من أين جاء كل هذا العنف الذي نشهده اليوم وعبر التاريخ؟ من الإنسان، من المجتمع، من السلطة أم من الدين؟ بل من الأديان. لأنه لا يوجد دين واحد إلا في المطلق. كما أن بعض منظري المسيحية يقولون بأن المسيحية ليست بدين بل هي حسب قول المسيح "أنا هو الطريق والحق الحياة". في الواقع يوجد أديان متباينة مختلفة متناقضة في تيارات ومذاهب وفئات على تعدد مصالح وأهواء الناس. أيضاً لا يوجد عنف بصيغة المفرد بل أشكال متعددة ووسائل متنوعة تتفنن بأساليب التعذيب والإرهاب.
في البدء كان العنف. منذ قايين وهابيل الناس تتقاتل وتتصارع وتستعمل العنف لتحسم خلافاتها وتفرض سيطرتها. ثم جاءت الأديان علّها تحد من العنف بالمحبة والرحمة والتآخي. لكن الإنسان لكثرة أنانيته وطمعه استغل حتى الأديان ليبرر عنفه ويعزز طرق التعبئة والتحريض والكراهية وإلغاء الآخر.
من مآثر "الربيع العربي" أنه فضح العنف العربي المكبوت ونقله من الخفاء الى المسرح المكشوف ليتحول مادة اعلامية وسبقاً صحافياً يثير الرأي العام ويرعب المشاهدين. لقد تحول العنف المستور مجاهرة ومفاخرة ومعلناً امام الجمهور والكاميرات.
لم يأتِ هذا التوحّشُ الإرهابي فجأة، بل له جذورٌ عميقةٌ ضاربةٌ في عمق التاريخ العربي الدموي. إنه ثقافةُ دموية موروثةٌ نتعلمها من دروس التاريخ التي تحضُّ على الكراهية.
كما ان مناهج التعليم تدرّس هذا التاريخ العربي كأنه مقدسٌ.
فعندما يشبُّ الاطفال وقد تعلّموا أنّ القتل فضيلةٌ والذبحَ مفخرةٌ وكراهيةَ الآخر هو الدين، يصيرون قنابلَ موقوتةً تنفجرُ في وجه البشرية جمعاء لأن الرذائل تنمو في حياة الطفل كلما كبر حتى إذا أُتيحتْ له الفرصةُ لا يتورعُ عن تنفيذ ما تعلمه من قتل وذبح، اسوةً بالسلف الصالح - القدوةِ.
ولد الإرهاب العربي من أساس مادي متغلغل في الواقع الاقتصادي الاجتماعي السياسي ويتغذّى من بناء نفسي يعبر عنه بالتربية الجاهلة والثقافة الزائفة والوعي المنقوص مما سهّل استغلاله من رجال دين وسلطة وظّفوه بفضل ما يملكون من مال وإعلام وتقنيات.
الإرهاب اصبح بنية شمولية لذلك اجتثاثه غير ممكن من دون قيام نظام علمي علماني يحقق المواطنية والعدالة الاجتماعية والوعي بثقافة جديدة ضد التكفير والخرافات.
الممارسة الدينية في صراع بين اتجاهين: الروحانية والتوحش. وحتى تستمر الأديان على قيد الحياة، يجب العمل على نزع فتيل العنف والدوغما منها لتصبح نمط حياة روحية تتجاوز الشكل التسلطي السياسي. إننا نحلم بأن يكون مستقبل الأديان باتجاه الحب والرحمة حتى يصبح الدين أقل تحجراً ووثنية وأكثر روحانية وإلا تتسع الهوة بينه وبين الحياة. لذلك نحتاج إلى ثورة في الأديان تتجاوز الثورة على الدين. ثورة تبدأ من نقد المؤسسات الدينية وسلطتها التي أصبحت سجوناً تُكبل المؤمن بفكره وسلوكه، حتى يعود الدين إلى الإيمان دون الأساطير والخرافات، مما يفتح الباب أمام المشترك الروحي بين مختلف الأديان فتلتقي مع الفنون والآداب والأخلاق والقوانين في مرحلة ما بعد الحداثة.
لمواجهة التطرف الديني لا بد من ثقافة دينية جديدة تؤمن بحق الاختلاف ومعرفة الآخر لفهم الذات، وتفضح خطورة استغلال الدين لإثارة الفتن وتدمير الحضارة وقتل الانسان. وبرغم اتساع مساحات الجاهلية الجديدة، علينا أن نعمل من أجل الأمن الديني والسلم المجتمعي وحوار الحياة طريقاً للخلاص والتجلي والعرفان، بنعم الله.
يتنازع الدين اليوم صراع بقاء بين اتجاه المحبة والتسامح والعدل والغيرية واتجاه التعصب والتوحش والعنف والإلغاء والكراهية الذي يشجع على الإرهاب والتكفير والتضليل.
نحن اليوم بحاجة إلى ثورة في الدين، من أجل تنقية الدين من الشوائب ليكون طريقا الى المحبة والرحمة والعطاء وبناء حياة جديدة قائمة على فكر ديني يبني السلام الأهلي والمصالحة والتنمية ويعزز ثقافة الحوار. الدين في النهاية طريقٌ يُدلنا إلى الحقيقة ليحرر الله من أديان تحولت إلى سجن وقيد.