العلمانية
الحرب ضدّ داعش والفوقيّة البيضاء: هل نختلف عن بعضنا البعض في الحقيقة؟

بنجامين لوتو

الأربعاء 26 حزيران 2019

لماذا يقارن بعض المفكّرين المستشرقين بين الغرب والعالم العربي من وجهة نظر صداميّة؟ ربما هناك عدّة أسبابٍ أوّلها: تاريخ السياسات الخارجيّة لأمريكا في العالم العربي.

فمنذ انهيار الإمبراطوريّة البريطانيّة بعد الحرب العالميّة الثانيّة، دبّرت الولايات المتحدة انقلابات عبر الشرق الأوسط (إسقاط محمد مصدق في إيران، 1953)، وتدّخلت بالغزو أو بالعمل الاستخباراتي في بلادٍ عربيّةٍ عديدة (ليبيا، لبنان، العراق، سوريا، إلخ)، وباعت أسلحةً كثيرة (أساساً للخليج)، وأدمنت النفط في المنطقة.

وثانيها، أن ظهور هجماتٍ إرهابيّةٍ إسلاميّةٍ متطرّفة وجماعاتٍ إرهابيّة أصبح ظاهرةً مُقلقة منذ سنين طويلة، خصوصاً بعد حوادث 11سبتمبر 2001، في مدينة نيويورك مؤخّراً. أشعل ظهور تنظيم داعش، الجماعة الإسلاميّة المتطرّفة في عام 2014، الحوارَ حول التطرّف الإسلامي والشرق الأوسط بشكلٍ عام في بلادي (للأفضل أو للأسوأ)، وكأن نظرية صمويل هنتغتون المشهورة، التي تزعم أن الإسلام له "حدود دموية" (مشيراً إلى أن البلاد المسلمة دائماً تحارب الحضارات المجاورة) وله نزوع إلى العنف مع الغرب، فعلاً صحيحة. وفي حقيقة الأمر، يؤمن 74% من الأمريكيين بأن داعش يمثّل أكبر تهديدٍ لأمريكا في العالم، بحسب استطلاع من مركز بيو للبحث في عام 2017. بالتأكيد سرق داعش انتباه أمريكا كما سرق وسلب الأرض في العراق وسوريا.


شيطنة الإسلام

ولكن هل يمكننا أن نلوم الأمريكان على خوفهم؟ داعش تنظيم مروّع للغاية ويطرح تهديداً أمنياً خطيراً للإنسانيّة.

ذبح داعش الآلاف عبر العالم، وارتكب الإبادة الجماعيّة والثقافيّة في الأراضي التي احتلّها، وألحق أضراراً ضخمةً بالبُنية التحتيّة في بلدين على الأقلّ، ومن ثمّ فإنه من المنطقي أن يقلق الشعب الأمريكي بسبب هذا الانحراف الفكري من قبل مسلمين، وقد يكون من المفيد هنا تذكّر أجواء ما بعد أحداث سبتمبر، حين كانت النظرة السلبيّة تجاه العرب والمسلمين التي يغذّيها الخوف وعدم المعرفة، هي الطاغية في الرأي العام الأمريكي. يرى مركز بيو للبحث في استطلاع آخر أن 48% من الأمريكيّين العاديّين يشعرون بالإيجابيّة تجاه المسلمين وأيضاً 35% من الأمريكيّين يشعرون بأن الإسلام يشجّع التطرّف ضمن أنصاره. ولكن هذا الشعور بأن الإسلام يشجّع الإرهاب هو نتيجة فهمٍ غير صحيح، وتناولٍ منقوصٍ للحقائق من المستشرقين.

ففي أوج سطوة داعش، اشترك بين 25,000 و30,000 مسلّحٍ مسلمٍ في قوّات التنظيم المتطرّف، بالمقارنة مع 1.8 مليار مسلم أركان العالم، وليس فقط في الشرق الأوسط. هكذا، بالرغم من طبيعة داعش المخيفة يشكّل الإرهابيّون الإسلاميّون من داعش تحديداً 0.0000167% من كلِّ المسلمين--قلّة ضئيلة- ومعظم البقية تدين داعش بالطبع.

يمكننا اعتبار عملية شيطنة الإسلام تعميماً، واختزالاً، وتبسيطاً لأن أفعال الأقليّة، مثل داعش، بدأت تبدو عالية الصوت كأنها مُمثّلة للأكثرية، وبالتالي فإن أفعال أغلبيّة المسلمين تبدو خفيضة الصوت. ولكن للأسف فالأمريكي لا يعقل الأمر بطريقةٍ أخرى. مع أن هذا الحال تحسّن بصورةٍ تدريجيّةٍ منذ 2014 بحسب المركز، فإنه من الواضح أن كتلةً كبيرةً من الأمريكيين لم تفقد الثقة بالمسلمين فحسب، بل يربطون المسلمين بالتطرّف كذلك. ولكن واقعيّاً، تقع طريقة التفكير هذه في مشاكلها المنطقيّة. تنقل إحصائيّات أخرى من بيو أن هناك أغلبيةً كبيرةً من بلادٍ مسلمة (تشمل لبنان، الأردن، فلسطين، وتركيا) تمتلك "وجهاتِ نظرٍ سلبيّة" حول داعش، مشيرةً إلى أنهم لا يدعمون داعش وبالعكس يعارضونه حتماً.

ويعزّز المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة هذه النتائج من بيو في بحثٍ آخر، وبالذات يقول إن 85% من الرأي العام العربي ضدّ تنظيم داعش. من البديهي أننا كأمريكيين لا نتفهّم الحال كلّه، وأن المسلمين ليسوا ببساطة متطرّفين، وهم مثلنا يريدون انتهاء التطرّف والإرهاب بشكلٍ عام. إذاً بالرغم من هذه التناقضات، لماذا يفكّر الأمريكيّون أن المسلمين هم المشكلة وليس التطرّف نفسه؟ وأيضاً، لماذا لا يركّزون بنفس القدر على شيطنة أعمال العنف ضدّ الروهينغا في ميانمار، أو الإرهاب المتصل بالمخدّرات في أمريكا اللاتينيّة؟ من الواضح القول إن الزيادة في الأعمال الإرهابيّة وانتشار أفكار داعش كذلك، يتحمّلان المسؤولية عن هذا الشعور، ولكن هناك شيئاً آخر يلعب دوراً أهمّ في أمريكا: ظاهرة "الفوقيّة البيضاء" ودعايتها وانتشارها خلال رئاسة ترامب.


هل أصبحت أمريكا  بيئةً سلبيةً للمسلمين؟

هذا يفتح ملفاً آخر: هل غيّرت رئاسة ترامب النسيج الاجتماعي الأمريكي ليصبح بيئةً سلبيةً للمسلمين؟ مع أن إدارة ترامب بكلِّ تأكيد لم تخلق العنصريّة أو كراهية الإسلام في بادئ الأمر، فإن من البديهي أن ترامب سمح بزيادة "الإسلاموفوبيا" من خلال سياساته. مثلاً فرض ترامب حظر السفر على المسلمين، ولم يندّد بصورةٍ فوريّةٍ أو قويّة بالمذبحة في كرايستشيرش. في الحقيقة، أوّلاً قابل ترامب الجريدة المحافظة المتشدّدة "بريتبارت" قبل يوم المذبحة وأشعل الجدل بالقول "أنا لي ناس أشدّاء ولكنهم لا يلعبون دوراً شديداً... حتى يصلون إلى مرحلةٍ ما - ثم قد يكون سيئاً، سيئاً جدّاً." ثم، بالرغم من القول إن ترامب حرّض على العنف بواسطة كلامه، غرّد برابطٍ للجريدة بريتبارت قبل عملية القتل حول مقابلته مع بريتبارت، ثمّ حذف التغريدة، ثمّ أدان المذبحة. فضلاً على ذلك، اعتبر السفّاحُ القاتل ترامب في بيانه الرسمي "رمز الهوية البيضاء المتجدّدة والهدف المشترك."



المصدر: رصيف22