العلمانية
الطائفية مقيمة فأين المواطنية؟

سركيس أبوزيد

الخميس 11 أيار 2017

«نحو دولة المواطن» هو محور التقرير الوطني الرابع للتنمية البشرية في لبنان، الذي صدر مؤخراً بعد حملة اعلامية اعلانية مميزة. توزع التقرير على ستة محاور وشكل الفصل الأول منه الاطار الفكري والتحليلي لمشروع المواطنة. وقد اعتبر أن «المواطنة الفعالة» هي خارطة الطريق نحو المشاركة البناءة في الحياة العامة، انطلاقاً من الايمان بقدرة الأفراد، اذ كما قالت مارغريت ميد، ان «عددا ضئيلا من المواطنين الواعين والملتزمين يستطيعون تغيير العالم بأسره».


فهل تحل المواطنية محل الطائفية التي تأسر الدولة والمجتمع والأفراد في لبنان؟


سوف نتوقف بشكل خاص عند القسم الأول من التقرير، وهو تحت عنوان «الأمة الدولة والمواطنة»، بكونه يشكل المدخل لتحليل مفهوم المواطنة وصلاتها بتكوين الهوية، وعلاقاتها بالديمقراطية ودور الدولة في ترسيخها.


يعتبر التقرير أن المواطنة تمثل «مقولة اجتماعية للتعامل بطريقة شاملة مع طبيعة الجماعة»، وهي نابعة من النظرية السياسية الليبرالية وعقيدتها الفردانية. والمواطنة لا يمكن حصرها بجملة من الخدمات (الحقوق والواجبات)، اذ أن لها صفة سياسية ملازمة باعتبارها «مقولة تنطوي على طريقة الوجود في الحياة العامة».


ويحدد التقرير أكثر أشكال المواطنة شيوعا بالمواطنة الوطنية، أي تلك التي تربط الأفراد بكيان سياسي ذي سيادة وبمجتمع محدد.

 


الأسطورة المدنية


يستند التقرير إلى نظريات غربية في «نشأة الدول ـ الأمم» وارتباطها بما يسميه «الأسطورة المدنية» أو «المجتمع المتخيل» للأمة، التي تعتبر نفسها منتمية إلى كيان سياسي ذي تاريخ مشترك متخيل، مستشهدا بـ«سميث» الذي يقول «الأساطير تخلق الهويات السياسية». و يتابع التقرير: «تمتلك جميع الدول أساطيرها المدنية بحيث تصبح أساسا لايديولوجية الدولة السياسية».


بناء على هذه القاعدة، ينطلق التقرير ليؤكد دور «بناء الأمة وتشكيل الدولة في مشروع تكوين جماهير وطنية» مجردة من الأهواء والتجمعات الطائفية ذات الطابع الخاص.


ويعتبر التقرير أن «نشأة المواطنة الوطنية وديمومتها، هي نشوء الأسطورة المدنية للدولة ـ الأمة». كما يذكر «ان الأسطورة الأهم والأثبت من أي قول آخر هي التعددية الطائفية. هذه الأسطورة تحكي لنا قصة لبنان بوصفه بلدا مركبا من مجتمعات طبيعية محددة دينيا، وهذه المجتمعات الدينية (أو الطوائف) كانت موجودة قبل نشوء الدولة اللبنانية، وقد حافظت على استمراريتها وتماسكها التاريخي، وبات لكل من هذه الطوائف روابط واسعة مع قوى خارجية تنعكس تداعيات مزدوجة على دور الدولة، ما أدى إلى «تفكك مفهوم المصالح الوطنية أمام التدخلات الخارجية» فأصبح النظام أداة لتمثيل الطوائف.


لكن التقرير لا يتحدّث عن تداخل وتقاطع الاسطورة المدنية والأساطير الخاصة بكل طائفة، خاصة أن الطوائف موجودة قبل الدولة وعلى امتداد أوسع مكانياً من حدود الدولة اللبنانية.

 


المواطنية في المرجعية الغربية والعربية


حاول هذا الفصل أن يقدم تحليلاً تفسيرياً لمفهوم المواطنة وصلاتها بالهوية ودور الدولة، وكشفاً بالمكونات السياسية والاجتماعية والثقافية للمواطنة المتكاملة. لكن من خلال العرض، اكتفى معدّو التقرير بالاشارة إلى نظريات غربية وإسقاطها على الواقع اللبناني.


ان تعميم فكرة المواطنة واحالتها إلى مرجعيتها في التجربة التاريخية الغربية، يجب ألا يستبعد ضرورة المقارنة مع مرجعيات وتواريخ أخرى. صحيح أن مفهوم المواطنة أصبح عالميا، لكن من المفيد اجراء مقارنة بين مصطلح «مواطن» و«مواطنية» في المرجعية العربية، وكلمة citoyen أو citizen في المرجعية الغربية، وهو مصطلح يفيد معنى الانتماء إلى المدينة، التي هي هيئة جماعية، و«المواطن» هو اسم يطلق على من هو عضو في هذه الهيئة ـ المدينة. تطور هذا المفهوم الأثيني مع تطور مفهوم الدولة المدينة إلى الدولة الأمة، فحل مفهوم المواطن الفرد محل مفهوم الحشد والجماهير والرعية.


أما في المعاجم العربية، فالمواطن «هو الذي نشأ معك في وطن واحد، أو الذي يقيم معك فيه»، وهو اشتقاق من الوطن، وقد عرفه معجم لسان العرب بما يلي: «الوطن هو المنزل الذي تقيم به، وهو موطن الانسان ومحله».


تعج أدبيات التراث العربي بالكلام عن حب الوطن والموطن والحنين إلى مكان اقامة الإنسان، وهي عبارة عن مشاعر وجدانية تعبر عن الرابط بين الانسان والمكان من دون اكتسابها بعداً حقوقياً. ويعتبر رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873) والمفكر والمعلم بطرس البستاني (1819 ـ 1883)، من أوائل العرب الذين استخدموا كلمات وطنية ووطني وابن الوطن، بمفهوم قريب لناحية الحقوق والواجبات.


كما أن الدستور العثماني في العام 1908 استخدم مصطلح: «المواطنية العثمانية» للاشارة إلى مفهوم الجنسية أو الهوية التي أسست له «الدولة الوطنية»، وكانت بداية التحول من مفهوم الرعية إلى اكتساب الجنسية وهو حق المواطنية في الدولة.


لذلك، يتضمن مفهوم المواطنة الحديث البعد المدني والبعد الوطني لهوية الفرد. كذلك من جهة الدولة، فالدولة تنظر إلى مواطنيها بعين المساواة وتزيل الفوارق في ما بينهم ليصبحوا متساوين أمام القانون، مقابل أن تكون أولوية ولاء الفرد لهذه الدولة.

 

بناء الأمة


يرفع معدّو التقرير شعار الأمة في عنوان الفصل الأول، من دون تكبّد عناء شرح معنى أو مفهوم أو مدلول هذه الكلمة، مع العلم أنها كانت دائماً محل جدل وخلاف بين الاتجاهات اللبنانية المختلفة، لما لها من مضمون عقائدي ايديولوجي متناقض. لذلك، تفادى الميثاق الوطني واتفاق الطائف الاشارة إلى الأمة، كما تجنب استخدامها في النصوص وشرحها.


وتعبير «بناء الأمة» الذي استعمله التقرير أكثر من مرة، يفيد باللغات الأجنبية أحياناً، بناء كيان سياسي، وليس أمة بالمعنى المتعارف عليه باللغة العربية.


وبقدر ما ركز التقرير على مفهوم الدولة/ الأمة وعلاقته بالأساطير المدنية والمجتمع المتخيل والهويات السياسية، تجاهل ضرورة شرح مفهوم الأمة، واكتفى بإسقاطه على الواقع اللبناني. مع العلم أن شرح هذا المفهوم يعتبر أمراً بالغ الأهمية والخطورة، بخاصة أن الأزمات في لبنان سرعان ما تتحول إلى أزمات سياسية وكيانية لأنها تطال بنية النظام والهوية معاً، وهذا ما يثير مخاوف السياسيين والمرجعيات على مصير الكيان كلما لاحت أزمة ما في الأفق.


وخلافات اللبنانيين ليست محصورة بالسياسة وحصص الطوائف فقط، بل هي تطال الهوية. ولهذا السبب، وعند كل منعطف تاريخي، يتم التوافق على صيغة مركبة للهوية:


الميثاق الوطني في العام 1943 قائم في مضمونه على «اللاءين» الشهيرتين «لا» المسيحية للوحدة السورية أو العربية، و«لا» المسلمة للوصاية الفرنسية، ما أنتج هوية مركبة على أساس تدبيج حل وسطي بين دعاة الوحدة ودعاة الاستقلال، فاعتمدت عبارة «لبنان ذو وجه عربي».


وفي اتفاق الطائف 1989، تمت الموافقة من جديد على صيغة مركبة للهوية تنص على أن لبنان «وطن نهائي»، لكنه «عربي الهوية والانتماء... وتجسد الدولة اللبنانية هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء».


وبالرغم من كل تلك «الهويات»، ما زالت هوية لبنان عرضة للخلافات والتصدع، ولا يمكن بالتالي اعتماد مقولة الأمة، وكأنها مفتاح متفق عليه للهوية.


هذا ما يؤكده التقرير نفسه في الفصل السادس والأخير، فيدعو إلى «الدخول في نقاش وطني حول رؤية اللبنانيين لوطنهم. ومن الضروري أن يجيب نقاش كهذا عن السؤال التالي: ما الذي يجعل من لبنان وطنا أو أمة؟».


ويتحدث التقرير عن الدولة / الأمة في لبنان، كأنها معزولة عن محيطها العربي وتحديات الصراع العربي الاسرائيلي، اذ يتحدث أحياناً عن «احتلالات عسكرية» من دون تحديد هويتها أو التمييز فيما بينها.


كما يتكلم عن المتخيل الطائفي وعلاقات الطوائف بالخارج والاستقواء بها، من دون التوقف عند التداخل الاجتماعي والمصلحي والأهلي بين لبنان وانتمائه العربي وعلاقاته الاقتصادية ـ الاجتماعية التضامنية مع هذا العالم.

 

حلقة مفرغة


ويطرح التقرير اشكالية مقفلة تدخلنا في حلقة مفرغة. فمن جهة يؤكد ان فقدان السلطة على المستوى الوطني ولد أزمة في المقدرة السياسية للدولة اللبنانية وحقها في السيادة على الحدود والموارد والنفوذ، لذا «جرى تفويض دور الدولة كحكم بين المجموعات المختلفة وتقلصت قدرتها على تطبيق القوانين». ومن جهة أخرى يعود ليؤكد ان تسرب الطائفية السياسية إلى كافة مظاهر الحياة العامة أدى إلى تحول الطوائف إلى كيانات شبه مغلقة وذات اكتفاء ذاتي يجري تقديمها غالباً «كبدائل عن الدولة».


السؤال المطروح هنا: اذا كانت الدولة لا دولة، واذا كانت الطوائف هي «الوحدات الاجتماعية والسياسية والدينية الأولية للمجتمع»، كيف يتحول الفرد الطائفي إلى فرد مواطن؟ أم أن المواطن هو مجرد افتراض موجود بالقوة لا بالفعل؟


الخلل المنهجي في هذا المنطق ينطلق من نظرته الخاطئة إلى الطوائف، وكأنها كتلة تاريخية متماسكة عبر التاريخ. وفي هذا فهم خاطئ وقاصر عن ابراز التناقضات العائلية والطبقية والمناطقية والسياسية والاجتهادية داخل الطوائف والمذاهب.


اذ قد يتحد نسبياً اتجاه طائفي معين وفي ظرف استثنائي محدد، لكن المجرى العام للطوائف ليس موحداً. غير أن الطائفيين يعمّمون العصبية الطائفية المغلقة على ذواتهم وعلى الآخرين، من أجل تبرير سلوكهم واستنفار العصبية تحت شعار التضامن الطائفي ووحدة الطائفة.


وينطلق التقرير من اعتبار التعددية الطائفية «أسطورة مدنية»، فيما كان من المفيد الاضاءة على التعددية داخل كل طائفة، حتى تكون هناك امكانية اجتماعية لظهور مواطن خارج القيد الطائفي، وهو بالتأكيد موجود.


ويعتبر التقرير أن «تقاسم السلطة بين المجموعات الدينية والسياسية، واعتماد الغموض والضبابية في النصوص الدستورية والميثاقية، عزز موقع الطائفية كسلطة أساسية ومرجعية وكممر إلزامي للأفراد إلى مؤسسات الدولة».


هذا التعميم التبسيطي صحيح في جانب منه، لكن الواقع يشمل جوانب اخرى مما يفرض دراسة معمقة لطبيعة السلطة في لبنان، وهي مركبة من تحالف طائفي اقطاعي رأسمالي. ولأن السلطة مركبة من قوى متناقضة المصالح والاتجاهات، فهي تفسح المجال موضوعياً لتسرب اتجاهات إصلاحية ووطنية ومدنية، نجحت في لحظة معينة في إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية في مجلس الوزراء. لكن القوى الطائفية عادت ونجحت في الانقلاب عليه وتجميد تنفيذه.


هذه السابقة وغيرها، تؤكد إمكانية كسر القيد الطائفي لمصلحة نهج وطني يعتمد المواطنية حلاً خارج الكيان الطائفي المغلق. وهذا النهج موجود بالفعل والواقع المجتمعي، بالرغم من أنه ليس الغالب بعد.


إذاً، المواطنية الافتراضية هي وليدة المنطق المقفل على «وحدة الطائفة» و«وحدة السلطة». بينما تعمل المدرسة الاجتماعية الواقعية على تفكيك الطائفة والسلطة من أجل بناء «كتلة تاريخية» تحمل المواطنية مشروعاً سياسياً للإصلاح والنضال، مستندة إلى قوى اجتماعية موجودة في الواقع المجتمعي، لها مصلحة ورؤية في قيام دولة مدنية تكرس سلطة القانون والمساواة وحقوق المواطنية.


من مخاطر نهج الحلقة المفرغة الذي اعتمده التقرير، أنه يؤدي إلى نتيجة معاكسة لهدف المشروع المعلن وهو «نحو دولة المواطن». فهو يخلص إلى حل توفيقي يحاول ان يجمع بين الطائفية السياسية والمواطنية، من أجل «تحقيق التوازن بين حقوق المواطنين الأفراد وبين حقوق الطوائف، بين متطلبات المواطنية وبين التعددية الطائفية. وفي هذا السياق تكون الطائفية نوعاً من الايديولوجيا السياسية».


في الواقع، هذا التعايش القسري ـ حكماً ـ لا يؤدي إلى «دولة المواطن» التي يدعو اليها التقرير، ولا إلى ارساء المواطنية الكاملة التي بشرنا بها. فالحل الوسطي أو المرحلي الذي خرج به، ما هو الا اعادة انتاج للأزمة بشكل مختلف، سبق أن أشار اليه الميثاق الوطني واتفاق الطائف. لكن المؤقت أصبح دائماً، ولم يتم تجاوز الطائفية بهذه الطريقة التوفيقية. وهذا القصور في التقرير هو نتيجة طبيعية لقراءته المجتزأة للواقع الاجتماعي اللبناني.


يقول المنطق إنه اذا كانت الطائفية السياسية أصيلة في التركيبة السياسية اللبنانية إلى هذا الحد، من المبرر عندها أن يطرح بعض المفكرين تجاوز الكيان اللبناني ذاته، من أجل تجاوز الطائفية السياسية.


واليوم، يجمع كثيرون على أن «لبنان كيان سياسي أقيم بالتوافق الدولي (العربي) وليس نتيجة بديهية لإرادة مواطنيه، ومع الزمن صار حقيقة سياسية، لكن دولته ظلت مرتهنة لذلك التوافق، الذي إن اهتز اهتزت معه...». (طلال سلمان ـ السفير 06/07/2009)
 

وعلى أن «الدولة القائمة ستبقى عاجزة بكل مؤسساتها عن حماية المواطنين... لبنان دولة اصطناعية أو زائفة... يمكن الاستغناء عنها، كما يمكن استعمالها ساحة وأبناءها أدوات». (سركيس نعوم ـ النهار 08/07/2009).


لكن يبقى السؤال المطروح: هل تستطيع المواطنية استبدال الطائفية في لبنان، ليصبح «أفراده» مواطنين منتمين إلى الوطن وليس إلى الطائفة؟
تقرير «نحو دولة المواطن»، محاولة أجابت عن زوايا من المسألة، مبقية المواطنية معلقة بين هيمنة دولة الطوائف ودولة المواطن المؤجلة.