هل سنذهب إلى انهيار الدولة اللبنانية، وتحلل تركيبتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية ؟ هل ما زال بإمكاننا تجنب الفوضى؟
يعيش السواد الأعظم في لبنان في جو من القضاء والقدر والعجز عن التغيير الحقيقي. قليلون يتطلعون إلى المستقبل ورسم رؤية المستقبل. حتى الحد الأدنى الحيوي للحياة الكريمة غير مؤمن، والسبب هوعجز وفساد واهتراء الطبقة السياسية الحالية المبنية على الاقطاع (العائلي/المذهبي الحالي). نظامنا الحالي متصلب ورجعي، ولم يعد يناسب عالم القرن الـ 21. لقد شهد دستورنا لعام 1943 ولادة نظام قائم على التوازن الحسابي الطائفي الذي تحطم مع بداية حرب 75.
للأسف، اتفاق الطائف لعام 1989، أعطى وزناً أكبر للتركيبة المذهبية والذي يُولّد باستمرارالعصبية والمساومات السياسية بين المتحكمين، مما يولد حالة من عدم الاستقرار الدائم للمؤسسات التي تحتوي في داخلها بذور المحاصصة والتناحرات المستمرة الذي قد يقودنا يوما نحو مزيد من تفكك هويتنا وتقسيم لبنان الفعلي.
إن التغيير الحقيقي مرهون بخروج لبنان من النظام الحالي القائم على الإقطاع الحالي المذهبي العائلي. وهو سرطان لبنان الذي نعاني منه منذ الاحتلال العثماني حتى أيامنا. ولسوء الحظ قَبِلَ المواطن اللبناني مرغماً بالحكم السياسي الذي يحوله إلى بيدق في خدمة سيده. ويكفي أن نلاحظ كيف يستخدم القادة في لبنان الغريزة لأتباعهم لحشدهم والتلاعب بهم في خدمة مصالحهم الخاصة وسجنهم داخل الانتماءات العشائرية أو المذهبية؛ عوضاً عن جمعهم حول قيم مشتركة مثل بناء الدولة والمساواة، والتنمية الاقتصادية، والتعليم، والحد من الفقر ومكافحة البطالة والتلوث. وهنا نتذكرالتحذيرالذي أطلقه منذ 100 عام جبران خليل جبران "الويل لأمة مقسمة حيث يعتبر كل طرف نفسه أمة".
ولكن ماذا يمكن فعله مع هذا الوضع من الجمود القاتل؟
هناك حاجة إلى تحول عميق في نظامنا السياسي، فلا أمل في هذه الطبقة السياسية الفاسدة، ولذلك يجب أن يتم فصل الدين عن الدولة، ويكون المواطن هو قيمة في حد ذاته، ويتحقق للمرأة الحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجل، وتسود الجدارة والنزاهة على الانتماء الطائفي أو الحزبي وتكون حرية الضمير ضرورة، ويتم فيها مشاركة المواطن في الحياة العامة الخالية من جميع أشكال الولاءات الحزبية؛ نظام جديد قائم على العلمانية يضمن كل هذه المطالب والحقوق.
بعيداً عن الأفكارالسهلة، فالعلمانية ليست نفي للأديان، إنها تسمح لهم بالقيام بدور في النقاش العام، خاصة بالنسبة للمشاريع المجتمعية المتعلقة بالضمير والكرامة الإنسانية. هذه الفكرة كانت موجودة بالفعل في القرن الـ19 مع "النهضة" حيث كان هناك بعض المفكرين العرب المسيحيين والمسلمين، مثل: بطرس البستاني، فرنسيس مراش، جرجي زيدان، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي، ....إلخ، الذين دعوا إلى الإصلاح السياسي والثقافي والديني الذي يفصل الشؤون المدينة عن المعتقدات الدينية "الشخصية".
واليوم نحن بحاجة إلى تنشيط هذا النهج، للعمل على تغيير حقيقي ومتطور للفكرعند المواطن، الذي يتم تركه في الفقر والجهل والتبعية للحفاظ على الوضع الراهن؛ فأصبحت البلاد لا تعرف حتى ما هي معاني الحرية والتحرر.
لذلك، يجب على المواطن أن يستيقظ ويتحرر من قبضة زعيمه الديني أو السياسي، لاستعادة كرامته وحقه في تقرير مستقبله. وهناك العديد من الأمثلة في عالم الأنظمة التي اعتقدت أنها أبدية وغير قابلة للكسر، ولكن العطش من أجل الحرية هزمها. فاياً كان انتمائه الديني أو الفلسفي أو العرقي، فإننا نعتقد أن الانسان يختار عاجلا أو آجلاً الحرية على أي مفهوم آخر يُفرض عليه.
يجب على المجتمع المدني أن يلعب دوره بشكل كامل في المساعدة في تحويل المجتمع وتحرر المواطن؛ من أجل تحقيق ذلك ندعو المثقفين والأكاديميين والشباب والصحفيين والنقابات ورجال الأعمال، وأيضاً المغتربين اللبنانيين ليكونوا حافزاً لهذا التغييرانصاف للهوية الوطنية والاستراتيجية الدفاعية.
إن إنشاء نظام علماني في لبنان أكثر من ضرورة لبقاء البلد، من أجل أجيالنا المقبلة، ولذلك نحن بحاجة للشجاعة والمثابرة. هذه هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على وحدة لبنان على المدى الطويل، وليكون أيضاً نموذجاً يُحتذى للدول المجاورة.
*سركيس أبوزيد إعلامي وكاتب
*فارس لويس - رئيس رابطة خليل جبران في فرنسا