العلمانية
قصة دار الأخوات بسوريا بين الدعوة الدينية والعزلة الاجتماعية

المدن

الخميس 11 حزيران 2026

ذاكرة قديمة لا تغادر
 
في العام 2005، وبمساعدة أحد القضاة، تمكنت من دخول دار القاصرات الجانحات في حي باب مصلى بدمشق، جاء ذلك بعد معلومات عن حالة استعصاء واحتجاج داخل الدار بسبب ما قيل إنه سوء معاملة للنزيلات. بالنسبة لكثيرين كانت الدار مجرد مؤسسةٍ إصلاحية مخصصة للقاصرات، أما بالنسبة لي فقد تحوَّلت منذ ذلك اليوم إلى جرح مفتوح لم يندمل.
 
لا زلت أتذكر إجراءات التفتيش الطويلة، والدرج الذي صعدته نحو الطوابق الداخلية، ووجوه الفتيات اللواتي بدت على بعضِهن آثار عنف وإهمال لا ينسجمان مع فكرة الرعاية والتأهيل. خلف الأبواب والزجاج سمعت حكايات عن طفولة مكسورة وأحلام دُفنت باكراً. يومها بكيت للمرة الأولى خلال عملي الصحفي، ليس لأننّي كنت أسمع قصصاً مؤلمة فحسب، بل لأننّي كنت أرى طفولة مُستباحة أمام عينيّ.
 
أنجزت تحقيقاً صحفياً كاملاً عن تلك الزيارة، لكنَّ التحقيق مُنع من النشر، وبعد سنوات طويلة، عندما قرأت رواية "القوقعة"، أدركت أنَّ كثيراً من الوقائع التي تُحجب عن الناس لا تبقى حيةً إلا عبر الذاكرة والرواية الشفويّة. ومنذ ذلك الوقت صرت أروي ما رأيته كلما سنحت الفرصة، لأن بعض الشهادات لا يجوز أن تموت.
 
من القبيسيات إلى ما بعد التحرير
 
في السنوات نفسها كانت ظاهرة القبيسيات تتوسع داخل المجتمع السوري، كان النظام السابق يسمح بأشكالٍ محددة من النشاط الديني النسائي، بل ويوَّفر لها أحياناً مساحة من الحركة والنفوذ ما دامت لا تشكل تحديَّاً سياسيّاً له. ومع مرور الوقت تشكَّلت شبكات اجتماعية ودَعويّة واسعة تركت آثاراً عميقة في المجتمع السوري.
 
اليوم، وبعد سقوط النظام السابق والتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمام إرثٍ ثقيل من المشكلات السياسية والاجتماعية والثقافية. وكما يحدث في المجتمعات الخارجة من الحروب والاستبداد، بدأ كثير من الملفات المدفونة يطفو على السطح. حالات خطف، وابتزاز، وتفككٌ أُسري، وأزمات ثقة، ومظاهر عنف اجتماعي كانت كامنةً تحت السطح لعقود طويلة.
 
وفي خضم هذا المشهد ظهر اسم جديد أثار كثيراً من الأسئلة: "دار الأخوات" أو "بيت الأخوات".
 
ما هو دار الأخوات؟
 
برز اسم "دار الأخوات" في سياق شهادات وتقارير متداولة تحدثت عن أماكن تستقبل نساء وفتيات التحقن ببرامج دعوية دينية أو أعلنّ اعتناق الإسلام. ويتركز الحديث بصورة خاصة حول مدينة جبلة الساحلية، مع إشارات إلى أنشطة مشابهة في مناطق سوريَّة أخرى.
 
ويرى مؤيدو هذه الدور أنها مؤسسات اجتماعية ودَعوية، تهدف إلى تقديم الدعم والرعاية والتوجيه الديني للنساء اللواتي يحتجن إلى بيئة آمنة بعد اتخاذ خيارات شخصية جديدة في حياتِهن.
 
في المقابل، يطرح منتقدون وعوائل بعض الفتيات أسئلة مختلفة تماماً: ما الوضع القانوني لهذه المراكز؟ من يشرف عليها؟ ما طبيعة الإقامة فيها؟ وهل تستطيع المقيمات التواصل بحرية مع أُسرهِن؟ وما هي الجهات التي تراقب عملها؟
 
حتى الآن لا توجد إجابات رسمية كافية عن كثير من هذه الأسئلة، وهو ما جعل الجدل يتسع يوماً بعد يوم.
 
قضية الطالبة علوش
 
بلغ الجدل ذروته مع قضية الطالبة الجامعية بتول سليمان علوش، التي أعلنت عائلتها اختفاءها وأطلقت مناشدات واسعة للكشف عن مصيرها، مؤكدة أنها تعرضت للخطف.
 
وقالت الأُسرة إنها حاولت الحصول على تسجيلات كاميرات المراقبة في المدينة الجامعية لمعرفة كيفية مغادرتها، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى معلومات حاسمة. وبعد أيام ظهرت بتول في تسجيلات مصورة قالت فيها إنها غادرت بإرادتها الكاملة، وإنها اختارت طريقاً دينياً جديداً، مستخدمة عبارة "هاجرتُ في سبيل الله".غير أن والديها رفضا هذه الرواية بشكل قاطع، وأكدا أن ما صدر عنها لا يعكس إرادتها الحقيقية، وأنها ربما تعرضت لضغوط نفسية أو فكرية دفعتها إلى ذلك.
 
وبين رواية الأسرة ورواية الفتاة نفسها بقيت الحقيقة معلَّقة، لكنَّ القضية تحوَّلت إلى نقطة انطلاق لنقاش أوسع حول الدْور الدعوية المغلقة وآليات عملها.
 
القناعة الشخصية قطيعة اجتماعية
 
ما أثار القلق لدى كثيرين لم يكن التحوّل الديني بحد ذاته، فحرية المعتقد حق أساسي لا جدال فيه، وإنما فكرة القطيعة الكاملة مع الأُسرة.
 
ففي عدد من الحالات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر خطاب يعتبر الابتعاد عن العائلة جزءاً من الالتزام الديني أو خطوة ضرورية في طريق جديد للحياة. وهنا يبدأ السؤال الأخطر: متى تتحول القناعة الشخصية إلى قطيعة اجتماعية؟ ومتى يصبح الإقناع الفكري نوعاً من العزل النفسي؟
 
الباحث الإسلامي محمد حبش من أبرز من تناولوا هذه القضية علناً، إذ اعتبر أن المشكلة لا تتعلق بحادثة فردية فقط، بل بانتشار بعض الخطابات الدينية المتشددة التي تشجع على الانفصال عن الأسرة والمجتمع تحت عناوين دينية مختلفة. كما دعا إلى إخضاع أي نشاط دَعوي مغلق لرقابة القانون ومؤسسات الدولة.
 
بين الشائعات والحقيقة
 
حتى الآن لا توجد أحكام قضائية معلنة تثبت بشكل قاطع وقوع عمليات خطف منظمة أو احتجاز قسري داخل هذه الدور، وفي المقابل، لا توجد أيضاً شفافية كافية تسمح للرأي العام بالاطمئنان إلى طبيعة عملها وآليات الرقابة عليها. وهذا ما يجعل الملف عالقاً بين الروايات الفردية والاتهامات المتبادلة من جهة، وبين غياب المعلومات الرسمية الكافية من جهة أخرى.
 
في مثل هذه القضايا لا يكفي النفي العام ولا الاتهامات المطلقة. وحدها التحقيقات المستقلة والشفافة قادرة على كشف الحقيقة.
 
مستويات فساد مهوّلة
 
ربما يعود جزء من هذا القلق إلى تجربتي القديمة في دار القاصرات بدمشق. فبعد رحلة تقصٍ طويلة آنذاك اكتشفت أن بعض ملفات الفساد والانتهاكات كانت تصل إلى مستويات يصعب تصديقُها، وأن النفوذ الأمني كان كفيلاً بإغلاق كثير من الأبواب ومنع كثيرٍ من الأسئلة.
 
لهذا أصبحت أنظر بحذر إلى أي مؤسسة مغلقة تحمل عنوان الرعاية أو الإصلاح أو الحماية، سواء كانت دار أيتام أو مركزاً إصلاحياً أو مؤسسة دينية أو غيرها. ليس لأن هذه المؤسسات سيئة بالضرورة، بل لأن التاريخ يعلمنا أنَّ غياب الرقابة والشفافية يخلق بيئة مثالية للتجاوزات. فحين تصبح الزيارات صعبة، والمعلومات شحيحة، والمساءلة غائبة، تبدأ الشكوك بالنمو تلقائياً.
 
وأنا أكتب هذه السطور تعود إليَّ وجوه فتيات دار القاصرات اللواتي رأيتهن قبل أكثر من عشرين عاماً، أتذكر نظرات الخوف والارتباك والعجز.
 
وحين أرى اليوم صور فتيات صغيرات في تسجيلات متشابهة، بعضهن في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من العمر، يرتجف قلبي من جديد.
 
ربما تكون بعض الروايات المتداولة صحيحة، وربما يكون بعضها مبالغاً فيه أو غير دقيق، لكنَّ المؤكد أن الأطفال والقاصرات يجب أن يكونوا خارج أي منطقة رمادية، وخارج أي صراعٍ أيديولوجي أو ديني أو سياسي.
 
اختبار اجتماعي جديد
 
تمر سوريا اليوم بأزمة تتجاوز السياسة والاقتصاد، إنَّها أزمة تتعلق بشكل المجتمع الذي يريد السوريون بناءه بعد عقود من الاستبداد والحرب والانقسام.
 
فالخطف، إن وقع، جريمة، لكن هناك ما هو أعمق من الخطف أيضاً: السيطرة على العقول، وعزل الفتيات عن أُسرهن، وتحويل الروابط العائلية إلى روابط قابلة للكسر باسم أيّ فكرة أو عقيدة أو مشروع.
 
ولهذا فإن قضية "دار الأخوات" لا تتعلق بمكان واحد أو حادثة واحدة أو فتاة واحدة، إنها سؤال كبير حول العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وبين الإيمان والأُسرة، وبين الحق الفردي وحق المجتمع في حماية أفراده الأكثر هشاشة. فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تبدأ بالتصدع من التفاصيل الصغيرة التي يظن الجميع أنها غير مهمة، وربما لهذا السبب بالذات يستحق هذا الملف أن يُفتح بشجاعة، وأن يُناقش بهدوء، وأن تُكشف حقيقته كاملة، أياً كانت هذه الحقيقة.