العلمانية
العولمة والهوية الوطنية

سركيس أبوزيد

الثلاثاء 19 كانون لأول 2017

في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» يحدّد الأميركي بريجنسكي، وهو مستشار الأمن القومي السابق، مصادر القوة الأميركية. فإلى جانب النفوذ العسكري والاقتصادي والتكنولوجي يركز على سيطرة الولايات المتحدة على وسائل الاتصالات العالمية ووسائل التسلية الشعبية، والثقافة الجماهيرية، محدداً ذلك بقوله: « بغض النظر عن موقف المرء من قيمتها الذوقية، فإن الثقافة الجماهيرية الأميركية تمارس جذباً مغناطيسياً خصوصاً على شباب العالم. تحتل الأفلام والبرامج التلفزيونية الأميركية ثلاثة أرباع السوق العالمية، وتشابهها في الانتشار الموسيقى الشعبية الأميركية، في حين تتوسع باستمرار دائرة الذين يقلدون التقليعات والملابس وحتى العادات الغذائية الأميركية في جميع أنحاء العالم. الإنكليزية أصبحت لغة الإنترنت، وأصبحت أميركا كعبةَ الباحثين عن التعليم المتقدم، حيث يقصد أميركا حوالي نصف مليون طالب أجنبي، يختار كثيرون من أفضلهم عدم العودة إلى بلادهم. ويمكن العثور على خريجي الجامعات الأميركية ضمن التشكيلات الوزارية في جميع دول العالم تقريباً».


ويتابع بريجنسكي حديثه عمّا يسميه البعض «إمبرياليةً ثقافيةً» أميركيةً تثير إعجاب شباب العالم بكل ما هو أميركي، وتستولي عليهم.


إذاً، استناداً إلى قول بريجنسكي السالف، تتمحور المعركة على جيل الشباب لأنهم نقطة الارتكاز بين استقطابين يتمثلان في مشروع الهيمنة الأميركية على الأجيال الجديدة من جهة ومحاولات التصدي لهذا المشروع من قبل سائر شعوب العالم من جهة ثانية. والسؤال الذي يفترض بنا الإجابة عليه، هو ما مشروع العولمة الأميركية الذي ينبغي على شبابنا الواعي مقاومته والوقوف في وجهه؟.


العولمة :


إن اتجاه العالم إلى التقارب هو نزعة قديمة اتخذت لها أسماءً مختلفـة، منها الكونية، الإنسانية، الأممية، العالمية، وهو اتجاه إنساني على قاعدة المشاركة والاعتراف بالآخر المختلف حضارياً، والمساواة، وتحقيق العدالة، ومواجهة المشكلات الكونية المشتركة، كالمشكلات البيئية والسلام العالمي القائم على العدل والتعاون الإنساني في مجالات العلم، والقضاء على الأمراض والأخطار الطبيعية.


كل ذلك هو تدليل نظري على العولمة، أما ما يلامس واقعها وأهدافها «تاريخياً»  فهو أمر مغاير. فما ذكرناه هو الوجه الإيجابي للعولمة.. وهو جانب إنساني يتمحور ويتجه ويصب في إطار معرفي يشمل الحوار الحضاري، واستخدام العلم والتكنولوجيا والاتصالات والمواصلات، وكذلك التبادل الحر. وهذا يخدم في النتيجة الإنسان ويساهم في تحرره ورفاهيته وتقدمه. وغالباً ما يتبنى هذا الوجه العولمي الطرف الأضعف الذي يريد انتزاع حقوقه ومساواته مع الطـرف العولمي القوي الذي يمثل الوجهَ السلبي للعولمة، وهو يعبر عن الجشع الإنساني وبلوغه أعلى درجات توحشه في محاولة الهيمنة على الأرض، ومركزة قرار شعوبها، والتفرّد به، وفي النتيجة، احتكار السلطة العالمية.


وهو ما يحدث اليوم في المحاولات الأميركية للسيطرة الكاملة على العالم، تسيّرها عقلية الغالب المتوّحش الغني الذي يريد كلَّ شيء له. ونستطيع أن نجمل نتائج العولمة الأميركية ومخاطرها في الآتي :


إن فرض دكتاتورية السوق يؤدي إلى ازدياد البطالة وانخفاض الأجور، وتدهور مستويات المعيشة، وتقلّص الخدمات الاجتماعية، وتفاقم التفاوت في توزيع الدخل والثروة، حيث تتوقع مراكز الإحصاء والأبحاث أن تكون نسبة الذين سيحصلون على عمل يمكّنهم من العيش في رغد وسلام لا تتجاوز 20 % من مجموع سكان العالم، وهم الفئة المسيطرة وصاحبة القرار، أما باقي سكان الأرض والذيـن يشكلون 80 % من السكان فسيكونون عاطلين عن العمل، وهم بالنتيجة فائض عن الحاجة، ولا يمكنهم العيش إلا من خلال التبرعات وأعمال الخير التي تسدّ رمقهم وحسب. وهذا يعني أن العولمة تسير في طريق تدمير الاستقرار الاجتماعي وضرب مصالح العمال والطبقة الوسطى لمصلحة حفنة من الأثرياء يحكمون العالم ويملكون الآلة البديلة عن اليد العاملة التي تذهب يوماً بعد يوم إلى البطالة الدائمة. وهذا ما يطرح تساؤلاً حول «نهاية العمل»، لأن الآلة دفعت باليد العاملة إلى الهجرة والبطالة.


ويعبّر بريجنسكي عن هذه الوضعية خيرَ تعبير من خلال مصطلح  Tittytainment وهو مركب من كلمتين Entertainment (تسلية) و  Tits (حلمة) = نقطة حليب، وهي تعني خليطاً من التسلية المخدِّرة والحد الأدنى من التغذية.. وهذا ما سيهدئ خواطر سكان المعمورة المحبطين.


تدّعي العولمة أن العالم أصبح «قريةً كونيةً» و«سوقاً واحدة»، لكن الواقع يقول إن هذا «التوحّد التلفزيوني» المصطنع يخفي وراءه عالم بؤس وحرمان وجهل وفاقة. ومن يتأمل المشهد الحقيقي لما هو حاصل سيجد أن الفروقات شاسعة بين البشر والدول، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نسبة 20 % من دول العالم تستحوذ على 85 % من الناتج العالمي الإجمالي وعلى 84 % من التجارة العالمية، ويملك سكـان هذه الدول 85 % من مجموع المدخرات العالمية.


وأن 385 مليارديراً في العالم يملكون ثروةً تضاهي نصف ما يملكه سكان العالم.


إن وضعاً كهذا سيؤدي حتماً إلى غياب مفهوم العدالة والمساواة، وإلى هيمنة الفوضى والتباعد بين الناس، وازدياد تفكك المجتمع وحالات العزلة والانفصال وانتشار الجريمة والأمراض والحروب.. وهذا ما دعا بطرس غالي إلى القول «إن كوكبنا تفرزه قوتان عظيمتان متضادتان بين العولمة والتفكك».. فنحن نرى أن العالم بدأ يشهد بناء جزر شبيهة بالغيتو، محوطة بالأسوار والحراس، وهي أشبه بسجون يعيش فيها الأغنياء في عزلة داخل فيلاتهم خوفاً من الآخرين.


3. تتمحور العولمة حول نظام أولغرشي في رعاية الشركات العالمية العملاقة التي تشكل «منظمة التجارة العالمية» نموذَجها الذي توجّه له اتهامات عدّة تتمثل أهمها في:


ـ إن هـذه المنظمة تتحكم بسياسة الدول الأعضاء، ما يحدّ من السيادة الوطنية، ويلغي دور الدول الضعيفة أمام الدول القوية، ويفرض دكتاتورية المنظمة.
ـ تشجيع حرية التجارة العالمية مهما كانت التكلفة، ما يحدّ من مفهوم العدالة والمساواة.
ـ اهتمام المنظمة بالمصالح التجارية على حساب التنمية الاقتصادية.
ـ التأكيد على المصالح التجارية على حساب البيئة.
ـ خسارة العمال لوظائفهم، وازدياد الفجوة بين الفقراء والأغنياء داخل الدول وفيما بينها.

 

في كانون الأول 1999 أخفق مؤتمر «سياتل» تحت ضغط منظمات المجتمع المدني المناهضة لتحرير التجارة تماماً، كما أن الدول النامية اعتبرت «منظمة التجارة العالمية» «غيرَ عادلة وغيرَ متوازنة» .


نستطيع أن نخلص بعد هذا إلى أن العولمة، كما تسوّقها الدول الغنية، تخفي احتكاراً للخيرات والموارد، وتحرم المجتمعات المحلية من مشاركتها ورفدها، كما أنها تسلبها خصوصيتها وأصالتها وهويتها، فأغلبية الشركات العابرة للقارات هي أميركية (300 شركة عابرة للقارات ثلثاها أميركية) يغلب عليها الطابع الوحشي للسوق الأميركية وللجشع السياسي الأميركي الذي يريد قلب كل شيء في العالم لرفد اقتصاده وزيادة حجم ترسانته المالية التي تدّمر العالم كله لتبني المركز القوي الذي يتبع له العالم بأسره. ولهذا تتدخل أميركا في جميع دول العالم، وتعمل على تفتيت وحدتها وتماسكها عبر جميع الطرق والوسائل المتاحة، وذلك عبر تشجيع وإثارة النعرات الطائفية والعرقية تمهيداً للقضاء على الهوية الوطنية، بل والقضاء حتى على الإحساس بها , ومثال يوغوسلافيا وما يحدث اليوم في دول البلقان دليل نابض على هذا التوجّه الأميركي. هذا الخلل هو نتيجة الفصل بين الاقتصاد والأخلاق، بينما الأصح هو إصلاح الدولة، وإعادة أولوية السياسة على الاقتصاد.


الهوية الوطنية


وبما أن الفلك الاستعماري، قديماً وحديثاً، يدور حول بلادنا، فلا بد لنا من مواجهة هذا الشكل الاستعماري الجديد ومجابهته بكل السبل والوسائل المتاحة ليتسنى لنا العيش بسلام. أما كيف يكون ذلك ؟ فالجواب يكمن في بداية هذا البحث. فما دامت أميركا تركز جلَّ اهتمامها على الشباب ـ كما يقول بريجنسكي ـ فلا بد لنا من تعبئة الشباب لوعي هويته الوطنية ذات البعد الإنساني، وامتلاك رؤية إنسانية تدافع عن كرامة الإنسان وحقوقه، وهذا يتطلب التزام الشباب بحركة الصراع من أجل إيقاف المد الإمبريالي الأميركي، وكبـح جماح هيمنته المتمثلة بوحش رأس المال الهاجم بقوة على إنسانية الإنسان، والعمل لإعطاء العالم بعداً حضارياً تتعاون فيه جميع الشعوب من أجل تحقيق العدالة والمساواة والرفاهية. والالتزام بحركة الصراع يعني وعيَ الهوية القومية والتمسك بمشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة التي تقضي على التقسيم والتجزئة والتفتت الداخلي.


يعيش الفرد في مجتمعاتنا المعاصرة في مستويات عدة، وهي: المستوى الأهلي (عائلة، قرية، مدينة، متّحد اجتماعي)، المستوى الاقتصادي (طبقة اجتماعية، نقابة، مهنة، حرفة)، المستوى الوطني (الدولة) المستوى القومي والإنساني (البيئة الجغرافية، المحيط الإقليمي، النطاق الثقافي، الموروث الروحي والديني).


هذه المستويات تتداخل وتتفاعل وتتكامل في انتماء الفرد وولائه ما يشكل هويةً مركبةً متحركةً يضاف إليها المعارف المعاصرة والوعي العقلاني الحديث المكتسب عبر تربية مستمرة وثقافة متواصلة.


تنزع السلطة الاستبدادية في الدولة والمجتمع إلى إثارة التضارب بين هذه المستويات، وتشجيع التناقض والتحارب فيما بينها مع ميل استبدادي إلى دمج المستويات عشوائياً وإلغاء بعضها قهراً وفرض أحادية ظلماً.


بينما السلطة الديمقراطية في الدولة والمجتمع تتوجّه إلى ترتيب المستويات على نحوٍ متناغم بعيداً عن حالات التشنج والخلل، ومن خلال أسلوب متسامح ومتفهم وبمنهج الاستيعاب والمثاقفة.


والدولة الوطنية الديمقراطية هي الأقدر على إدارة التعددية الثقافية وتنوّع الانتماءات بين هويات أصغر من الدولة (أهلية، محلية، جهوية..) وهويات أكبر منها (الجغرافيا الدينية واللغوية، التداخل الإقليمي والعالمي...).


الولايات المتحدة الأميركية، وغيرها من دول الفتنة، تعمل وتشجع على إحياء الهويات الدنيا ـ الأصغر من الدولة/ الأمة ـ وتدعم نزوع الأقليات والجماعات على أنواعها إلى إنشاء كيانات انفصالية، وذلك بهدف تقسيم وتجزئة الدولة الوطنية وإضعافها وتفكيكها، ومنع ظهور دولة قومية قوية قادرة على مواجهة وممانعة تمرد وسيطرة الإمبراطورية الأميركية.


من هنا الأهمية المزدوجة لبناء دولة وطنية ديمقراطية، فمن جهة تعبر عن وحدة المجتمع داخل قطرها، رغم تنوّعه الاجتماعي، وتعدّده الثقافي، واتجاهاته السياسية، ومن جهة أخرى، تعبر عن سيادة واستقلال الدولة ومشاركتها في بناء تعاون عالمي لخدمة الإنسان ومقاومة تدمير الكرة الأرضية بالسلاح المدمر، وتلوث البيئة، وتفشي الأمراض والحروب والفقر، وتدمير الإنسان وتحويله إلى مستهلك، أو مشاهد يتفرج على جبروت الأقوياء، أو مجرد كائن مادي مشيَّأ ومجرد من العواطف والأحاسيس والقيم والتطلّعات الروحية والفكرية.


إن الدولة الحديثة اللاطائفية واللااستبدادية هي التي تدير لعبة التنوع والاختلاف الاجتماعي، الاقتصادي، الثقافي، السياسي، بين ما يبدو هويات أصغر وأكبر، هويات تتدرّج من المتّحد الأدنى إلى الأعلى. وترعى ترقّي وعي الفرد من الانتماء البسيط إلى المركب، من الأحادي إلى الأشمل من دون إلغاء أو تغليب عنصر من المكونات الوطنية على العناصر الأخرى، ومن دون اضطهاد أو تخويف أو تخوين ما يعطي الدولة الوطنية القوةَ والمناعة في مواجهة الاضطهاد الإمبراطوري.


تواجه الهوية الوطنية في لبنان، خطرين أساسيين: الأول خارجي يتمثل بإسرائيل، والثاني داخلي يتجسد بالنظام الطائفي:


التوسع في فهم الخطر الصهيوني والنظام الطائفي يتطلب دراسة مفصلة أخرى.


إسرائيل: إن حركة الصراع تعني أولاً وعي الخطر الصهيوني الذي يشكّل خط الدفاع الأول عن المشاريع الاستعمارية الجديدة والذي يعتبر أن ازدياد الوعي وبناء وطن ديمقراطي حقيقي خطر كبير عليـه، لأن تفعيل الديمقراطية في بلداننا مقتلة لكيانه، ولذا تنبع عدوانية «إسرائيل» للبنان مثلاً من كون لبنان الديمقراطي مناقضاً لبنيتها العنصرية وداحضاً لزعمها بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.. هذا فضلا عن كونها ذات طبيعة دينية خرافية لا عصرية تبني أوهامها على التوسّع والهيمنة عبر القتل والمجازر. فطليعة العولمة في بلداننا «إسرائيل» تمثل مجابهتها أولى بوادر الوقوف في وجـه الوحشيـة الأميركية ومصالحها.. ومن يتمعن فيما تفعله «إسرائيل»، اعتماداً على تفوقها النووي والتكنولوجي والاقتصادي، يجد أنه محاولات متكّررة لشقّ الصفوف، وفرض التسويات المنفردة والتطبيع هنا وهناك، لأن تمزيق الآخر يعني استمرارّها.


«فإسرائيل» إذاً هي التحدي الأول الذي تواجهه هويتنا الوطنية في لبنان، وعلى الشباب حشدُ طاقاتهم للوقوف صفاً واحداً في وجه مخططاتها والتصدي لها.


الطائفية : أما التحدي الآخر الذي يهدّد الهوية الوطنية فهو طبيعة النظام الذي لن يصون الهوية ويحصنها. وعلى الشباب أن يحدّد شكل النظام الجديد وإخراجه من طائفيته. فالنظام الطائفي في لبنان أورث شباب اليوم نتائج الحرب الأهلية، وعليهم (أي الشباب) تقع مسؤولية عدم تكرار هذه الحرب وذلك بمحاربة الأسباب التي أدت إلى الحرب، وعلى رأسها الطائفية، إضافة إلى ضرورة العمل من أجل قيام دولة المؤسسات التي تعني العدالة والمساواة، والوعي بأن الطائفية هي العلة التي تهدّد النظام على الدوام، وقد تؤدي إلى إنتاج حروب أهلية لا متناهية. فالطائفية تتحدى شباب اليوم لعدة أسباب واقعية أهمها:


أن الطائفية ضد أبسط المشاعر الإنسانية وأجلّها وأسماها.. فهي ضد الحب بكل أشكاله ودرجاته.


وهي ضد الطموح الشخصي السياسي والوظائفي عند الشباب، لأنها أساس سلطة رجال الدين والإقطاع السياسي اللذين يحددان النائب والوزير والرئيس من بطن أمه.


وبما أنها عصبية منغلقة فهي مناقضة للوطنية، وأولوية الانتماء فيها للطائفة وليس للوطن.


هي شكلٌ من أشكال التمييز العنصري العدواني ضد الآخر الشريك في المواطنية الذي تعتبره أدنى منها أياً كانت هذه الطائفة، ولذا هي عنصرية عدوانية تصب في النهاية، في محيط المشروع المعادي للوطن.


وهي دائماً دولة داخل الدولة، تحاول الاكتفاء الذاتي لتستطيع الحفاظ على كيانها، فنجد أن لها بنيةً تحتيةً تشكل دورة حياة مغلقة في غيتو يؤمن لها كل المتطلبات الحياتية من الولادة إلى المـوت دون الحاجة إلى المشاركة الحياتية مع المواطن الآخر، أو دون المرور بمؤسسات الدولة. على سبيل المثال:


خدمات طبية: مستشفى، مستوصفات، صندوق تعاضد، تمريض.


خدمات تربوية: مدارس، جامعات، معاهد فنية، مساعدات مدرسية ولوازم وكتب.


مشاريع إسكان.


رعاية اجتماعية: دور أيتام و دور مسنين.


أندية وجمعيات وروابط تقوم بنشاطات رياضية وكشفية ترفيهية وبيئية.


مطاعم وملابس وكسوة العيد.


إعلام: إذاعات، تلفزيونات، صحف، مجلات مكاتب.


بنوك، شركات.


إلى كل هذا، لا نستطيع تجاهل العصبيات والروابط الناتجة عن الانتماءات العائلية والعشائرية والمناطقية والسياسية والمهنية والطبقية، وتداخلها مع الشعور الطائفي، لذلك، فإن سلوك الفرد وموقفه السياسي في النظام الطائفي هو خلاصة التقاء وتضارب هذه العصبيات ما يولد انقسامات في داخل كل منها نتيجة تناقض المصالح ومستويات الوعي بين الأفراد والفئات، وتجاذب عصبيات الجماعات التي تكونها. ومن هنا يستحيل التحدث عن خصوصية طائفية، لان الطائفة بذاتها ليست كتلةً تاريخيةً متماسكة موحدة في كل الحالات والظروف، بل تخترقها اتجاهات وتيارات متباينة ومتصارعة، وفقاً لتناقضات العصبيات والمصالح، ما يولد ارتباطات وعلاقات مع الخارج الطائفي، وتحالفات متناقضة متصارعة.


دور الشباب:


إن دور الشباب يتمثل في تخطّي الطائفية من خلال العمل على قيام نظام جديد غير طائفي، وإن كان جيل الشباب اليوم يتخبط في مستنقع مخلفات الحرب المتمثل في حياته الهامشية وفراغه الوجودي وتلاشي الشعور الوطني وتقليد الغرب من الإباحية إلى المظاهر الحياتية تقريباً، وازدياد ظاهرة الانتحار التي هي هروب من الموت الذي عايشوه أيام الحرب.. وأن كان كل ذلك بدوره يعود إلى أسباب من أهمها:


ـ إن انكفاء الشباب عن المشاركة في العمل السياسي والحزبي عائد لعدم ثقتهم بالطبقة السياسية.
ـ إن الشعور بعدم القدرة على التغيير مرده إلى تلاشي شعور الثقة بالنفس، والإيمان بسلّم جديد من القيم الواقعية (الوساطة، الاهتمام بالنفس، روح الفردية، التكاذب).. وهذا عائد بدوره إلى الافتقار إلى تربية بيتية ومدرسية تحثّهم على الالتزام.
ـ إن أزمة القيادة وغياب القدوة تثيران الرغبة في التماثل، ويتجلى الخوف من المستقبل في الانخراط باللامبالاة.
ـ إن مستقبل الديمقراطية هو الشباب الواعي المؤمن بوطن حر ومواطنين أحرار، وهذا يتطلب العمل على:
ـ تعزيز ثقـة الشباب بمستقبلهم ووطنهم، وحثّهم على توظيف طاقاتهم في خدمة الشأن العام، واتخاذ المبادرات التي تحثّهم على المشاركة لان الانكفاء لا يصب في المصلحة العامة للوطن.
ـ المشاركة في الانتخابات في عمر 18 سنة، وذلك لحثّهم على جدوى المتابعة والفاعلية.
ـ دعم الانتخابات النقابية، وتعزيز وجود اتحادات طلابية كي لا تتحول تجمّعات الطلبة إلى «قبائل معاصرة».
ـ التربية الوطنية المدنية في المدارس.
ـ العمل على إنضاج فكرة أن الشباب يتجاذبهم مشروعان الأول يستهدف تهميشهم، وتحويلهم إلى متلقّين استهلاكيين عاطلين عن التفكير، وإغراقهم باللهو والجهل والفردانية في اللاجدوى واللاسياسة، ودفعهم تالياً إلى الهجرة والبطالة، وذلك لتعطيل دورهم.. وهذا ما يسعى إليه مشروع العولمة الجديدة.


أمّا الثاني فيعتبر الشباب قوةَ معرفةٍ وإنتاجٍ وتغييرٍ، فهم الفئة الأكثر قدرةً على الوعي والفعل والتنظيم والالتزام وامتلاك حس الشجاعة والمغامرة والتجديد، والأكثر قدرةً أيضاً على تجسيد المعرفة والعلم من أجل التغيير والبناء.


ولهذا، لا بد من برامج توعية تبدأ بتطوير العمل من أجل التزام الشباب بالأحزاب والنقابات، والإيمان بالمجتمع المدني الذي تبنيه الحركة الشبابية الوطنية الموحدة التي تتجاوز الحدود الطائفية الفئوية والمناطقية، وتؤسّس لمقاومة مدنية شاملة، ثقافية وشعبية، ضد المشروع الصهيوني، وضد التطبيع، وتحافظ على أقصى درجات التعبئة المستمرة لمواجهة كل المخاطر والتحدّيات التي تستهدف أمتنا ووطننا وتالياً، وجودنا كشعب له جذوره الحضارية، ورسالته الإنسانية الحضارية كذلك.