الكثير منا في العالم العربي يتحدث عن السياسيين الفاسدين، الحكام الذين ينفذون سياسات الغرب، تًجار المال المتحالفين مع تُجار السياسة، والمشاريع التي تعود بالنفع على حفنة قليلة من المستفيدين وتُحوّل مبالغ ضخمة من المال العام إلى حساباتها الخاصة بدل صرفه على تلبية احتياجات الشعب، وسياسيون يتخذون قرارات لا تخدم مصلحة الدولة بل يستفيد منها العدو الصهيوني والغرب.
هل وقفنا وتأملنا كيف وصل هؤلاء إلى المراكز التي هم فيها، ولماذا يبقون فيها إلى ما شاء الله، وغالباً الموت وحده ينتزعهم منها؟
المعادلة بسيطة، بدأها بجدارة المُستعمر البريطاني منذ القرن الثامن عشر (آل سعود أفضل مثال)، واستلم الأمانة منه الإستعمار الأمريكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية: العمل على إيصال الوصوليين من السياسيين وربطهم بنمط ثابت من الصفقات والعمولات التي تدر عليهم شخصياً مداخيل خيالية عدا عن المناصب والنفوذ، وهؤلاء يصبحون مرتهنين لتنفيذ السياسات المصلحية للإستعمار بغض النظر عن المصلحة الوطنية أو القومية.
تكتسب مكافحة الفساد أهمية قصوى في استراتيجية مواجهة التغلغل الإستعماري وتقويض مصالحه ونفوذه في عالمنا العربي. ولا عجب أيضاً أن الإستعمار الأمريكي في سعيه لحماية توابعه وسياساته، يفرض العقوبات على الجهات التي تعمل على مواجهة ألاعيبه وأتباعه بعد أن يتهمها بالإرهاب، ويُطلِق حملات إعلامية شعواء لتشويه السمعة السياسية والمعنوية ضدهم لثنيهم عن مواجهته.
المثال أدناه في لبنان حيث بادر حزب الله إلى حملة منظمة لمكافحة الفساد في أجهزة الدولة، ينطبق مع الأسف على جميع دولنا العربية، وإن كان بنسبِ متفاوتة. الأساليب التي يعتمدها رُوّاد الفساد ورؤوسه تتشابه في جميع الأوطان والأماكن، والمُستعمِر يعرف تماماً كيف يروي قنواتها بوقود المال السهل والنفوذ، الذي يُعمي الكثيرين من سياسيينا عن حقيقة واجباتهم تجاه الوطن والمواطن.
============================================
نقلاً عن الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان:
اكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله، في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب، على “ضرورة تنظيم الحسبات المالية للدولة وتصحيح القيود لأن هذا الامر هو الذي يؤدي للانتظام العام في مالية الدولة”. واشار الى ان “ان تصحيح حسابات الدولة هو من أجل استقامة المالية العامة للدولة وقطع الحساب ثم إنجاز الموازنة”.
واشار ان ما يطرحه اليوم “هو مستندات ووثائق رسمية، وإن سلكت مسارها القانوني الصحيح، ستؤدي الى محاسبة رؤوس كبيرة تمارس السياسة حتى اليوم”.
وكشف انه “في العام 2010 تبين أن الحوالات كانت تقيد ثم تلغى ثم يعاد قيدها والحسابات الدائنة تصبح مديونة وهناك أموال طائلة ضاعت”. وكشف ان هناك مئات الالاف من الاخطاء بالقيود المحاسبية وعلى مدى عشرات السنوات. ولفت الى ان “هناك الآلاف من المستندات، وهي موجودة في وزارة المال. وقد أبلغنا وزير المال انها ستحول الى ديوان المحاسبة”.
وسأل “هل يعقل أن حساب مصرف في العام 2006 يتم تصحيحه في العام 2010؟”. كما كشف انه “تبين لنا ان هناك فوضى منظمة متعمدة كي تضيع الاموال، مما يطرح اسئلة عن الاف المليارات من الهبات والسلفات والقروض والحسابات المصرفية”.
وأعلن “ان هناك ملايين الدولارات التي كانت تأتي بشكل هبات بعد حرب تموز، ولكن لا تسجل وفق الأصول بل لحساب الهيئة العليا للإغاثة”، مشيرا الى ان “المال الذي جاء إلى لبنان كان يكفي لأضرار الحرب وللقيام بالبنى التحتية، وأنا مسؤول عن كلامي ولكن أين اختفى هذا المال؟”.
واكد ان الشعب هو من يتحمل المسؤولية لانه انتخب نوابا سكتوا عن هذه الملفات. ولا تحاولوا الدفاع عن سياسي أو آخر، فالأموال التي أخذت ذهبت إلى جيوبهم هم بطونهم ملآنة وأنتم بطونكم خاوية”، معتبرا ان “هناك فوضى منظمة ومتعمدة لتضييع الاموال” واعتبر ان “النظام المالي الذي كان معمولا به كان يتيح هذا التراكم من ارتكاب الاخطاء”.
واكد فضل الله ان “المطلوب السير في تحقيق جدي وحقيقي وان نعرف اين هذا المال ونسترجعه”. واعلن فضل الله ان على القضاء اللبناني ان يُظهِر المسؤولية ويحدد المسؤول وكفى تضييع ملفات داعيا في هذا السياق الى اخراج التعيينات القضائية من اي تدخل سياسي.
واعلن اننا سنكون امام 3 مسارات: رقابة برلمانية، ديوان المحاسبة والقضاء المختص مضيفا اين سيهربون من هذه المسارات؟ واكد انه لا استطيع التشهير باحد قبل ان يسميه القضاء مشددا على انه سيمارس مسؤوليتيه القانونية ازاء هذه الملفات.
============================================
هذا النمط من الممارسات المسؤولة التي تضع مصلحة الوطن والمواطن قبل أي اعتبار آخر هو بالضبط ما نفتقد إليه في عالمنا العربي المليء بالنفاق والكذب بإسم المصلحة العامة وحقوق المواطن وحرية الوطن. وهو بالضبط ما يغيظ الإستعمار الغربي ويُرْعب المُحتل الصهيوني. ومصدر القلق الكبير لهؤلاء ومن يتمسح على أعتابهم من قادة العرب هو أنها ضمن استراتيجية واضحة، ثابتة، وهادفة.
كلام فضل الله في المؤتمر الصحافي لا غموض فيه: نريد مؤسسات تعمل لمصلحة الوطن والمواطن، وليس مؤسسات يستخدمها السياسيون الفاسدون للتغطية على موبقاتهم. تلك المؤسسات موجودة، لكن يجب إيجاد الوسيلة لتفعيلها وتحويلها إلى أدوات لتصحيح المسار، تصويب القرار، منع التجاوزات، كشف التحايل على القوانين، ووضع حقوق المواطن في نصابها الصحيح.
الإستعمار يريد إلهاؤنا بالتمايز العربي- الفارسي، تأليب السني على الشيعي والعكس. وبإسم الدين الإسلامي، نشر العنف المتطرف في صفوف الشباب الناقم الباحث عن بريق أمل يتمسك به ليصنع شيئاً يعيد له حقوقه فينتهي به المطاف إلى أن يكون مجرد أداة تُنجز للمُستعمر ما عجز عن إنجازه بحروبه المباشرة: تدمير المجتمع من أسسه، تفتيت البنية الحضارية، تفكيك الإقتصاد وإفقاره، ونشر الإحباط في نفوس الناس لتكفر بكًل شيء.
حلفاؤه في ذلك المشروع هم السياسيون المتلونون العديمي الضمير الذين يحتجزون الأوطان رهينة بين أيديهم القذرة ليكسبوا بذلك رضى أولياء نعمتهم وحُماة كراسيهم. مواجهة هؤلاء الفاسدين لا يكون بالإنفعال أو برشق اقذع الألفاظ نحوهم، أو بتسمية أسماء من هم معروفون على الملأ ولا يهمهم الأمر لأنهم معتادين على المسارات الملتوية ويتكئون على الآلة الإعلامية والإقتصادية الداعمة للمستعمر من مال، صفقات، إعلام، تلفيق تهم، والتفاف على الحقيقة.
استراتيجية مواجهة هؤلاء تستند إلى وضع أسس محاسبة المسار الفاسد بعد التعريف الواضح بماهيته وطبيعته، لينتفي أي لبس أو غطاء تمويهي له، وتسليح المؤسسات التي تقوم بتلك المحاسبات بقوة القرار والحماية من انتقام قوى الفساد. وهكذا تحوّل في المؤسسات قد يستغرق سنوات، لكنه مسار لا بد منه بتحقيق مئات الإنتصارات الصغيرة بشكل تراكمي إلى أن يصبح عملها الصحيح أمراً مفعولا.
ومن ينتصر في ميادين القتال على أعتى الأعداء بفضل عمقه الاستراتيجي، ويراكم في الميدان مئات الإنتصارات الصغيرة، وبزخمها يحرر الأرض من العدو الصهيوني في لبنان، المستعمِر المحتل في العراق، والوباء التكفيري في سوريا، لبنان، والعراق ... قادر على اجتراح الإنتصارات المُكمِّلة في ميدان مقارعة الفساد – حليف الإستعمار الأعتى، الأعمق، والأكثر فعالية.
الدواعش في عالمنا العربي ليسوا فقط من يذبحون بالسكين، يقطعون الرؤوس بالساطور، ويرمون من يرونهم "مرتدين أو كفرة" عن السطوح. السياسي الفاسد داعشي بامتياز لأنه يذبح المصلحة الوطنية كل يوم، يقطع رأس الحقيقة دون كلل، ويرمي حقوق المواطن في أكوام الزبالة المتراكمة على المنعطفات.
وفي لبنان، كما في العراق وسوريا والعديد من دول عالمنا العربي، هناك شريك قوي للفساد وحليف موثوق للمُستعمِر: الإقتتال الطائفي والفتنة المذهبية، وهذا الإستخدام الموبوق للأديان السماوية تكتيك يبرع فيه السياسيون الفاسدون.
أية استراتيجية تصبو إلى توجيه ضربة في الصميم للإستعمار ومشروعه الصهيوني، لا بد وأن تحوي في خطتها مدماكين أساسيين ضمن توجهاتها الإجتماعية: مكافحة الفساد والمفسدين، ومحاربة العنصرية الطائفية، المذهبية، العرقية، أو العشائرية.
رددنا كثيراً من قبل أن الذي يميّز عقيدة المقاومة هو استنادها إلى الفطرة الإنسانية، المبدأ الأساسي والأول الذي يقطع دابر المفسدين والعابثين بمصائر الأوطان، يُحصّن من الوقوع في حبائل الإستعمار، يُفكك دعائم المُستعمِر الموبوقة داخل مفاصل الدولة وتلافيف مؤسساتها، ويبني صروح الحرية الحقيقية والكرامة لشعوب المشرق.