حارة صور المسيحية أيام الحِشْمَة الطائفية
محمد أبي سمرا
الأربعاء 3 حزيران 2026
هدّدت دولة الحرب الإسرائيلية الحارة المسيحية في صور بالإخلاء، بعدما أبادت عمران البلدات الحدودية في جنوب لبنان، لاسيما مدينتي بنت جبيل والخيام، ومحقته محقًا شاملًا، ثم شرعت بتدمير عاصمتي جبل عامل الجنوبيتين: النبطية وصور.
في الأثناء تواترت موجة من الكتابات والنصوص والقصائد التي تستعيد حضور هذه المدن الكبرى الجنوبية، وتحيي ذكراها وتراثها وذاكرة أهلها وناسها وعمرانها على نحو مأساوي ورثائي.
نستعيد هنا بعضًا من ملامح مدينة صور الاجتماعية والعمرانية في ستينات القرن العشرين، كما تحضر في ذاكرة الكاتب الصحافي اللبناني الصوري الأصل والمنبت سام منسى، وفي روايته العائلية وفي بعض المصادر التاريخية. وتتخلل هذه الاستعادة محطات من تاريخ حاضرة جبل عامل البحرية، ومقتطفات من تلك الكتابات.
صور عباس وسعيد عقل
روت مصادر تاريخية وحوليات كثيرة أن مدينة صور تُرِكت ركامًا مهجورًا على شاطئ البحر المتوسط طوال قرون، بعدما دمرتها الحروب بين الصليبيين والمماليك الذين دمروا أيضًا مدينة طرابلس الساحلية الصليبية، وبنوا بحجارتها طرابلس الداخلية المملوكية التي كان دورها كبيرًا على شاطئ المتوسط الشرقي في العهد المملوكي. وفي مطالع النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بدأ ولاة عثمانيون ورجال إقطاعٍ نافذون في جبل عامل يعيدون بناء صور، فجلبوا إليها بنّائين وبحارة من جبل لبنان، وتجارًا من صيدا، وفلاحين من القرى العاملية القريبة منها.
وفي العام 1974، عشية بدء حروب لبنان الأهلية الإقليمية، كتب الشاعر عباس بيضون قصيدته الملحمية "صور"، فاستهلها بمشهد للقادمين إليها في زمن قديم يعود إلى عهد أجداده: "من أنا حتى أقفُ بين المنشدين، صانعي النعال الذين جاؤوا على خيول هزيلة من الوعر، الحطابين الذين خنقوا بالكلس النيران الصغيرة، صبيان الفرّانين الذين أشعلوا في الأحياء المستديرة أكياس القش والخيش وحشرات الجدران، الفلاحين الذين حملوا نساءهم وأطفالهم على أكتاف الحمير المسنّة وعبروا بها تحت بدر الحقول وديانًا كالخدوش الجافة (...) من أنا لأدلكم على الأحجار التي ولدنا عليها كالسحالي، حين كانت المدينة ترفع رأسها من البحر. تَغَذَّينا بالشمس والملح، وأكلنا على الراحات أسماكًا حيّة. كانت المياه تتناولنا من على صخورنا ونحن نتعلم الكلمات والأفكار كل يوم".
وفي مقطع آخر من القصيدة يخاطب بيضون صور قائلًا: "كنتِ جزيرة وحصنًا وخانًا للمسافرين. أنتِ حذاء البرّ المندسّة بين شقوق الموج. تحمل طُرق البرّ المزارعين إليك وتحمل طرق البحر الغزاة". وأغضبت هذه القصيدة الشاعر سعيد عقل (1912- 2014)، شاعر عشق الأمجاد والعظمة من كل حدب وصوب: إغريقية وفينيقية وسورية... رأى أنها تجسدت في لبنان. وهو عبّر غضبه ذاك في أواسط التسعينات، حين جالسْنا، عباس بيضون وأنا، الشاعر الكبير في منزله وحادثناه ساعاتٍ عن سيرته وشعره وأفكاره ورؤاه الحضارية والثقافية. وكان عباس قد أهداه كتابَ قصيدته "صور" في جلستنا الأولى. وفي جلستنا في النهار التالي التفتَ إليه وخاطبه في صوته المسرحي المتعالي: "أنت من صور يا عباس؟! متأكد أنك من صور؟! يا عيب الشوم عليك يا عباس. كيف أنت من صور، وتقول عن صور كنتِ خانًا للمسافرين؟! أنت لا تعرف شيئًا عن صور يا عباس. صور فينيقيا. صور أليسار وهنيبعل. صور التي ولدت منها حضارة الإغريق والحرف...".
بنت جبيل وصور
بعد أيام من تدمير الجيش الإسرائيلي مدينة بنت جبيل ومَحوها في حرب "الإسناد" الثانية بين "حزب الله" ودولة الحرب الإسرائيلية، كتب المؤرخ الاجتماعي والثقافي اللبناني أحمد بيضون: "بدمائنا اشترينا الاحتلال (...) في ربع عقد أو في ربع قرن/ أو في أزيد من نصف قرن/ أو في قرن وأزيد قليلًا/ لم نتعب من استضافة الموت في صدارة البيوت والساحات/ من استعجاله بما يُصمُّ أذنيه إذا أبطأ.../ لأولادنا نغادر أمجادًا وخرائب،/ نغادر لهم خرائب وديار خرائب وأعمار/ ومدافن عامرة لأيام البطالة/ وأرصفة توؤيهم على مضض...".
وفيما باشرت دولة الحرب الإسرائيلية إبادة البشر والعمران في صور، كتب عباس بيضون لصور قصيدة ثانية في عنوان "صور- الصراخ لغة"، فاستهلها قائلًا: "اشتريتُ مدينة بقصيدة/ هل نقلتُ الحجارة إلى كلمات/ هل وجدت بحرًا لها/ لست بنّاءً ولا بحارًا/ كانت لي قدمان فحسب (...) كنت فقط أمشي/ مشيِيَ كان محوًا/ لا أترك خطوات على الإسمنت (...) المدينة الآن هذا الصراخ/ الذي لا يتوقف ركامه".
سينما "ريفولي" مرآة مدينة
أما صور في ذاكرة سام منسى وفي شهادته التي سجّلناها له عنها، فتبدأ من حارتها المسيحية القديمة التي ولد فيها في العام 1953 وأبصر النور في منزل من منازلها. وكان جدُّه ووالده قد وُلدوا في المنزل عينه، بل "لديَّ 4 أجداد ولدوا في صور التي كانت الغالبية الساحقة من عائلات حارتها المسيحية من الروم الأرثوذوكس، وتحوّل معظمها إلى الكاثوليكية. أما الموارنة فكانوا قلة قليلة في الحارة".
وفي ذاكرة سام الطفل، شكّل إنشاء سينما "ريفولي" وافتتاحها في العام 1959، معلمًا بارزًا للتحديث في صور الستينات. وحسب مصادر عدة أُنشئت "الريفولي" في ما كان يسمى شارع رشيد نخلة، مؤلف النشيد الوطني اللبناني في العام 1925. وكان نخلة قد أقام مدة في بيت تراثي الطراز المعماري في حارة المسيحيين الصورية. وبعد وفاته في العام 1939، كرّمته الحكومة اللبنانية بإطلاقها اسمه على الشارع الرئيسي في صور، والذي كان يفصل حارة المسيحيين عن حارة المسلمين في المدينة القديمة التي كانت شبه جزيرة بحرية تصلها باليابسة كثبان رملية خالية تقريبًا من العمران بعدُ آنذاك.
وتشير المصادر إلى وجود صالتي سينما أو ثلاث سابقة على "الريفولي"، إحدى عناوين التحديث في ستينات المدينة. والدليل على ذلك في ذكريات منسى الصورية أن اسم السينما تلك أزال الاسم الرسمي للشارع (رشيد نخلة) الذي أُنشئت فيه، فصار أهالي صور يسمونه شارع "الريفولي".
والأرجح أن هذا الاسم لم يخفت بريقه ويزول سريعًا فحسب، بعد عقد الستينات اللبناني "السعيد"، بل هو اندثر جرّاء التقلبات والأسماء التي تزاحمت في عاصمة جبل عامل البحرية، قبل إقفال صالتها السينمائية الأحدث في العام 1988 وبعده. وتشهد ما استضافته "الريفولي" من حفلات فنية وثقافية، على تلك التقلبات العاصفة، ليس بصور وحدها بل بلبنان كله:
- قبل الحروب الأهلية (1975- 1990) عُرضت فيها مسرحيات لشوشو (حسن علاء الدين) ولمحمد الماغوط ودريد لحام، وأقيمت فيها حفلات غنائية لوديع الصافي وسميرة توفيق ومحمد طه.
- في حقبة الحرب إياها غنى فيها الشيخ إمام وريمي بندلي ومرسيل خليفة، كما أقيمت فيها أمسيات شعرية لمعين بسيسو ومحمود درويش.
- في العام 2017، بادر الناشط الفني قاسم اسطمبولي إلى إحياء صالة "الريفولي"، فأعلن عن افتتاحها لعروض فنية وثقافية شابة في صور. وسبق لاسطمبولي أن أعاد أيضًا افتتاح صالتي سينما "الحمراء" و"ستارز" المقفلتين في النبطية، عاصمة جبل عامل الداخلية. والأرجح أن تلك المبادرات لم تنطلق وتستمر. إذ سرعان ما بادر اسطمبولي إلى نقل مبادراته إلى بيروت، حيث أعاد تأهيل صالة سينما "كوليزه" المهجورة في شارع الحمراء، وأطلق فيها منذ بداية العام 2025 نشاطات فنية ومسرحية، جعل يخصصها للنازحين من الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية وأطفالهم، منذ بداية حرب "الإسناد" الثانية مطالع العام 2026.
وفي مناسبة عيد الأضحى المنصرم عرض الإسطمبولي في ما سماه "المسرح الوطني اللبناني- سينما الكوليزه" مسرحيتي "راجعين" و"بانتظار الأمل"، اللتين تقدمان "قصصًا إنسانية حيّة من أداء النازحين، وتنقلان مشاعر الألم والصمود والحنين والأمل".
ذاكرة الأنساب والحارات
وروى سام منسى أن إحدى عائلات حارة صور المسيحية (آل واكيم) هي من بادرت إلى إنشاء سينما "ريفولي" في شارع المدينة القديمة الرئيسي الذي كان في طرفه الشرقي سوقها التجاري المتجدد مطلع عقد الستينات الذي تعارف اللبنانيون، بحنينهم الأليم إليه، على اعتباره أسعد أيام بلدهم المهدد دومًا بنكبات دورية يعيش اليوم أشدها فداحة وقسوة. وكان أحمد بيضون -في فصل عنوانه "يوميات مدينة مختلة" نُشِر في كتاب له صدر سنة 1990 في عنوان "ما علمتم وذقتم-مسالك في الحرب اللبنانية" -قد اعتبر أن الستينات اللبنانية أمست "طفولة مشتركة" لأجيال من اللبنانيين، يستعيدونها كحلم يقظةٍ سعيد في أيامهم السوداء.
أما الشارع الذي منحته "الريفولي" اسمها في صور الستينات والسبعينات، والممتد من بوابة المدينة إلى مدخلها الشمالي، فالمنشيّة (الحديقة العامة) ومدخل حارة المسيحيين وسرايا صور القديمة، وصولًا إلى مرفئها للصيادين، أما هذا الشارع فهو شارع صور الرئيسي وسوقها التجاري، بين حارتيها.
وفي ذاكرة سام منسى الصورية أن عائلات ما كان يسمى "الأكابر" في حارتي صور القديمة، المسيحية والمسلمة، تربّت على شعور "مقيت" يميز تمييزًا شديد التشاوف بين أبناء عائلات "الأكابر" من ملّاك البيوت والبساتين، التجار والموظفين المرموقين في جهاز الدولة اللبنانية، وبين أبناء العامة من البحارة، صيادي الأسماك في ميناء الصيد. وكان أولئك البحارة من عامة المسيحيين في أغلبيتهم الساحقة.
وكان والد سام، مدير البريد في صور الأربعينات والخمسينات والستينات، وعددُ موظفيه نحو ثلاثين يداومون في مركزه القريب، بل المتصل بمنزل المدير. أما جدّه فكان تاجر حبوب في المدينة، فيما كان جده لأمه من عائلة نحاس المسيحية الصيداوية، ويعمل تاجرَ سجاد ومجوهرات في صيدا القديمة. وهو من شرع في بناء عبرا الجديدة كضاحية ريفية مستحدثة لمدينة صيدا في مطلع الستينات، وانتقلت أسرة سام منسى للإقامة فيها في العام 1969.
وعائلة منسى الصورية لا تختلف عن سائر العائلات الصورية في الحارتين المسيحية والمسلمة، تعود بنسبها إلى موطن سابق على وفادتها إلى صور وتوطنها فيها. فبعض قدامى المعمرين الصوريين كان يقول إن جدًا قديمًا لآل منسى في المدينة وفد إليها من أنفة. لكن البيروتي منح الصلح (1927- 2014) المهتم بأنساب العائلات، وكانت تربطه ببعض شخصيات آل منسى صداقات، فيقول إن جدّهم الأول في صور وفد إليها من دمشق. أما سام فيرجح أن الأقرب إلى الصواب هو وفادة الفرع الصوري من آل منسى من مدينة اللد الفلسطينية. ودليله إلى ذلك وجود أنسباء معروفين لعائلته في اللد غير البعيدة كثيرًا من صور.
وفي سياق حديثه عن عائلات الحارة المسيحية الصورية، ذكر سام آل صالحة، بيروتي، الحكيمة، النور، الحلاج، الباشا، سالم... ومن عائلات الحارة المسلمة المقابلة سمى: المملوك، جودي، البواب، وقاسم. وهذه سنيّة، وأعتبر أنها أقدم عهدًا في صور من العائلات الشيعيّة فيها. والأرجح أن قِدم العائلات السنيّة وكثرتها في المدينة يعودان إلى الحقبة التي تلت خرابها المديد وإعادة بنائها في أواسط القرن الثامن عشر، وإلى حقبة الحكم المصري لبلاد الشام (1830- 1840)، وبعد استيلاء إبراهيم باشا على صور في العام 1831.
وكان الحضور الشيعي في صور قد تراجع أثناء حملات والي عكا أحمد باشا الجزار على جبل عامل (1780- 1804)، وهزيمته الشيخ العاملي الإقطاعي ناصيف النصار. لكن المدينة استعادت مكانتها كحاضرة عاملية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وطوال القرن العشرين. وكان الدور الأبرز في ذلك للعلامة الشيعي السيد عبد الحسين شرف الدين (1872- 1957)، كبير رجال الدين الشيعة المؤثرين في الحياة السياسية والثقافية في زمانه في صور التي أسس فيها المدرسة أو "الكلية الجعفرية" في العام 1922.
الذاكرة العائلية والطائفية
وبما أن سام منسى من أبناء العائلات الصورية المسيحية، فإن ذاكرته عن المدينة لصيقة بأدوار تلك العائلات وحضورها. فوالده، مدير البريد في صور، كانت تربطه صداقة بنجل العلامة شرف الدين، صدر الدين شرف الدين مؤسس مدرسة "النجاح" ومديرها في صور، والذي أصرّ على صديقه المسيحي أن يدرس ابنه سام فيها، لتمتين أواصر التعارف والتخالط الطائفيين بين عائلات المدينة. ومكث سام سنة واحدة في مدرسة شرف الدين. وفي ذاكرته العائلية عن سوق صور في عقد الستينات، تحضر كثرة متاجر المسلمين من لحامين وبائعي خضار، إلى جانب قلة من متاجر المسيحيين، فيما كانت معظم الحِرف التقليدية في السوق من نصيب الشيعة. أما صيادو الأسماك وبائعوها في المسامك، فكانوا من عوام المسيحيين في غالبيتهم الساحقة. لكن صور الخمسينات والستينات في ذاكرة سام كان يسودها وئام طائفي بين عائلاتها، وسمّاه أحمد بيضون "حشمة" طائفية في كتابه عن "الهوية الطائفية والزمن الاجتماعي لدى المؤرخين اللبنانيين". والوئام ذاك أو الحشمة، لم تكن المسايرة ولا التزلف من مصادرها وركائزها، بل الصداقات والاحترام والإلفة بين الأسر والعائلات في الحارتين المسيحية والمسلمة اللتين يفصل بينهما شارع "الريفولي" والسوق.
لكن سام منسى ختم هذا الفصل من ذكرياته العائلية الصورية بحادثة طائفية عابرة في المدينة، بعدما برز حضور السيد موسى الصدر في صور أواسط الستينات، كعلاّمة شيعي استقدمه من إيران السيد عبد الحسين شرف الدين لزيارة صور للمرة الأولى في العام 1955. والصدر يعود بنسبه إلى عائلة عاملية قديمة هاجرت إلى النجف العراقية ثم إلى قم الإيرانية وتوطّنت في إيران. وعندما توفي شرف الدين في العام 1957، أوصى بأن يخلفه الصدر في منصبه كمرجع ديني شيعي. وهذا ما حصل في العام 1959، عندما وفد موسى الصدر إلى صور وأقام فيها، بدأ عمله النشيط بإنشاء شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية القاعدية والعائلية في جبل عامل. ثم وسّع وطوّر ما أنشأه شرف الدين من مؤسسات، وجمعها في إدارة عصرية فاعلة باسم "مؤسسات الإمام الصدر"، الناشطة في المجالات التربوية والرعائية والمهنية الصحية والعلوم الدينية.
ويبدو أن هذا النشاط الواسع والفاعل للصدر في صور وجبل عامل، ترك أصداء متناقضة جعلت تتفاعل في المدينة، وتجلت في حادثة عابرة مسرحها شارع "الريفولي" الذي كان فيه متجران شهيران لبيع البوظة: أحدهما لشخص مسلم من آل الكرّيت، وآخر لمسيحي من آل أنتيبا. وشاعت في صور دعوة إلى مقاطعة المسلمين متجر البوظة المسيحي. وتفاعلت الدعوة- الشائعة في المدينة إلى الحدّ الذي دفع الإمام موسى الصدر إلى الجلوس على الرصيف أمام محل أنتيبا، وتناوله صحنًا من البوظة مع جمع كبير من الناس، لمحو أثر الشائعة وأصدائها في صور.
(يتبع حلقة ثانية وأخيرة)
المصدر: المدن