العلمانية
أزمة المواطنة في العالم العربي إلى أين؟

إبراهيم خليل الجيدة

الأربعاء 7 تشرين الثاني 2018

كثيرة هي المقالات التي تتحدث عن المواطنة في العالم العربي وتتناثر في الصحف والمجلات والبرامج التلفزيونية والإعلامية المختلفة وبخاصة في السنوات الأخيرة ولاشك أن هذا الزخم الكبير يعبر عن الأزمة التي يعاني منها المواطن العربي في العقود الأخيرة.


ولعل هذه الأزمة تفاقمت نتيجة عدة عوامل منها؛ التناقض بين نصوص القوانين والدساتير وبين التطبيق العملي لها على أرض الواقع إذ من الملاحظ أنها لا تطبق إلا في حدود معينة في الوقت الذي توضع فيه القوانين لتطبق على جميع أفراد المجتمع لأن المواطنة ما هي إلا تعبير يقصد به حقوق الفرد وواجباته في أي مجتمع من المجتمعات. كما أنها الرابطة بين أفراد المجتمع الذين تنظم علاقاتهم مع بعضهم البعض على أساس العدل والمساوة أمام سيادة القانون. ولكن نتيجة للخلل في التراكيب والأبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية في العالم العربي أصبح القانون عاجزاً عن تحقيق المواطنة نتيجة تطبيقه على فئة دون أخرى.


نضيف إلى ذلك أن شيوع العرقية والأقلية والعصبية في العالم العربي أدى إلى تفاقم أزمة المواطنة وشعور البعض إن لم يكن الأغلبية بالغبن الشديد من المواضعات السائدة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون فقد تم التفرقة بين أفراد المجتمع على أساس العرقية والعصبية والأقلية وغيرها على الرغم من أن القانون واحد لا يفرق بين كل فئات المجتمع.


سطوة بعض الأعراف الاجتماعية والميثولوجية وغيرها أدى إلى إضعاف القانون وعدم تطبيقه في بعض الأحيان الأمر الذي جعل التناقض سائداً بين الواقع من ناحية والقانون من ناحية ثانية ومن ثم ضعف دور المواطنة وأخذت هذه المشكلة تطل برأسها في كل بيت عربي لأن إضعاف القانون يؤدي إلى اضعاف الدولة ومن ثم تدهور دورها واضمحلالها وهذا لا يخفى على واقعنا العربي الراهن فقد أصبح الاضمحلال والضعف سمة سائدة في واقعنا المعاش.


على أن العامل الأكبر الذي أدى إلى تفاقم أزمة المواطنة هو غلبة المصلحة الذاتية على المصلحة الوطنية ومن ثم تقهقر دور المواطنة وأصبح الانتماء للمصلحة الذاتية أكثر من الانتماء للمصلحة الوطنية، ذلك أن الفرد ينظر إلى مكاسبه الراهنة والوقتية والتي تعود عليه بالنفع المباشر بصرف النظر عن المصلحة الوطنية.


فضلاً عن الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى تفاقم أزمة المواطنة بسبب الخلل في هذه المواضعات السائدة وكل ذلك أدى إلى خلل المعايير الاجتماعية والسياسية والتي أدت بدورها إلى شعور المواطن العربي بالاغتراب عن وطنه وعدم الانتماء الفعال له، وليس أدل على ذلك من شيوع ظاهرة هجرة الشباب العربي في العقود الأخيرة نتيجة الشعور بالغبن تجاه أزمة المواطنة.


على أن علاج هذه الأزمة يكمن في تلافي أسباب هذه الأزمة وأهمها تغليب المصلحة العليا للوطن على المصالح الفردية الضيقة لأن المصلحة الفردية ستزول يوماً ما، لكن الوطن سيظل باقياً على الدوام. وهذا التغليب لابد أن يكون على مستوى الفرد والمجتمع والنخب السياسية والاقتصادية وغيرها. بحيث يعلي هؤلاء مصلحة الوطن على مصالحهم الفردية بل إعلاء مصلحة الوطن العربي أجمع على المصالح المحلية المحدودة لأننا في عصر التكتلات الكبرى ولا مستقبل للكيانات الصغرى المنزوية في خندق التاريخ ولكن على المواطن العربي أن يعي حق الوطن عليه وحقوقه على وطنه ولا نمل من المحاولة مهما كانت المعوقات. وكذلك يجب العمل على تذويب العرقيات والأقليات والعصبيات وصهرها في بوتقة الوطن ليصبح الجميع جسداً واحداً في أحشائه وهذا البعد نراه من أهم الأبعاد في تحقيق المواطنة لأنه يشكل معوقاً كبيراً أمام تحقيق المواطنة في العالم العربي ويوم أن تتخلص الأمة العربية من هذا الكابوس المتمثل في التفريق بين المواطنين على أسس اقتصادية وثقافية وسياسية وميثولوجية وعرقية وأقلية وغيرها سيعود لها وقعها المؤثر في الواقع المعاش بين الأمم، لأن المواطن غير مكتمل المواطنة لا يستطيع النهوض بوطنه ولا مجتمعه. وعندما يشعر أنه مواطن مكتمل الأهلية للمواطنة حينئذ سيعطي وطنه بلا حدود. ولابد أيضاً من ضرورة التخلص من سطوة الأعراف الاجتماعية وغيرها التي تقف حائلاً أمام حقوق المواطنين بل وتعمل على تعطيل القانون وشعور البعض بالظلم الاجتماعي جراء هذا التعطيل ذلك أن معظم دساتير العالم العربي تنص على أن جميع المواطنين سواء أمام القانون وبالتطبيق العادل للقانون يشعر المواطنون بالأمن والاستقرار ويدافعون بكل ما يملكون عن أرضهم ووطنهم.


لكننا يجب ألا ننسى ما على المواطن من حقوق تجاه مجتمعه ووطنه فكما يطالب بحقوقه تجاه وطنه لابد من تأديته حق وطنه عليه وهذا يتمثل في زيادة وعيه الفكري وتخلصه من الرواسب القديمة لفكرة العصبية والعرقية وغيرها ويدرك المفهوم الإنساني لمعنى الإنسانية وكيف أن لكل إنسان حقاً في الحياة والوجود والمساواة مع الآخرين أمام القانون في وطنه.. فضلاً عن الانتماء لوطنه في عمله وممارساته وحقوقه و أنماط سلوكه وغيرها.


ويوم أن تتحقق المواطنة بمفهومها الحقيقي والفعال في عالمنا العربي وقتها سوف تصبح لنا كلمة مسموعة بين الأمم لأن فاقد الشيء لا يعطيه وفاقد الشعور بوطنيته لا يستطيع تقديم شيء لوطنه لأنه مسلوب الإرادة والحقوق وأظن أنه قد آن الأوان لأن نفيق مما نحن فيه ونتطلع لتحقيق وطنية كاملة غير منقوصة في كل ربوع عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج حتى نواكب المتغيرات العصرية ونتمنى ألا يطول ذلك. فهل من مجيب؟




المصدر: الراية