العلمانية
أين الشباب اللبناني من التأثير الطائفي والمناطقي والحزبي؟

رامز أنطاكي

الأربعاء 11 نيسان 2018

من يتابع الإعلام اللبناني يلاحظ أن المساحة الأكبر من التغطية الإعلامية اليوم في لبنان تتكلم عن الانتخابات النيابية المقبلة في شهر أيار (مايو) بعد غياب 9 سنوات إثر 3 تمديدات لولاية المجلس النيابي الحالي. جديد هذه الانتخابات ليس فقط القانون الانتخابي المستحدث والجدلي الذي ستجرى الانتخابات وفقه، بل وجود كتلة من قرابة نصف مليون شاب وشابة سيشاركون في العملية الانتخابية تصويتاً للمرة الأولى في حياتهم بعد التمديدات التي حرمتهم المشاركة قبلاً، وهذه الكتلة يمكن لها أن تكون شديدة التأثير على نتائج الانتخابات المنتظرة.

من هذا المنطلق وضمن مشروع «ناخبون مختلفون لوطن واحد» قام مركز رشاد للحوكمة الثقافية في مؤسسة أديان بإجراء دراسة ميدانية حول «وقائع تأثير الطائفية في الخيار الانتخابي للشباب اللبناني» بهبة من حكومة الولايات المتحدة الأميركية، وشملت الدراسة بحسب منسق المشروع طلال زيدان عينة من 1000 شاب وشابة من الناخبين للمرة الأولى من عمر 21 إلى 28 سنة آخذة في الاعتبار توزعهم على 26 قضاء وعلى الطوائف اللبنانية على نحو يتناسب مع النسب الممثلة للشعب اللبناني كما وردت لدى وزارة الداخلية اللبنانية.

الدراسة أتت بنتائج لافتة إذا اعتبر 51.7 في المئة من المستطلعين أن قانون الانتخابات الجديد أفضل من القانون السابق، وهو أمر مستغرب بعض الشيء نظراً للانتقادات الواسعة التي طاولت وتطاول القانون الجديد. فهو معقّد وغير مفهوم من قبل الكثير من المواطنين، كما أنه يسمح بسبب «الصوت التفضيلي» و «الحاصل الانتخابي» بنجاح مرشح من اللائحة (أ) على مرشح من اللائحة (ب) وإن كان هذا الأخير قد نال عدداً أكبر من الأصوات، إضافة إلى فرض القانون الجديد على الأحزاب والتيارات والشخصيات السياسية تحالفات متناقضة وغير مفهومة أقصت دور البرامج الانتخابية في تحديد خيارات الناخبين. يفسر بعضهم رقم 51.7 في المئة الذي أوردته الدراسة بأنه تفضيل القانون الجديد السيء على القانون القديم الأسوأ، لا لأن القانون الجديد هو القانون المثالي المنشود.

قرابة ثلث هؤلاء الذين رأوا القانون الجديد أفضل من سابقه اعتبروه يحقق المساواة بينما قال ربعهم أنه «يعطي لكل قوة سياسية حجمها»، أما الذين اعتبروا القانون الجديد ليس أفضل من سابقه فردوا سبب رأيهم إلى قضاء القانون الجديد على الشخصيات المستقلة (35.5 في المئة) وتعزيزه للرشوة الانتخابية (20.9 في المئة). وفي إطار الكلام عن القانون الانتخابي رفض 70.1 في المئة من العينة المستطلعة قانون انتخاب يصوت على أساسه الناخب لنائب من طائفته، أي كما جاء في مشروع القانون الانتخابي المسمى «الأورثوذكسي».

القانون الانتخابي الجديد يفرض التصويت للوائح لا لأفراد، فحتى الصوت التفضيلي لمرشح في لائحة سيحسب صوتاً لكل اللائحة، وهنا قال 35.3 في المئة من المستطلعين أن منح صوتهم للائحة معينة سيكون على أساس دعم حزب سياسي معين، وقال 14.7 في المئة منهم أن منح الصوت للائحة هو لدعم معارفهم أو أصدقائهم. أما بخصوص الصوت التفضيلي المخصص لمرشح واحد في اللائحة فعبرت نسبة مرتفعة هي 57.9 في المئة عن رغبتها بمنح صوتها لدعم مرشح كفوء، في مقابل 21.6 في المئة لدعم مرشح حزب معين.

إحدى النتائج التي يجب التوقف عندها في الدراسة هي الإجابات على سؤال «من يؤثر في خيارك الانتخابي بشكل أكبر؟» حيث جاءت أكبر نسبة (41.2 في المئة) لجواب «شخصية المرشح» وتلتها نسبة 32.7 في المئة «لا أحد» بينما أتى تأثير الحزب في آخر القائمة بما نسبته 1 في المئة فقط. هنا يبرز اختلاف الكتلة الشبابية الناخبة للمرة الأولى عن ما يعرف عن السلوك الانتخابي للأجيال الأكبر، والتي لا يبدو أن الكتلة الأكبر من المرشحين للانتخابات النيابية يعون أهميتها ويخاطبونها بالطرق الصحيحة.

الأرقام التي تقدمها الدراسة قد توحي بتناقض في الإجابات الأمر الذي يفسره رئيس مؤسسة أديان الأب فادي ضو بتناقض النظام اللبناني الانتخابي «الذي يربط الخيار الطائفي بالمقعد السياسي»، فالشباب في العينة في نسبة كبيرة منهم عبروا عن رفضهم للقانون الانتخابي الطائفي ولكن في ظل واقع تطبيق هذا القانون يعبر الأشخاص أنفسهم عن رغبتهم في ألا يكون هذا النظام على طائفة من الطوائف، ورأى ضو في هذا التعبير دليل على وعي الشباب، وعلى رؤيتهم الواقعية لا الحالمة في شأن قضايا وطنهم وهمومه.

المداخلات التحليلية والمشاركات في ورشة العمل التي شهدت إطلاق الدراسة يوم الثالث من نيسان (أبريل) في بيروت شكك بعضها في بقاء نتائج الدراسة على ما هي عليه مع تقدم الوقت واقتراب موعد الانتخابات، فتصعيد الخطاب الطائفي المتشنج من قبل بعض المرشحين الأساسيين سيؤثر في آراء وتوجهات الشباب وربما يفضي إلى نتائج فعلية جديدة تخالف ما أتت به الدراسة، وفي هذا الإطار يعلق الأب ضو بقوله قرابة نصف المستطلعين قالوا إنهم يتأثرون بالشحن الطائفي، هؤلاء مؤهلون للتأثر طائفياً، والعكس صحيح، مما سيؤدي إلى ذهاب الطرفين إلى توجه أكثر راديكالية، الأول طائفياً والثاني نحو الخيارات الأخرى غير الطائفية.

الدكتور في العلوم السياسيّة إيلي الهندي عرض تحليله للتقرير مشيراً إلى اعتبار الأكثرية الساحقة من المستطلعين أن اللبنانيين طائفيون. ولكن نصفهم فقط اعتبر أن انتماءه الطائفي يؤثر في خياراته السياسية، ما يعني أنهم يتّهمون الآخر بالطائفيّة في حين يحاولون إبعاد هذه الصفة عن أنفسهم.

الدكتور في العلوم السياسية علي فضل الله رأى أن الشباب الذين يصوّتون للمرّة الأولى يعكسون واقعهم المجتمعي في اتجاهات التصويت، لكنهم يبدون ميولاً للتغيير في الوقت نفسه.

بعد نشر هذا التقرير ستقدم خطة عمل تتبنى مؤسسة «أديان» تنفيذها ضمن المشروع نفسه والتي ستشمل تدريب مجموعة من المدربين الفاعلين في هذا الإطار من منظمات المجتمع المدني، على مفاهيم المواطنة الحاضنة للتنوع والصالح العام ومقاربة الأداء الانتخابي من هذا المنطلق.

وستجري دراسة ثانية بعد الانتخابات للمقارنة بين موقف الشباب قبل الانتخابات وممارستهم لحقهم الانتخابي، وتقييم مدى إسهام هذا المشروع في مساعدتهم لبناء خياراتهم الانتخابيّة على أساس وطني وليس طائفي.



المصدر: الحياة