العلمانية
ولكن... ما معنى «إسلام معتدل»؟

نجيب جورج عوض

السبت 10 حزيران 2017

في مطلع عام 2009، قررت أن أجري نقلة نوعية في حقل أبحاثي الأكاديمية لأنتقل من حقل البحث في اختصاصي الأول، اللاهوت المسيحي الفلسفي العقائدي الصرف (شهادتي الدكتوراه الأولى)، إلى حقل علم الكلام المسيحي الإسلامي، واللاهوت المسيحي العربي في العصر الإسلامي المبكر (شهادتي الدكتوراه الثانية). منذ ذلك الحين تعمقت كثيراً في قراءة التراث اللاهوتي والفلسفي والفكري الإسلامي (إلى جانب المسيحية العربية والمشرقية) كي أتمكن فعلاً من تقديم أبحاث علمية عن علم الكلام الإسلامي المسيحي، في تلك الفترة، يعوَّل على قيمة وموثوقية مادتها ونوعيتها العلمية. واحدة من المسائل التي توقعت، في بداية ولوجي المعرفي والعلمي في هذا الحقل العلمي، أن ألتقي بنصوص عنها في التراث الإسلامي عن مسألة فهم المسلمين أنفسهم لماهية الإسلام وطبيعته، لا كخطاب ديني فقط، بل وكظاهرة ثقافية وحضارية ومجتمعية وفكرية عموماً. وواحدة من تلك النقاط الأساسية التي توقعت، بنوع من اليقين الحتمي، أن أجد نصوصاً مطولة عنها في التراث الإسلامي، هي معنى مصطلح «الإسلام المعتدل» بالتحديد. أنا مشرقي عربي سوري، لطالما سمعتُ في السنوات العشرين الأخيرة (خصوصاً بعد الحادي عشر من أيلول) الكثير من الوجوه والمرجعيات والمفكرين المسلمين، وكذلك كافة وسائل الإعلام العربية، المسموعة والمقروءة والمرئية، تعمم بين ظهرانينا مصطلح «الإسلام المعتدل». أنا ذاك الإنسان المشرقي العربي السوري الذي انجرف مع ملايين البشر في هذا الجزء الجغرافي من العالم في دوامة اليقين بوجود «الإسلام المعتدل»، وبأن هذا المصطلح يتحدث عن الإسلام بحد ذاته، وأنه تعريف بديهي لماهية الإسلام الصحيح والقويم، والذي نفتخر بأنه نتاج المشرق بامتياز، مثله مثله المسيحية واليهودية.

إلا أنني في السنوات القليلة الأخيرة، ومع بدء ثورات ما أردناه أن يكون «ربيعاً عربياً» في المشرق المذكور، ومع ظهور العديد من الخطابات الثورية التي أعطت لنفسها هوية إسلاموية، وراحت تتحدث باسم الإسلام، وتمارس فهمها للعالم، وتعمل على تحقيق أجنداتها المتنوعة والمختلفة باسم الإسلام دون سواه، ناهيك عن الحركات الجهادية والتحريرية الإسلاموية، التي قامت على أساس تعريفها الخاص للإسلام بطريقة جعلتها تعادي الرهط الأعظم من مسلمي المشرق قبل سواهم.. أقول أنني في ضوء كل ذلك، بدأت أشعر أن هناك غموضاً حقيقياً عند الناس حول المعنى الدقيق للإسلام بحد ذاته، ومعنى أن يكون المرء مسلماً في الهوية والانتماء والوجود. لقد تمثّلت أمامنا في السنوات الأخيرة، أنماط لا حصر لها من الإسلامات، وهويات لا عد لها، كلها تقول لنا أن ما تقوله وتعتقده هو وحده ما يمثل «الإسلام». وفي خضم تلك الحالة المعممة والمعقدة والمحيرة، بات مصطلح «إسلام معتدل» (ناهيك عن سواه من المصطلحات) من أكثر المصطلحات غموضاً واستنسابية، لا بل وأكثرها حاجة للتعريف والتوضيح.

ما معنى «إسلام معتدل» وما معنى أن يكون المرء «مسلماً معتدلاً»؟ بالعودة الى رحلتي المعرفية والبحثية مع الإسلام، حاولت أن أبحث عن نصوص من التراث الإسلامي المبكر أو القروسطي، التي تعرّف بدقة وبشكل واضح ومسهب معنى «الإسلام المعتدل». للأسف لم أعثر على نص واحد يقدم لي ما بحثت عنه. فمصطلح «إسلام معتدل» غير مستخدم في النصوص الإسلامية الفقهية أو اللاهوتية أو الفلسفية المبكرة. هناك حديث عن الإسلام السَمِح، أي الذي يعامل الناس بالحسنى والكلمة السواء، ويدعوهم للتسليم لله وطاعته بحرية. ولكن لا يستخدم أي مفكر إسلامي مبكر مصطلح «اعتدال»، والذي أعتقد بأنه في معناه الاصطلاحي والمفاهيمي يختلف عن مفهوم «السماحة». ما زاد الأمر غموضاً بالنسبة لي أن الدينين الابراهيميين التوحيديين الآخرين، المسيحية واليهودية، لا يستخدمان مصطلح «معتدل» في تراثهما الفكري أيضاً. في المسيحية، هناك «مسيحية محافظة» و»مسيحية ليبرالية»، «مسيحية أرثوذكسية» و»مسيحية لا-أرثوذكسية»، «مسيحية تقليدية» و»مسيحية عصرية»، «مسيحية نصوصية مبادئية» و»مسيحية معرفية عقلانية». ولكن لا تجد مصطلح «مسيحية معتدلة» مستخدماً لا في المسيحية الآبائية القديمة ولا في المسيحية المعاصرة لنشوء الإسلام، ولا في المسيحية المعاصرة، ما يجعل مسألة فهم مصطلح «إسلام معتدل» من نفاذ ديني مقارن أمراً غير ممكن. لم أجد حتى الآن نصوصاً علمية بحثية، موثقة ومكتوبة من قبل علماء ومفكرين مسلمين، تشرح لنا بشكل موسع وتاريخي ونقدي وعلمي تفكيكي، حقيقة ما يقصده المسلمون حين يتحدثون عن «إسلام معتدل».

ما قادتني قراءاتي المتواضعة إليه هو أن مصطلح «إسلام معتدل» مصطلح معاصر في الواقع، نتج عن معطيات وظروف سياسية وجيو استراتيجية بطبيعتها. قامت بعض المرجعيات الدينية الإسلامية المشرقية بخلقه، كي تواجه الحملة الإعلامية الشعواء والظالمة والمتطرفة التي شنتها وسائل الإعلام الغربي على العالم العربي والإسلامي، على حد سواء، بعد حادثة الحادي عشر من أيلول ومواجهة الغرب لتهديد «القاعدة«. يومها قام العالم الإسلامي العربي بكل أطرافه ومشاربه ضد «القاعدة« وعمل على مواجهة الحملة الإعلامية الغربية الشعواء والمتطرفة بأن أكد على أنَّ الإسلام بطبيعته «معتدل» وليس «متطرفاً« (هذا مصطلح آخر يحتاج إلى تعريف دقيق وواضح في الإسلام بدوره) وأن الاعتدال هو الماهية الأساسية الناظمة للدين وللحضارة وللسلوك في الإسلام. بات مصطلح «معتدل» في بعض الأحيان، وفي سياقات معينة (سياسية ودبلوماسية خصوصاً) اكثر أهمية براغماتياً وعملياً من مفهوم «إسلام» بحد ذاته. وبدا خلال العقد الأخير من القرن العشرين أن العالم اللا-إسلامي احتضن مصطلح «إسلام معتدل»، وراح يستخدمه بموثوقية وبتسليم يقيني بفهم العالم الإسلامي العربي الواضح والصريح لما يريد قوله من خلال «إسلام معتدل». بدا للمراقب أن الجميع افترض بديهياً أن معنى «إسلام معتدل» واضح وجلي لكل مسلم وعربي وأنه يجب أن يكون بالوضوح والجلاء ذاته لكل غربي أو غير-مسلم، على قاعدة «ما يستخدمه الجميع يعرف الجميع معناه».

ولكن، مع ما يجري اليوم في العالم العربي من أحداث مأساوية وكارثية باسم الدين الإسلامي، ومع مراقبة ممارسات وخطابات وطروحات ومواقف أطراف إسلامية مشرقية، لطالما قالت عن نفسها أنها تمثل «الإسلام المعتدل»، ولطالما سوقت قبل سواها مصطلح «إسلام معتدل»، لا يسع المراقب الموضوعي الهادئ والمنفتح إلا أن يعترف بأن أكثر المصطلحات غموضاً وضبابية وعدم تعريف في خطابات تلك الأطراف الإسلامية النافذة والمؤثرة (كدول وكمرجعيات وكحكومات وكأنظمة وكمفكرين وكحركات جهادية إلخ) هو مصطلح «إسلام معتدل». فالممارسات والمواقف في أقل تقدير لا تعكس أي نوع من أنواع التسامح والحسنى والأناة في التعامل مع الآخر، أي آخر ـ هذا إذا ما أردنا أن نقول أن «الاعتدال» يعني «سماحة». اليوم، مازال العالم العربي يستخدم منتجه الاصطلاحي «إسلام معتدل» بشكل بديهي ويقيني، وكأنه يعرف تماماً عن ماذا يتحدث، وما الذي يقصده من هذا المصطلح، وكأن كافة الناس تملك فهماً واحداً عاماً جامعاً لفكرة الاعتدال أو للإسلام «كإسلام معتدل».

ما معنى «إسلام معتدل»؟ من يعرِّف لنا هذا المصطلح اليوم بشكل موثوق وواضح، في قلب عالم عربي يحترق ويتفجر من داخله، من قبل أطراف وجهات وقوى وأجندات، أصحابها هم قبل سواهم من يعمم مصطلح «الإسلام المعتدل» في العالم العربي؟ أؤمن شخصياً أن هناك ضرورة تاريخية وملحة ومصيرية لقيام ثقاة ومرجعيات الإسلام في العالم العربي والإسلامي بالتصدي لمسألة تقديم تعريف وتوضيح فعلي وحقيقي لمعنى «الإسلام المعتدل». أؤمن بهذا، لأنني أؤمن أن الإسلام ليس متطرفاً ولا عنفياً ولا صدامياً ولا إقصائياً. قد يقول البعض أنني مسيحي ولا يحق لي أن أتدخل في مثل هذه المسألة، أو أن أتجرأ على قول ما أقول في هذه السطور. معاذ الله أن أكون ممن يسمحون لأنفسهم بالتطفل على ما ليس لي حق بالتطفل عليه. ولكنني كمراقب وأكاديمي يؤمن بانتماء أهل المشرق جميعاً (وأنا منهم)، ومن كل الأديان والخلفيات والأعراق والأثنيات للفضاء الحضاري العظيم والإرث الفكري الإنساني الثمين المسمى «إسلام»، وأعرف دورهم التاريخي العتيق والبنيوي في بناء هذا الفضاء، أدرك أن مصيرنا كشعوب مشرقية عربية يكمن في إعادة فهم مستمرة ونقدية دائمة لذاتنا، وسبرنا لأغوار ما نفهمه عن أنفسنا وعن ماهيتنا، وفي عملية إعادة التاًصيل والتطوير، لتفسير وتوضيح مسهب ومتكامل وعميق لماهيتنا الإنسانية والحضارية والوجودية. كل هذا لا يتحقق إلا حين ينصرف أهل المشرق العربي الإسلامي أجمعين إلى عملية إعادة التفكير العميق بتعريف اللبنة الأساسية في تركيبتهم الانثربولوجية والحضارية والثقافية المتمثلة بالإسلام، وبما يشمله هذا من حديث عن «إسلام معتدل». إنني أتمنى على مفكري ومرجعيات المشرق العربي الدينية والمدنية، الرسمية والمستقلة، الإسلامية، ومن كل أطياف الفكر الإسلامي، أن تدعو معاً إلى الالتقاء رسمياً وفعلياً في مؤتمر تأسيسي جامع (يشبه قليلاً ما نسميه في المسيحية مؤتمر مسكوني عام) يلتقون فيه، ويقومون بتوحيد جهودهم ومعارفهم في تأليف خطاب علمي متكامل، وتحليلي واضح، ومنظم وعقلاني رصين يعرّفون فيه للعالم العربي والإسلامي، إن لم يكن للعالم أجمع، ما يعتقدون هم، ويعتقد الكثيرون معهم أنه معروف بديهياً ومفهوم يقينياً ومُدرَك عموماً، وبشكل لا لبس فيه للجميع. أعني تقديم خطاب تعريفي علمي شامل ورصين عن معنى «الإسلام المعتدل»: ما الذي يعنيه الإسلام بمصطلح «إسلام معتدل»؟ ما هو مفهوم «الاعتدال» المقصود؟ كيف يكون الإسلام مختلفاً حين يكون «معتدلاً»؟ وكيف يجعل «الإسلام المعتدل» حياة وسلوك ومواقف وذهنيات من يتبنونه، ويقرنون إسلاميتهم به، مختلفة عن باقي المسلمين الذين لا يقرنون هويتهم الإسلامية بفكرة «الاعتدال»؟

في العالم العربي المحترق والمدمر والممزّق، اليوم، لا يمكن لأي صاحب ضمير إنساني حي، وكيان إنساني يؤمن بالفكر والمعرفة وبالحياة، إلا أن يرفض التعامل مع ما يعتقد أنه معروف وواضح على أنه كذلك. في العالم العربي الحالي، غرقت كل المعارف والمعاني في مستنقع من الفوضى الفكرية والهباء العقلي، وباتت كل التعابير والمفردات والمصطلحات مجرد أدوات إعلامية وتسويقية، فارغة من أي معنى، ومتناقضة في مضامينها اللانهائية: مجرد ألعاب لغوية وظيفتها تعميم التفاهة والجهل والسطحية، واحتقار العقل على أوسع نطاق في مجتمعاتنا الممزقة والمتهالكة. وفي مثل تلك المعمعة الفكرية ليس هناك أخطر من التعامل مع الإسلام على أنه مفهوم ومعروف من الجميع (جميع المسلمين أو غير المسلمين على حد سواء) وليس هناك أسوأ وأكثر ضرراً من استخدام مصطلح «إسلام معتدل»، من قبل أطراف لا تساعدنا تصرفاتها ومواقفها ورؤاها وسلوكها، على التوصل إلى فهم واضح ومحدد وصريح لكلمة «اعتدال»..ما هو الإسلام حقاً؟ ما هو «الإسلام المعتدل» بالضبط؟...هل من عالم مشرقي إسلامي مجيب ينقذنا جميعاً؟

المصدر:OASIS