محدودا، في مراحل معينة، على خلفيات سياسية فقط، وليس لاعتبارات أيديولوجية أو ثقافية، أي بحكم قوة الاتحاد السوفياتي، وشبكة العلاقات التي كانت ربطته بالأنظمة (كما بالأحزاب الشيوعية) في البلدان العربية، وبواقع المناخ الجماهيري المعادي للإمبريالية الأميركية المتحالفة مع إسرائيل، وربما بحكم توق الناس في هذه البلدان للعدالة الاجتماعية المتضمنة في فكرة الاشتراكية.

أما فكرة الديمقراطية فقد لاقت قبولا أكبر، بالقياس لغيرها، في الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية، باعتبارها تغذي الحاجة، عند أطراف وتيارات متضاربة، للتغيير السياسي، وتمهد لوضع حد لنظام الحكم المطلق، وللتخلص من ويلات الفساد والاستبداد، في آن.

وكان أن بات ثمة نوع من إجماع على الديمقراطية لدى مختلف التيارات الفكرية والسياسية العربية (يسارية وإسلامية وقومية ووطنية وليبرالية وعلمانية)، باستثناء الأنظمة المتسيدة التي ناهضتها العداء، مع الأخذ في الاعتبار أن كل تيار اشتهى الديمقراطية كوسيلة، وبالمعنى المحدود لها.

مقابل ذلك فإن فكرتي العلمانية والليبرالية ظلتا في مكانة محاصرة، أو هامشية، أو في مكانة استبعادية وعدائية في الثقافة السياسية السائدة.

الأولى (أي العلمانية) بسبب عداء التيارات الدينية لها على طول الخط، إلى درجة "التكفير"! وأيضا بسبب عدم هضمها من قبل التيارات الأخرى (القومية والوطنية والليبرالية)، التي أبدت أيضا نوعا من الانتهازية في تعاطيها مع فكرة العلمانية (وهذا ينطبق على النظم السياسية السائدة)، وذلك بدعوى مراعاة الميول الدينية في المجتمعات العربية، وبهدف توظيف المشاعر الدينية في الأغراض السياسية.

أما الثانية (أي الليبرالية) فقد نبع العداء لها من عدم تبني معظم التيارات السائدة قضايا الحرية والتحرر، أي حرية الرأي والفكر والمرأة والأفراد والجماعات، ومن ضعف الثقافة الحقوقية، وأيضا بسبب ارتكازها إلى فكرة الفرد المواطن، والمساواة أمام القانون، وفصل السلطات، والدولة الدستورية، في واقع يؤبد السيطرة الأحادية والشمولية (الأب في الأسرة وزعيم العشيرة في عشيرته، ورجل الدين في مسائل الدين، وزعيم الحزب في حزبه، ورئيس الدولة في دولته).

وعلى الرغم من كل ذلك فإن الدعوة إلى العلمانية لم تلق ما كابدته الليبرالية من إشكاليات أو ادعاءات، مع أنها في حقيقتها دعوة للحرية والتحرر، للأفراد والمجتمعات، إزاء مختلف أنواع الهيمنة الفكرية أو السياسية، المجتمعية أو الدولتية. هكذا وصمت الليبرالية بشبهة التبعية السياسية (وليس فقط الفكرية) للغرب (المتحالف مع إسرائيل)، أي أنها وصلت إلى درجة "التخوين"، مع أن قوامها التحرر من أية تبعية، ربما لارتباط هذه الفكرة بالفئات المدينية التي صعدت في بلادنا في مرحلة الاستعمار، وأسست للاستقلال، في بلاد عانت من الاستعمار.

ومشكلة الليبرالية عندنا، أيضا، أنها ارتبطت بالليبرالية الاقتصادية، أكثر من ارتباطها بالدولة الدستورية وبالحريات السياسية وبحقوق المواطنين، ما وضعها على الضد من العدالة الاجتماعية، في مجتمعات ترزح تحت نير الفقر والحرمان.

المفارقة اللافتة أن الفكرة الليبرالية راجت في البلدان العربية في المجال الاقتصادي، وفي مجال علاقة البلدان العربية مع الدول الغربية، أي فقط في المجالات التي نبذت من أجلها، في حين أنها ما زالت محاصرة، وموضع شبهة في المجالين السياسي والثقافي، حيث الحاجة لها ملحة.

في المحصلة فقد نشأت كل تلك التيارات مأزومة، إذ لم تتشكّل بوصفها تيارات واعية لذاتها، لا من جهة تمثيلها لكتل مجتمعية معيّنة، ولا من جهة تعبيراتها أو دلالاتها السياسية أو الثقافية.
ثمة عدد من الأسباب التي تفسّر ذلك، أهمّها أن هذه التيارات لم تنشأ في البيئات المحليّة لهذه البلدان، أي في جامعاتها وأحزابها ومنتدياتها وصحفها ودور النشر والثقافة فيها، وإنما بفضل الاحتكاك أو الاصطدام مع الغرب، لا سيما في التجربة الاستعمارية.



المصدر: الجزيرة