يتناول هذا الكتاب الصادر عن المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في بيروت فكرة نشوء الدولة منذ الإغريق إلى أزمنة ما بعد الحداثة
تجيب الدراسة على جملة من الأسئلة تتعلق بماهية الدولة ودواعي نشوئها، وكيفية تشكّل أبنيتها الفلسفية والسياسية والحقوقية، وبيان وظائفها وأنواعها تبعاً لما اختبرته الحضارات الإنسانية المتعاقبة.
في ما يلي ننشر مقدمة المؤلف
***
- حظيت فكرة الدولة بعنايةٍ استثنائيةٍ منذ الإغريق وإلى أزمنة الحداثة المعاصرة. ويجوز القول إن هذه العناية لم تكن متأتِّيةً فقط عن حاجة الكيانات البشرية إلى منظومة تدبِّر لها عيشها وديمومتها، وإنما أيضًا وأساسًا عن حاجتها إلى ما يُشعِرُها بهويّتها الجمعية، وبحضورها كمُتّحدٍ اجتماعيٍ وحضاري.
الفلاسفة وعلماء الاجتماع القدماء والحديثون دأبوا على درس واستجلاء حقيقة هذا الكائن، الذي يسمى دولةً. جلُّهم انتهى إلى تصوُّر الدولة بوصفها ضرورةً وجوديةً لحضور الإنسان في الزمان والمكان. آخرون نبَّهوا على وجوب ألّا يُنظر إلى الدولة كتجريدٍ تاريخيٍ لا صلة له بالواقع الحي، أو كنَسَقٍ من القوانين ونظام الحقوق، وإنّما كظاهرةٍ تقوم على تركيبٍ معقَّدٍ من الأفكار والتصوّرات والأحداث الواقعية.
لهذا سيكون السؤال عن ماهية الدولة وبداهة حضورها في تاريخ الحضارات سؤالًا فلسفيًا بامتياز. وما ذاك إلّا لأنه سؤالٌ لا يتبدّد بمجرّد تحصيل الجواب عليه. فالدولة بما هي فكرةٌ، وبما هي ظاهرةٌ ساريةٌ في التاريخ، من أكثر المفاهيم قبولًا للتخصيب المعرفي وتوليد الأفكار. والحال، فإنّا بإزاء مفهوم الدولة نَجِدُنا أمام قضيّتين متلازمتين تلازمًا ذاتيًا: قضيةٌ أنطولوجيةٌ تتّصل بالإنسان كإنسان، وأخرى فينومينولوجيةٌ تعتني بنظام عيش ومصائر الأفراد والجماعات في التاريخ. لكن الحديث عن ماهية الدولة وهويتها هو بحدّ نفسه حديثٌ محمولٌ على الإشكال. ربما لهذا السبب سينبري المؤرخ الفرنسي جاك دونديو دوفابر إلى القول بأن معنى الدولة صعب التعريف؛ فهي - عنده - أشبه بمزيجٍ معقّدٍ من الكبرياء والتواضع، ومن السلطة الشخصية والنظام المقبول، ومن إرادة السلطة والإخلاص للخدمة العامة. إن الدولة بهذه المنزلة من الوصف تصير أشبه بموقفٍ مفتوحٍ على كل التأثيرات، وبعيدٍ في الوقت نفسه عن كلٍّ منها. إنها شعورٌ وجدانيٌ بالمسؤولية حيال المصير الجماعي للبلاد، وإزاء سلطةٍ عليا تحتفظ بسُموِّها، في الوقت الذي تُلزم نفسها بكلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ ذات صلة بالشأن العام.
لا يُقال مثلُ هذا القول إلّا لاعتقادٍ رمزيٍ مؤدَّاه أن الدولة حالةٌ أكثر عمقًا ممّا هو مسموعٌ عن حكايتها بوصفها لعبةً سياسيةً إدارية، أو مجرّد ميدانٍ لصراع القوى وتوازناتها. فإذا كانت الدولة تتمتّع بفكرةٍ مقبولةٍ بصورةٍ عامة، فإنّها مبهمةٌ في الآن عينه، حيث إن التاريخ يمنح كل دولةٍ أسلوبًا وكيانًا خاصَّين بها.
* * *
بقطع النظر عمّا يبتعثُه مصطلح الدولة من إجراءاتٍ تأويليةٍ، فإن التحرِّي المتأنِّـي عــن المعاني اللفظية الصِرفة لمدلوله يتعدّى بُعده اللغـوي الذي شاع فــي الغــرب مع بدايات عصر النهضة. فكلمة «دولــة» تجــد جذورها اللغوية فــي تعبيـر "status" اللاتيني القديم؛ وتلك كلمةٌ محايـدةٌ تعني حالةً أو طريقةَ عــيشٍ. ولـذا صارت في حقل المداولة نظير معاني أخرى كالثبات والاستقرار، لكنها على الرغم من ذلك تبقى موضوعًا أصيلًا للتأويل، وأطروحةً مشرَّعةً على تفسيراتٍ شتى. ومع أن «كلمتها» أخذت من الشرح والتفسير والتأويل مُنفَسَحاتٍ لم تحظَ بها جلُّ مفاهيم الفكر السياسي، فإنّها لمّا تزل تختزن طاقةً توليديةً لا تنضب في عالم الأفكار والمفاهيم.
لأجل ذلك يحتمل مفهوم الدولة من العناصر الضرورية ما يسوِّغ استعادته وإعادة تظهيره في ضوء التحوّلات المعرفية والعلمية التي يشهدها العالم منذ نهاية القرن العشرين المنصرم. على أن ما يضاعف من راهنية هذا المفهوم وأهمية الاشتغال على تأصيله من جانب النخب العلمية والفكرية، أنه يجيء وسط تحدّياتٍ كبرى يعيشها العالمين العربي والإسلامي. وليس أدلّ على هذا مما نشهده من تضخُّمٍ غير مسبوقٍ للهويّات الفرعية (الدينية والطائفية والعرقية)، الشيء الذي يمسُّ أصل فكرة الدولة، كما يُنذر في الوقت عينه بظهور دويلاتٍ وكياناتٍ جديدةٍ تستجيب لدعوات التقسيم والتجزئة والتشظي...
* * *
ما الدولة.. ما دواعي نشوئها.. وكيف تشكّلت أبنيتها المعرفية وفلسفتها السياسية والحقوقية.. ثم ماذا عن خصائصها، ووظائفها، وأنواعها التي اختبرتها الحضارات الإنسانية المتعاقبة؟
هذا السؤال المركّب، وما يستدرجه من أسئلةٍ فرعيةٍ، هي ما سوف تقاربها هذه الدراسة، سعيًا إلى تقديم مادةٍ علميةٍ شاملةٍ تعتني بمفهوم الدولة من جوانبه النظرية وشواهده التاريخية، ناهيك عن التحولات التي طرأت عليه خلال الأحقاب المنصرمة.
تتوزع الدراسة على خمسة فصول وخاتمة. وقد جرى ترتيبها وفق منهجية التواتر التاريخي، بدءًا من الحقبة الوثنية، أو ما سُمِّيَ بمجتمعات اللّادولة، مرورًا بالحقبتين اليونانية والرومانية، وصولًا إلى أزمنة الحداثة الغربية بأطوارها المختلفة.
يتركز الفصل الأول على تعريف مفهوم الدولة في جذره اللغوي والاصطلاحي، والدلالات المعنوية والفلسفية للدور الذي تتولّاه الدولة في تدبير المجتمع البشري.
ويعرض الفصل الثاني إلى التمهيدات الأولى التي سبقت ولادة الدول القديمة، وإلى ظروف نشأتها والجدل الفكري والفلسفي والسياسي الذي رافق ظهورها في الحقبة الإغريقية. وقد قسّمناه إلى مبحثين: يتناول الأول أنواع الدولة القديمة من الحقبة الوثنية الإغريقية إلى مدينة الله عند القديس أوغسطينوس؛ فيما يعرض المبحث الثاني أنواع الحكومات التي تمثّلتها الدول القديمة، بدءًا من الحكومة التيموكراتية، مرورًا بالأوليغارشية والديمقراطية والاستبدادية، وصولًا إلى حكومة الفلاسفة.
الفصل الثالث يؤرّخ للمرحلة الانتقالية الفاصلة بين العصور الوسطى وعصر النهضة، ولا سيما لجهة ما شهدته هذه المرحلة من احتدامات بين الإقطاع والطبقات الاجتماعية الصاعدة، استعدادًا لبداية أزمنة الحداثة.
الفصل الرابع يتضمن تحليلًا تاريخيًا لديناميّات السِجال حول فكرة الدولة الحديثة ومرتكزاتها النظرية كما وردت في تنظيرات أبرز الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع في الغرب الأوروبي، أمثال توماس هوبز ونيقولا ماكيافلي وسبينوزا وسواهم.
الفصل الخامس يستعرض أنواع الدول التي أنتجتها اختبارات الحداثة، منذ عصر النهضة في القرن الثالث عشر الميلادي وصولًا إلى القرن العشرين.
أما الخاتمة، فتُقدّم رؤيةً نقديةً تحليليةً للمآلات التي بلغها مفهوم الدولة في ما سُمِّيَ بزمن العولمة، والتصدُّع الذي ضرب سيادات الدول على الصُعُد السياسية والأمنية والاقتصادية والقيمية.