لا غلوّ في القول إن أزمة لبنان المزمنة بمختلف جوانبها مردّها، في الدرجة الأولى، إلى غياب الدولة. لا دولة عندنا بل مجرّد نظام هو عبارة عن آلية لتقاسم السلطة والمصالح والمغانم بين أركان طبقة بل شبكة سياسية قابضة قوامها متزعمون في طوائف، ورجال أعمال وبيوت أموال، ومتنفّذون في أجهزة أمنٍ واستخبارات. هذه الشبكة القابضة العابرة للطوائف والجماعات هي، في الواقع وعلى مرّ العهود، أشبه ما تكون بميدالية ذات وجهين متكاملين: موالاة للنظام الطوائفي الكونفدرالي متجسّدة في فريق حاكم، ومعارضة ظرفية للفريق الحاكم إنما مخلصة للنظام القائم في إطار توافقٍ مضطرب للتناوب على السلطة. مع هذه الثنائية السياسية وبفعلها تماهى النظام بالكيان وتكاملا حتى كـادا يصبحان صيرورةً واحدة.
في ظلّ هذه الشبكة السياسية القابضة تعذّر تحقيق ثلاث حاجات استراتيجية: الإصلاح السياسي بإعادة بناء الدولة، وردع الخطـر الإسرائيلي التوسّعي، ومواجهة الإرهاب التكفيري. فالإصلاح ومكافحة الفساد متعذران في غياب معارضة حقيقية للشبكة القابضة وللنظام الفاسد، وردع الخطر الإسرائيلي التوسعي مستحيل بسبب تجاهل إقرار الشبكة القابضة لوجوده أصلاً، ومواجهة الإرهاب التكفيري قاصرة وضعيفة بسبب استمرار رفض الشبكة السياسية القابضة خيار المقاومة.
لو كان عندنا دولة بمفهومها الصحيح المتعارف عليه لكان تمّ بناء جيش قادر على ردع الخطر الإسرائيلي ومواجهة الإرهاب التكفيري. فغياب الدولة استتبع غياب الجيش القادر، وهذا بـدوره استتبع قيام مقاومة شعبية لسدّ نقصٍ فاجر. غير أن انتصار المقاومة سنة 2000، وما يمكن أن يؤدّي إليه الانتصار من تعديل لمصلحتها في موازين القوى الداخلية، أخافا الشبكة القابضة وشدّا من عزيمة جناحها الأكثر تطرفاً للجم المقاومة وتفكيكها. في هذا السياق، وإزاء عجز الشبكة القابضة عن تنفيذ قرار مجلس الأمن 1559، شنّت إسرائيل، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، حرباً (فاشلة) على المقاومة ولبنان صيفَ عام 2006.
قبل حرب تموز 2006 وبعدها، طالب الفريق الحاكم حزب الله بدمج المقاومة بالجيش اللبناني أو بوضعها تحت إمرته لئلا تصبح دولةً ضمن دولة. رفض حزب الله الطلب لسببين: الأول، عدم وجود دولـة بمفهومها الصحيح وبالتالي عدم قدرة الجيش بوضعه الحالي على استيعاب عملية الدمج. الثاني، عدم وجود استراتيجيا وطنية للدفاع متوافق عليها كي يُصار إلى مواجهة إسرائيل على أساسها.
كل ذلك زاد أزمة لبنان المزمنة تعقيداً وأدى إلى انفجار أزمات اقتصادية واجتماعية حادّة أهمها أزمات الكهرباء، وسلسلة الرتب والرواتب، والنفايات، والإنترنت، ناهيك عن تجاوز الدين العام مبلغ 80 مليار دولار أميركي.
بات واضحاً أن أي تسوية سياسية في ظلّ موازين القوى السائدة ستكون تسويةً ظرفية قصيرة الأمد، قوامها المزيد من الشيء نفسه، أي المزيد من التصارع وتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ داخل النظام الطوائفي الكونفدرالي الفاسد.
هكذا بات اللبنانيون أمام حقيقة عارية هي أن النظام القائم والشبكة السياسية القابضة أصبحا يشكّلان خطراً على الكيان، وأن السبيل الوحيد لتفادي الانهيار هو في التوافق على تسوية تاريخية لتجديد القيادات السياسية وتمكين قوى شابة ونهضوية من إعادة تأسيس لبنان دولة ووطناً.
الحق أن مبادئ التسوية التاريخية قد جرى التوافق عليها مبدئياً وصوغها في اتفاق الطائف 1989الذي أضحـى في أحكامه الأساسية جزءاً لا يتجزأ من الدستور. غير أن أياً من أحكامه الأساسية لم ينفّذ. مردّ التقصير فسادُ القوى المتنفذة في الشبكة الحاكمة وسوء إدارة التنوّع اللبناني، والتدخلات الخارجية. لذلك، وبعد كلّ ما عاناه لبنان واللبنانيون في الماضي وما ينتظرهم من تحدّيات في الحاضر والمستقبل، بات المخرج الرئيس من أزمتهم المزمنة بناء الدولة المدنية الديمقراطية على أساس حكم القانون والمشاركة والعدالة والتنمية.
مع التوافق على قيام الدولة المدنية الديمقراطية والجدّية في بنائها يتعمّق الولاء الوطني، وتتعزّز رابطة المواطنة، وتتوسع قاعدة القوى الوطنية النهضوية، ويصبـح بإمكانها الانتظام في جبهةٍ عريضة بصيغةِ مؤتمر وطني دائم للإصلاح الديمقراطي ومواجهة إسرائيل والإرهاب التكفيري. بذلك يصبح المؤتمر الوطني المنشود تنظيماً سياسياً عابراً للطوائـف وأعلى من مكوّناته الأصلية، ومؤسِّساً لقاعدة وطنية ومواطنية واسعة أشبه ما تكون بكتلة شعبية تاريخية، ولاؤها للدولة بما هي تعبير عن إرادة الشعب والصالح العام، ودستورها ميثاقُ العيش المشتـرك، وبرنامجها اتفاق الطائف بما هو منطلق لتجاوز الطائفية تدريجاً وعلى مراحل، ونهجها مأسسة الديمقراطية وتعزيزها وذلك بانتخاب مجلسين، واحد للنواب على أساس وطني لاطائفي، وآخر للشيوخ لتمثيل الطوائف، وباعتماد قانون ديمقراطي للانتخاب على أساس التمثيل النسبي والدائرة الوطنية الواحدة، وقانون متوازن للامركزية الإدارية، وسلطة قضائية مستقلة يديرها مجلس أعلى منتخب من القضاة أنفسهم.
إن العمل من أجل انعقاد المؤتمر الوطني للإصلاح الديمقراطي بات ضرورة استراتيجية، وبناء الجبهة الوطنية الديمقراطية العريضة بأفق كتلة تاريخية هو، بالدرجة الأولى، مهمة القوى اللبنانية الحية.
في إطار الإعداد للمؤتمر، يجب إيلاء وثيقة البرنامج المرحلي للإصلاح والتغيير عناية بالغة لتأتي، في مبناها ومعناها، مَعْلَماً بارزاً من معالم تطور لبنان الحضاري، وعنواناً ساطعاً لافتراقه عن زمن الطائفية والاستبداد والفساد، وولوجه عصر الديمقراطية والتنمية والتقدم والإبداع. من هنا تتبيّن الحاجة إلى تضمين الوثيقة مواقف متقدمة من قضايا بارزة على النحو الآتي:
• اعتبار الدولة المدنية الديمقراطية القادرة والعادلة جوهر التجربة الوطنية اللبنانية المعاصرة ورسالتها إلى عالم العرب.
• اعتبار التعدّديّة خصوصية لبنانية وعربية تغتني بالديمقراطية وتتغذى بالعروبة الحضارية وتحتمي بالحريات العامة وحقوق الإنسان.
• بناء مفهوم المواطنة بتجاوز الطائفية تدريجاً في الدولة والمجتمع من خلال خطط مرحلية تتناول ميادين السياسة والتربية والتعليم والثقافة وأنشطة المجتمع المدني، ومساواة المواطنين أمام القانون، وسنّ قانون للحماية من التمييز الطائفي.
• كفالة حرية العقائد الدينية أمام القانون، وممارسة شعائرها شرط عدم الإخلال بالنظام العام، وتكريس حياد الدولة بين المؤسسات الدينية.
• سنّ قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية.
• توزيع المقاعد في مجلس الشيوخ بالتساوي بين الطوائف الست الكبرى الإسلامية والمسيحية، وكذلك بين طوائف الأقليات الإسلامية والمسيحية وذلك تعزيزاً للوحدة والتوازن الوطنيين والمساواة أمام القانون.
• دعم استقلال السلطة القضائية بتمكين القضاة من انتخاب غالبية أعضاء مجلس القضاء الأعلى بصفته المرجع المختص بتعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم وتحديد تخصصاتهم.
• اعتماد نظام اللامركزية الإدارية في ظلّ سلطة مركزية فاعلة.
• وضع قانون ديمقراطي عصري للأحزاب والجمعيات.
• اعتبار المقاومة قوة رادعة في خدمة استقلال لبنان وسيادته، والعمل على تكاملها مع الجيش اللبناني من خلال استراتيجيا للدفاع الوطني تكفل مركزية القيادة ووحدة العقيدة القتالية وحماية الشعب والأرض.
مستقبل النظام
بعض جوانب الماضي غالباً ما يمتدّ في الحاضر. كذلك الحاضر يمتد في المستقبل. الواقع أن كثيراً من ماضي لبنان، على صعيد الموروث السياسي الطائفي، بقي ممتداً في حاضره، فهل يمتد كثيره أو قليله إلى مستقبله؟
إنه السؤال – الهاجس. سؤال اليوم والغد.
في محاولة الإجابة عن هذا السؤال، يجد المواطن المسؤول نفسه محكوماً بأن يضع الحاضر في حسابه. والحاضر ينطق بحقيقة جارحة هي أن لبنان ما زال في حال اللادولة، أو في حال «الدولة الفاشلة»، على حدّ تعبير مجلة «فورن بوليسي» Foreign Policy الأميركية، إذ يحتل المرتبة 18 من أصل 60 «دولة» في حال ٍمماثلة. إنها، في رأيي، حال «الفوضى المنظمة» التي يُحسن أهل الشبكة السياسية القابضة نشرها وضبطها وفق وتيرة تحددها في الغالب مصالحهم الفاجرة.
النظام، إذاً، راتع في حال «اللادولة». استمراره في هذه الحال، وسط الأزمات والتحديات الإقليمية والدولية المتفاقمة، يُشكّل خطراً ماثلاً على الكيان وقد يتسبب، عاجلاً أو آجلاً، في انهياره.
تفادي الانهيار يتطلب معالجة مركّزة وموضوعية. هذه بدورها تتطلب وقتاً. إنها مسار وليست مجرّد قرار. غير أن مباشرتها باتت حاجة استراتيجية لا تحتمل التأخير.
إن الدولة المدنية الديمقراطية هي خيارٌ ونهجٌ نابعان من تشخيص لحال لبنان المرَضَية من حيث أن اللبنانيين يتصرفون، حيال الحاجات والخيارات والتحديات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كأعضاء في كيانات طائفية أو مذهبية حيناً أو كأبناء شعب واحد حيناً آخر.
حيال الحاجات والخيـارات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية يتصرف اللبنانيون، غالباً، كأبناء شعب واحد، إذ ليس ثمة اقتصاد مسلم وآخر مسيحي، مهن وضمانات صحية واجتماعية مسلمة وأخرى مسيحية، ضرائب ورسوم مسلمة وأخرى مسيحية. أما حيال الحاجات والخيـارات والتحديات السياسية والاستراتيجية فيتصرف اللبنانيون، غالباً، كأعضاء في كيانات طائفية أو مذهبية. يتجلّى ذلك أكثر ما يكون حيال مواضيع الحريات العامة؛ تعديل الدستور؛ الحرب والسلم؛ المعاهدات والاتفاقات الدولية؛ الموازنة العامة للدولة؛ الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى؛ التنظيم أو التقسيم الإداري للدولة؛ قانون الانتخابات وحل المجلس النيابي؛ قانون الجنسية؛ وقوانين الأحوال الشخصية.
نرى، والحال هذه، أن يجري تخصيص مجلس الشيوخ المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور بصلاحية النظر في القضايا والمواضيع الأساسية والاستراتيجية، على أن تبقى لمجلس النواب، المفترض أن يجري انتخاب أعضائه على أساس وطني لاطائفي، صلاحية شاملة بكل القضايا والمشاريع، بما فيها تلك التي ينظر فيها مجلس الشيوخ لكونه صاحب ولاية شاملة للنظر والبتّ بكل القضايا والمواضيع بحكم وظيفته التشريعية.
إن عدم اعتماد خيار الدولة المدنية الديمقراطية، والتلكؤ في اعتماد النهج المؤدي إلى بنائها وضمان حسن أدائها سيفضيان إلى واحدٍ من احتمالين، وربما إلى كليهما:
الاحتمال الأول، أن يحدث المزيد من الشيء نفسه، أي أن يبقى لبنان في حال اللادولة، وبالتالي ساحة متاحة للاستعمال من جانب أطراف محلية وإقليمية ودولية، لتحقيق أغراض أو تصفية حسابات شخصية أو سياسية أو استراتيجية.
الاحتمال الثاني، أن يحاول أحد الكيانات الطائفية أو المذهبية أو السياسية، منفرداً أو بالاشتراك مع كيانٍ أو أكثر، بقواه الذاتية أو بالتحالف مع قوة إقليمية أو دولية، السيطرة على النظام وسلطاته ومقدراته وتوجيهه وجهةً معينة تخدم أهدافه ومصالحه.
يسترعي الانتباه والاهتمام، في هذا المجال، نشوء ظاهرة بالغة الأهمية في لبنان وبلدان المشرق العربي، كما في سائر بلدان غرب آسيا. إنها ظاهرة نشوء كيانات سياسية غير حكومية، كتنظيمات المقاومة مثلاً، تمتلك قدرات اقتصادية وفنية وعسكرية وازنة، كما تتمتع بدعم أهلي مؤثر وعابر لمختلف الفئات التي يتكوّن منها الشعب أو الاجتماع السياسي في بلد المنشأ أو مسرح العمليات، أو نابع من أحد مكوّنات الشعب أو الاجتماع السياسي كالطائفة أو المذهب أو الإثنية ذات الكثافـة العددية.
تزداد فعالية هذه الكيانات غير الحكومية إذا ما حظيت بدعم قوة إقليمية أو دولية مقتدرة، إذ يصبح بإمكانها خوض معارك بل حروب على نطاق واسع ولمدة طويلة. هذه المواصفات تنطبق على تنظيمات ناشطة حالياً كالمقاومة اللبنانية (حزب الله) والمقاومة الفلسطينية («حماس» والجهاد الإسلامي) والمقاومة العراقية (التنظيمات المنضوية في إطار «الحشد الشعبي»).
إلى حزب الله، فإن كيانات أخـرى في لبنـان ذات تكوين طائـفي غـالب، كـ«القوات اللبنانية» و«تيار المستقبل»، لديها القدرات والإمكانات والكادرات اللازمة لتوليد فعالية ميدانية مؤثرة تتيح لها ممارسة ضغوط على النظام قد ترتقي إلى حدّ تطويعه والسيطرة عليه. لكن في غمرة الصراع قد تنتدب قوى المقاومة اللبنانية وسائر القوى الوطنية الحية نفسها للاضطلاع بدور إصلاحي إجرائي مباشر يتوسل العصيان المدني في حال واصل أركان الشبكة السياسية القابضة والكيانات الفئوية التي تواليها اعتماد تقليد الاصطراع والاقتتال لتمييع المسألة الإصلاحية والتهرّب من واجب الدفاع عن لبنان ضد خطر العدوان الصهيوني وتهديد الإرهاب التكفيري.
مع كيانات غير حكومية، قوية وفاعلة كتلك المنوّه بها، يتحوّل لبنان إلى ساحة لحروب أهلية، محلية وذات بعد إقليمي، مديدة وكارثية.
هذا الاحتمال يجب ألّا يتحول أبداً إلى خيار. واجب القوى الوطنية الحية بل قدرها أن ترتفع إلى مستوى الأخطار المحدقة بالكيان، بما هو مشروع دولة ووطن، لمباشرة نضال موصول في سبيل بناء الخيار الأول والأمثل: الدولة المدنية الديمقراطية.
المخرج من الأزمة
لبنان اليوم في حال فراغ «رسمي»، بمعنى سلطوي:
- في 24 أيار 2014 شغرت سدة رئاسة الجمهورية بانتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، ولم يتمكّن مجلس النواب من انتخاب رئيس بديل رغم دعوته 40 مرة لعقد جلسة مخصّصة لهذه الغاية.
- منذ 3 تشرين الثاني 2014 ولغاية أواخر تشرين الثاني 2015 لم ينعقد مجلس النواب، لا في جلسة عامة ولا في جلسة استثنائية، لممارسة مهامه التشريعية.
- من 9 تموز ولغاية 25 آب 2015، ثم من 28 آب ولغاية منتصف تشرين الثاني 2015 لم ينعقد مجلس الوزراء، بسبب قرار بعض الكتل البرلمانية مقاطعة وزرائها لاجتماعاته.
- شلل السلطتين التنفيذية والتشريعية انعكس على الإدارات والمؤسسات والمرافق العامة الخدمية فتلاشت فعاليتها أو كادت.
- اقترن شلل الدولة بتفاقم أزمات مزمنة: الكهرباء والماء والنفايات والإنترنت، ناهيك عن تدهور الوضع الاقتصادي– الاجتماعي وتصاعد الدين العام إلى ما يربو على 80 مليار دولار أميركي.
كل هذه الأزمات والتحديات لم تحمل أهل النظام السياسي على إعادة النظر في سياساتهم أو بمعايير أدائهم، الامر الذي أدى إلى اندلاع حراكات شعبية معارضة كان أبرزها ذلك المتعلّق بالنفايات.
يقودنا الاعتراف بهذا الواقع الفاسد والمعقّد إلى استنتاج عاجل وماثل هو ضرورة استنفار مجموعات الحراك الشعبي كما القوى السياسية الإصلاحية المعارضة لأهل السلطة بغية إطلاق حملة جماهيرية واسعة تطرح مطلب إنهاء عهد سلطة العجز التي يمدّد أهلها لأنفسهم فيها، والضغط عليهم بكل الوسائل المتاحة والاستثنائية لحمل ممثليهم في مجلس النواب على إقرار قانون للانتخابات على أساس التمثيل النسبي في دائرة وطنية واحدة على مستوى البلاد كلها، وإجراء الانتخابات العامة، تالياً، بالسرعة الممكنة كي يصار بنتيجتها إلى انتخاب رئيسٍ للجمهورية، وتأليف حكومة وطنية جامعة تتولى، كأولولية أولى، وضع التشريعـات الضروريـة لتنفيذ أحكام الدستور، ولا سيما المواد 22 و27 و95 منه، ليصار بعد نفاذها إلى انتخاب مجلس نواب على أساس وطني لاطائفي ومجلس للشيوخ لتمثيل الطوائف ومباشرة إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية.
لذلك، لا غلو في دعوة قادة القوى الشعبية والسياسية الناهضة بالحملة الجماهيرية المتعاظمة إلى التخطيط مسبقاً لمواجهة احتمال امتناع أهل السلطة ومجلس النواب عن استجابة المطالب الإصلاحية المستحقة والمستعجلَة. المواجهة تكون، إذاً، باللجوء إلى تدابير استثنائية تمليها ظروف استثنائية تستدعي المباشرة، بالسرعة الممكنة، في بناء «المؤتمر الوطني للإصلاح الديمقراطي» ليتولى وضع نظام للانتخابات على الأسس المنوّه بها آنفاً وبإجراء الانتخابات وفق أحكامه باستقلال عن أجهزة السلطة الرسمية المعطلة أصلاً أو المشلولة. والأمر الأكيد أن أهل سلطة العجز عاجزون قطعاً عن تعطيل إجرائها، لا سيما أن القوى الخارجية عاجزة عن التدخل لانشغالها بأزمات إقليمية افتعلتها أو تورطت فيها، والجيش لن يتدخل لانشغاله بمهامه الدفاعية، ولتفادي انشقاقه، ولحرصه على وحدته وفعاليته. مع العلم أن الانتخابات المرتجاة هي أقرب ما تكون إلى استفتاء أو استطلاع عام يجريه «المؤتمر الوطني للإصلاح الديمقراطي» بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، وليس له أي طابع استفزازي ولا معاداة لأي جهة سياسية. وفي هذا السياق، يمكن تشريع التغيير الحاصل، عاجلاً أو آجلاً، بأن يُعتبر المرشحون الفائزون في «انتخابات المجتمع المدني» برلماناً انتقالياً لمباشرة العملية الإصلاحية الجذرية باتجاه بناء الدولة المدنية الديمقراطية.
نعم، يجب المبادرة إلى ممارسة هذا التمرين الساطع في الديمقراطية المباشرة ليكون إنجازاً نموذجياً لشعب لبنان ولكلّ شعبٍ يتوق إلى تقرير مصيره وأولويات حياته بنفسه.