العلمانية
وقائع صادمة، مبادرات منقوصة: الوجود المسيحي والتحدّي الكبير!

جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

الإثنين 18 أيار 2026

هل من قبيل المصادفة أن يكون المسيحيّون دائماً ضحية الصراعات والحروب في الشرق الأوسط. فمن نتائج الحرب على العراق وغزو الأميركي له في العام 2003، أن تنامت الموجات الأصولية، وراجت سوق التطرُّف، واستشرى المدّ الإلغائي، فكانت هجرة المسيحيِّين من بلاد الرافدَين. وحتى الساعة، لا مجال للتفاؤل بحل لمأساة هؤلاء، الذين غادروا أرضهم التاريخية قسراً. وفي الثامن من كانون الأول 2024 إنهاء نظام بشار الأسد، وهلّلت الناس وكبرت، معتبرةً أنّ عهد القمع والتسلّط والفساد قد ولّى إلى غير رجعة، وأنّ نظاماً ديمقراطياً، تعدُّدياً، سيقوم على التنوُّع بين المكوّنات السورية، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحصل. تعرَّضت الأقليات لموجة عاصفة من التعدّيات، لم توفِّر الكنائس في دمشق ومناطق عدة من البلاد.
 
وفي 22 حزيران 2025، وقع انفجار انتحاري كبير في كنيسة مار الياس - الدويلعة، أودى بعدد من المصلّين. واليوم تتوالى التقارير عن أعداد كبيرة من المسيحيِّين في مختلف المحافظات السورية تغادر البلاد إلى المهاجر البعيدة، على رغم من الجهود التي يبذلها البطاركة والأساقفة. علماً أنّ هؤلاء تلقّوا "ضمانات" من الولايات المتحدة الأميركية، ودول الاتحاد الأوروبي، عن طريق الكرسي الرسولي، بأنّ الرئيس أحمد الشرع سيضع في سُلَّم أولوياته الدفاع عن التنوُّع في سوريا، وعدم المساس بالأقليات، وهي في الأساس عميقة الجذور في أرضها، وفي صلب التكوين التاريخي لبلادها.
 
وقد أحيط الفاتيكان علماً بما حصل ويحصل للمسيحيِّين في سوريا: لم يعُد أحد منهم في الجيش السوري الذي يُعمل على إنشائه. كما يُستبعَدون عن الوظائف العامة في الدولة، وهم كانوا يشكّلون نسبةً عالية في ملاكات الإدارة. وهذه حالهم في ملاك التعليم قبل أن يضمر عددهم وينكفئوا.
 
وفي فلسطين المحتلة، تدفع إسرائيل بالتنظيمات "المسيحية المتصهينة" لمضايقة من تبقّى من المسيحيِّين فيها والاعتداء عليهم، وإيذائهم، وقد نقلت وسائل الإعلام نماذج عن التعامل الصهيوني مع رجال الدين والراهبات في القدس، والعمل على منع هؤلاء من الاحتفال بالأعياد الكبرى. وثمة مَن يدّعي بأنّ هناك نموّاً مقبولاً للوجود المسيحي في إسرائيل، وهذا الادّعاء يفتقر إلى أدلّة، إلّا إذا كان أصحاب هذا القول يعتبرون أنّ المجموعات المسيحية المتصهينة (Christian Zionists) هم المعنيّون به.
 
وفي لبنان، قتلت إسرائيل - بصرف النظر عن الأسباب المتضاربة والتفسيرات المتناقضة - كاهن بلدة القليعة الأب بيار الراعي في غارة، وقصفت وجرفت دير يارون ومدرسة البلدة اللذَين تديرهما راهبات المخلّص في طائفة الملكيِّين الكاثوليك. كما دمَّرت مزار مار جرجس، وألحقت الأضرار الفادحة في كنيسة مار جاورجيوس في بلدة دردغيا، وخرَّبت كنيسة مار ماما الأثرية في بلدة دير ميماس، واعتدت على تمثال المسيح في دبل بطريقة مشينة، وأغارت جواً على كنيسة سيدة الانتقال في الحي المسيحي بالنبطية.
 
هذه الانتهاكات الإسرائيلية لاقت ردود فعل من قِبل السلطات الكنسية في لبنان، لم ترقَ إلى خطورة ما تمثله هذه الاعتداءات غير المسبوقة. لكنّ كل ما أصاب هذه المعالم وُثِّق عبر الـ Oeuvre D'orient، وبات في عهدة الفاتيكان الذي كان الأكثر حضوراً إلى جانب الناس في الجنوب، من خلال زيارات السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا إلى القرى الجنوبية الأمامية، وتواصل البابا لاوون الرابع عشر مع رعايا هذه القرى. ولا حاجة للتذكير بموقفه الرافض للحرب الذي كان مدرجة لموقف حاد ومتهوِّر من الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يسبق لأي رئيس دولة عموماً، وأميركي خصوصاً قد وجَّهه إلى خليفة بطرس رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم. على أنّ الردود اللبنانية على ترامب قد غابت بصورة شبه كلية، وهو الذي خصَّ لبنان بأول زيارة له في بداية حبريّته، خارج الحاضرة.
 
وإذا كان مسيحيّو العراق، سوريا، فلسطين: "لا حول لهم ولا" لأسباب تاريخية وديموغرافية، فإنّ مسيحيّي لبنان لا تسري عليهم هذه القاعدة. فهم من مكوِّنات لبنان الرئيسة، وقد تسلّموا الحُكم منذ العام 1920، ولهم تاريخ حافل بالعطاء والإبداع، وكانوا الأساس في نهضة لبنان، قبل أن يتدهور على النحو الذي شهدناه منذ العام 1975. حتماً ليسوا هم مَن تسبَّب بسقوط لبنان، لكنّهم يتحمّلون جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهم لم يُحسنوا قيادة الدولة، ويشاركهم في ذلك الآخرون دفعاً لحصر المسؤولية بفئة، لكنّهم أيضاً مارسوا التدمير الذاتي في حق بعض البعض، ودخلوا في حروب إلغاء سياسية وغير سياسية، أدّت إلى اتساع دائرة الهجرة إلى الخارج وتصدير طاقاتهم الشابة إلى الدول الغربية والعربية، سعياً وراء الأمان والبحبوحة، بعيداً من أوطانهم. فيما لم تكن المواكبة الكنسية على المستوى الاجتماعي على قدر التحدّي الكبير، على رغم من مبادرات متفرِّقة. وربما هذا ما جعل البعض يرى ضعفاً يغزو النبض المسيحي في البلاد، فسوَّغ لنفسه التعرُّض له من خلال استهداف رأس الكنيسة المارونية والمسيحيِّين كمجموعة، ممّا أظهر تنامي الإنفلات من الضوابط الأخلاقية. وهو استهداف مرفوض، لا لأنّه يطال مجموعة لبنانية أصيلة، لها حضورها وتاريخها فحسب، بل لأنّه ولّاد فتنة يجمع كل الأطراف على رفضها. لكن كيف ذلك، إذا كان عنان الألسنة يتمرَّد على أي نواه؟
 
المسيحيّون أمام تحدٍّ وجودي، لا يبدو أنّ أحداً من القيّمين عليهم، أو يفترض أنّهم قيّمون عليهم، طرح مبادرة جادة للخروج لمواجهته بوحدة كلمة وصف. فبعد محاولات حروب الإلغاء بالبارود والنار، تزداد هذه الحروب سعيراً عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وكأنّهم لم يتنبَّهوا للخط الإنحداري الذي لازم وضعهم منذ منتصف ستينات القرن المنصرم لئلّا نَقُل قبل.
 
والسؤال الذي يكرّر نفسه، هل أنّ وضع هؤلاء يتلازم مع أوضاع إخوتهم في الدين بسوريا، والعراق وفلسطين، إنطلاقاً من القاسم المشرقي الذي يطبع وجودهم؟
 
لا أجوبة واضحة قبل معرفة ما سترسو عليه الحرب من نتائج: سلام عادل، متوازن، أو إنفلات عاصٍ على اللجم للعصبيات الدينية والمذهبية والعرقية؟
 
المصدر: الجمهورية