العلمانية
الإسلام دين علماني ؟

د. عصام نعمان

الثلاثاء 30 تشرين الأول 2018

أحيا عبد الحسين شعبان في مقارباته لسسيولوجيا الدين والتديّن تراث الامام المقاوم السيد محمد الحسني البغدادي بعرضه الشيّق لسيرته الذاتية ومساره الفقهي المناهض للإستبداد والإستعمار والصهيونية . غير ان مساراً نهضوياً آخر يتبدّى في متن الكتاب(*) ومسيرة ذاتية ثرية اخرى تتلألأ في خاتمته . إنهما مسار المؤلف ومسيرته المعاصران للإمام المقاوم في الربع الأخير من حياته ، وفيهما تقييم غنيٌ وموضوعي لمجمل نتاجه الفكري ومواقفه اللافتة في الشأن العام .


احداث وقضايا عدّة تتبدّى بكل أبعادها في اللوحة التاريخية والفكرية التي رسمها شعبان للمشهد السائد في الحياة المديدة للامام الحسني البغدادي "من خلال النقد والنقد الذاتي للعلاقة المركّبة والمزدوجة والمتناقضة بين السياسي والديني وبين الديني والسلطوي من دون نسيان الإختلال في علاقة السياسي بالمسألة الدينية والديني بالمسألة السياسية وتعارضاتهما التي بدت تناحرية وإلغائية وتهميشية" . اما الهدف الذي توخّاه المؤلف من مقارباته فهو "تحديد معالم خطة الطريق واستخلاص العِبَر والدروس لإستنباط نماذج جديدة اكثر انسانية".


اطّلع المؤلف في وقت مبكّر على كتاب الامام المجاهد "وجوب النهضة" واعتبره بوابةً مهمة للفكر الديني بشأن "فقه المقاومة" . واذا كان الكتاب يعالج في الاصل مسألة مقاومة الإحتلال البريطاني ، فإن إعادة نشره عقب عدوان "اسرائيل" على الأمة في 5 حزيران / يونيو 1967 حمل دلالة رمزية جديدة تتعلق بمدى تمسّكه بفكرة الدفاع عن الوطن والحق في مقاومة الإحتلال حتى في شيخوخته.


  المؤلف يعتبر الامام الحسني البغدادي راديكالياً في السياســة ، محافظاً فـي الدين . وفي سياق تظهير هذه السلوكيـة ، يتصدّى لبحث مجموعة من القضايا والإشكاليات الساخنة التي اندلعت خلال سنوات النصف الثاني من القرن العشرين ، ابرزها قضية الماركسية والدين ، والدعوة العلمانية ، ومسألة المرجعية.


يفرّق شعبان بين الدين والتديّن . "الدين مجموعة من القيم والمعتقدات والطقوس التي تحدّد علاقة الإنسان بالمقدّس" فيما التدّين "مجموعة ممارسات وشعائر لتطبيق تعاليم الدين". الشعائر والطقوس اندغمت في العادات والتقاليد الإجتماعية ، وهي بالتالي نتيجة تفاعل الناس وفهمها للنصوص عبر تفسير وتأويل ما تتضمنه من معانٍ ودلائل.


المشكلة في رأي شعبان ليست مع الدين بل هي مع التديّن ، ذلك ان بعض النصوص تُقرأ بماضوية مفصولة عن عصرنا . قد تكون صالحة في زمانها ، لكنها قد لا تصلح لزماننا ، والتشبث بها يؤدي الى التعصب والتطرف في فهم الدين .


يوآخذ شعبان المتدينين على ماضويتهم ، لكنه لا يتوانى عن تسفيه المتمركسين المتطرفين الذين يتهجمون على الدين والمتدينين من موقع الإلحاد . ماركس لم يرفض الدين ولم يدرسه اصلاً ، ذلك ان إسهامه في هذا المجال اقتصر على مناقشة وظيفة الدين واسباب حاجة البشر اليه ، ويُنسب اليه قول مأثور : "الدين زفرة المقهور" !


في هذا السياق ، اطلق شعبان الدعوة الى "النقد الماركسي لماركس" في ضوء ظاهرات وتطورات ما كانت موجودة عند صوغ "البيان الشيوعي" العام 1848 كالعولمة وثورة الإتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية digital . يقول :" لو كان ماركس يعيش بيننا الآن لغيّر الكثير من اطروحاته واستنتاجاته ، ناهيك عن احكامه وتنبؤاته". وعليه ، يجزم شعبان بأن من يعادي الدين ليس ماركسياً لأن لبّ الماركسية يرتبط بفكرة إنهاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وليس التفتيش في ادمغة البشر عن الإيمان والضمير والعلاقة بالسماء. فكل امر يُسهم في الوصول الى سعادة الإنسان ينبغي توظيفه في تعزيز قيم الحرية والمساواة والعدل والجمال ، وهي قيم ومُثل عليا في جميع الاديان.


في عرضه المتسلسل لتراث الامام المقاوم يقع المؤلف ــ او بالاحرى الامام اليساري المقاوم ! ــ على إمتدادٍ لأفكاره ومواقفه في احفاده ، ولاسيما احمد الحسني البغدادي الذي يفرّق بين مَن آمن بالتعاليم "الماركسية – اللينينية" كإنتماء سياسي وبين من كفر بالأديان السماوية . يقول الحفيد احمد: من آمن بالشيوعية كإنتماء سياسي وايديولوجي وظلّ على دينه ، فهؤلاء "مسلمون لا ملحدون" حتى لو كانوا ماركسيين.


لا اكتم القارىء انني شديد الإعجاب بأسلوب شعبان في التحرّي عن المشتركات في طروحات الإسلاميين وطروحات التقدميين ، متدينين وغير متدينين ، واشاطره الرأي في معظم ما ابداه من اراء او باشره من مقاربات، ولا اعتبر نفسي متطفلاً إن افصحتُ بدوري عن مقاربات مماثلة في هذا السبيل، ولاسيما لجهة العلاقة الإشكالية بين الإسلام والعلمانية.


    ليس من شك في ان الإسلاميين  على حق في رفضهم  التقليد الأعمى للغرب ، هذا التغرّب الذي يتناول معظم وجوه حياتنا ويلحق بها من الفوضى والتشويه ما يجعلنـا في إرتباكٍ مقيم . غير ان رفض التغرّب ليس وقفاً على الإسلاميين بل هو موقف ينهض به ويتحمل مسؤولياته مجاميع من المثقفين وأهل الرأي والمناضلين السياسيين المنتمين الى شتـى المدارس والتيارات والإيديولوجيات القومية واليسارية والتقدمية الحريصة على الأصالة ، من حيث هي الجوانب الحية في التراث ، حرصهـا على المعاصرة بما هي الجوانب الخيرّة في الحداثة المراد  تكييفها مع متطلبات المشروع النهضوي الحضاري العربي.


     رغم إلتقاء الإسلاميين والتقدميين في موقف معاداة التغرّب ،  فإن معظم الإسلاميين يلجأ الى التحامل على "العلمانيين" بوضعهم جميعا في سلة واحدة من حيث إتهامهم بأنهم مجرد مقلّدين للتجربة الأوروبية ، الفرنسية خاصةً ، التي إنطوت على الفصل بين الكنيسة والدولة في حين لا كنيسة في الإسلام ولا ضرورة لاستحداث تقليد الفصل بين المسجد والسياسة في مجتمعاتنا الإسلامية المغايرة في ظروفها لمجتمعات أوروبا المسيحية.


     الحق أن هناك فروقاً عميقة بين "العلمانية" العربية (مع تحفظي الشديد على استعمال هذا المصطلح) والعلمانية الأوروبية وبالتالي بين "العلمانيين" العرب والأوربيين . ولعل هذه الفروق تتبدّى اكثر ما يكون عند تبيان ما يمكن تسميته الخصائص والمرتكزات الأساسية للعلمانية العربية على النحو الآتي:


اولاً ، حرية الإعتقاد عملاً بالآيات الكريمة : " لا إكراه في الدين" ( سورة البقـرة ، الآية رقم 256) . " لست عليهم بمصيطر " ( سورة الغاشية ، الآية رقم 22) . "انـك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " (سورة القصص ، الآية رقم 56 ).


ثانياً ، قدرة العقل الإنساني على اجتراح حلول لمشكلات الإنسان والمجتمع سواء باقتباسها من النص الإلهي ، اي الشريعة ، او بتبنّيه واتّباعه قيما ومسالك مكتسبة من تجارب الحياة الإنسانية وظواهرها الطبيعية والاجتماعية .


ثالثاً ، المساواة بين البشر والتكافؤ في الفرص بصرف النظر عن الجنس والأصل والدين واللون والمنزلة الاجتماعية.


رابعاً ، فصل الدولة عن الدين بمعنى حيادها إزاء مؤسسات الأديان والمذاهب.


خامساً ، الشورى والديمقراطية هما السبيل الأفضل لحكم المجتمع وتطويره، ويقومان على حرية التعبـير ، وتعددية الرأي ، وحكم القانون ، والاحتكام الى الأغلبية في إطار من التوافق  الوطني.


سادساً ، وضع قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية يراعي القواعد والأعراف الأساسية في الإسلام والمسيحية.


سابعاً ، إيلاء النظر في قضايا الأحوال الشخصية إلى المحاكم المدنية على ان تكون مؤلفة من قضاة مختصين.


ثامناً ،  التسامح من حيث هو طريق التراحم ( "رحمة الأمة في إختلاف الأئمة " ) والحوار والتفاعل والتصويب والتطوير.


       إن خصائص "العلمانية" العربية ، كما حددناها آنفاً، تختلف إختلافاً واضحاً عن خصائص العلمانية الأوروبية . بل إن هذه الخصائص البارزة للعلمانية العربية ذات السياق التاريخي والاجتماعي المختلف تضعها في صلب روح الإسلام وقيمه ومُثله وممارسة الأخيار من خلفائه وعلمائه وحكمائه . أليس في ضؤ ذلك قال العلامة الشيخ عبد الله العلايلي: " الإسلام دين علماني" ؟


      لعله آن الآوان كي يعلن " العلمانيون" العرب تمايزهم عن العلمانية الأوروبية واستقلالهم الذاتي عنها بسياق تاريخي خاص بهم وذلك بشتى وسائل التفكير والتدبير والبحث والممارسة . ولعله أيضا بات من الضروري إبدال مصطلح العلمانية ذي المضمون الأوروبي المغاير بمصطلح جديد يحمل الخصوصية التاريخية والاجتماعية لمضمونها العربي المتكامـل مع روح  الأديان جميعـاً ــ ولاسيما الإسلام ــ والمتكامل مع الإيمان الديني عموماً. وإني أقترح ، في هذا المجال ، تعبير العدلانية ( او العدلنة) المشتقة من العـدل ، وهـي كلمـة تحمل ، في المعجم، جملة معاني تؤدي المضمون الأفضل والمطلوب :  ضد الظلم والجور ، السويّة ، النظير والمثل ، القيمة.


        هذه المفردات تحمل معاني حرية الإعتقاد ، والمساواة ، والقيمة المتوخاة للإنسان من حيث هو روح وجسد وعقل.


    ثمة مسلمون إلتزموا الإسلام بإقتناع حرّ نابع من عمق إيمانهم ووجدانهم ، وبثقةٍ صافية نابعة من صميم عقولهم وإختيارهم ، فلماذا يُلزمون قسراً بما اختاروه طوعاً وإلتزموه احراراً ؟

 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) د. عبد الحسين شعبان ، الإمام الحسني البغدادي : مقاربات في سيسيولوجيا الدين والتديّن ، دار إحياء تراث الإمام البغدادي ، النجف 2018