العلمانية
الطوارق والجهاديون.. لقاء السلاح واختلاف الأهداف

العرب اللندنية

الأربعاء 6 أيار 2026

تشكل الهجمات غير المسبوقة في مالي، التي نفذها جهاديون مرتبطون بتنظيم القاعدة بالتعاون مع حلفائهم من الطوارق في “جبهة تحرير أزواد”، امتدادا لسياق طويل من الصراع المركّب في البلاد، حيث تتداخل العوامل الأمنية مع الأبعاد العرقية والسياسية.
 
في قلب الساحل الأفريقي، حيث تتقاطع الهشاشة الأمنية مع تعقيدات الهوية والسياسة، تعود مالي إلى واجهة المشهد الإقليمي بوصفها ساحة اختبار لتحالفات غير تقليدية تعيد رسم خرائط النفوذ. فالهجمات الأخيرة التي طالت مواقع إستراتيجية، ووصلت تداعياتها إلى مشارف العاصمة باماكو، لا تمثّل مجرد تصعيد عسكري عابر، بل تعكس تحوّلا نوعيا في طبيعة الصراع، مع بروز تقاطع مصالح بين قوى جهادية وانفصالية طالما فرّقتهما الأهداف. وبينما يبدو هذا التقارب تكتيكيا في ظاهره، فإنه يحمل في طيّاته احتمالات إعادة إنتاج سيناريوهات سابقة، ولكن بشروط أكثر تعقيدا وخطورة.
 
وأعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، فرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل الأفريقي، في أواخر أبريل مسؤوليتها عن سلسلة هجمات نُفّذت بالتعاون مع متمرّدي الطوارق في “جبهة تحرير أزواد”.
 
ومن خلال مهاجمة مواقع إستراتيجية يسيطر عليها المجلس العسكري الحاكم في عدد من المدن الكبرى وعلى أطراف العاصمة باماكو، تمكّن المسلحون من السيطرة على مدينة كيدال الشمالية، وقَتْل وزير الدفاع ساديو كامارا.
وسارعت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إلى إعلان انتصارها، عازية إيّاه إلى “العمل الدؤوب” و”المشاركة الفاعلة لإخوتنا في جبهة تحرير أزواد”، علما أن الحركة الانفصالية التي تأسست في العام 2024 تسعى إلى استقلال إقليم أزواد في شمال مالي.
 
وتشكل الهجمات غير المسبوقة في مالي، التي نفذها جهاديون مرتبطون بتنظيم القاعدة بالتعاون مع حلفائهم من الطوارق في “جبهة تحرير أزواد”، امتدادا لسياق طويل من الصراع المركّب في البلاد، حيث تتداخل العوامل الأمنية مع الأبعاد العرقية والسياسية. فمنذ استقلال مالي عام 1960، ظلّ الشمال، ولاسيما إقليم أزواد، بؤرة توتر مزمنة نتيجة شعور الطوارق بالتهميش الاقتصادي والسياسي، ما دفعهم إلى حمل السلاح في موجات تمرّد متكررة.
 
غير أن التحوّل الأبرز في هذا المسار جاء مع أزمة عام 2012، حين تحالف متمردو الطوارق مع جماعات جهادية للسيطرة على مدن رئيسية في الشمال، قبل أن ينقلب هذا التحالف سريعا إلى صراع دموي بسبب التباين الجوهري في الأهداف. وبينما كان الطوارق يسعون إلى تحقيق حكم ذاتي أو استقلال، كانت الجماعات الجهادية تعمل على فرض مشروع أيديولوجي عابر للحدود قائم على تطبيق الشريعة الإسلامية.
 
ومنذ ذلك الحين، دخلت مالي في دوامة من عدم الاستقرار، تعاقبت فيها الحكومات، وصولا إلى سيطرة المجلس العسكري على الحكم في عام 2020، في ظل تدهور أمني متواصل وتراجع دور القوات الدولية، مقابل صعود نفوذ الفاعلين غير الحكوميين، بمن فيهم الجماعات الجهادية وشبكات التهريب العابرة للحدود.
 
التحالف لا يتمثل في السيطرة على العاصمة، بقدر ما يتركز على إعادة فرض النفوذ في الشمال، وإضعاف سيطرة الدولة
 
في هذا السياق، برزت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بوصفها إحدى أبرز أذرع تنظيم القاعدة في الساحل، مستفيدة من الفراغ الأمني وضعف مؤسسات الدولة، لتوسيع نطاق عملياتها وتعزيز حضورها في المناطق الريفية. في المقابل، أعادت الحركات الطارقية تنظيم صفوفها، وتبلورت في السنوات الأخيرة ضمن أطر جديدة، من بينها “جبهة تحرير أزواد” التي تأسست عام 2024، حاملة خطابا انفصاليا أكثر وضوحا.
 
على الرغم من التناقض البنيوي بين المشروعين الجهادي والانفصالي، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى نشوء تحالف قائم على قاعدة “العدو المشترك”، المتمثل في المجلس العسكري الحاكم في باماكو، وداعميه، ولاسيما القوات شبه العسكرية الروسية. وقد تُوّج هذا التقارب باتفاق تعاون ينظّم تقاسم الأدوار بين الطرفين، بحيث تتولى “جبهة تحرير أزواد” إدارة المراكز الحضرية، فيما تسيطر الجماعات الجهادية على المناطق الريفية.
 
هذا الترتيب يعكس براغماتية واضحة لدى الطرفين؛ إذ يسعى الطوارق إلى الاستفادة من الخبرات العسكرية للجهاديين، خاصة في مجال استخدام العبوات الناسفة وقذائف الهاون، بينما تجد الجماعات الجهادية في هذا التحالف فرصة لتعزيز حضورها داخل المدن، عبر واجهة محلية أقل إثارة للحساسية الدولية.
 
وقد تجلّى هذا التعاون ميدانيا في الهجوم المشترك على مدينة كيدال، التي استعادت الفصائل السيطرة عليها، إضافة إلى عمليات متزامنة في مدينة غاو، ما يؤكد أن الاتفاق لم يعد حبرا على ورق، بل دخل مرحلة التطبيق الفعلي.
 
وتشير المعطيات إلى أن الهدف المباشر لهذا التحالف لا يتمثل في السيطرة على السلطة في باماكو، بقدر ما يتركز على إعادة فرض النفوذ في الشمال، وإضعاف قدرة الدولة على بسط سيطرتها. فالهجمات المنسقة ساهمت في تشتيت قدرات الجيش، وفرضت عليه حالة من الدفاع المستمر، ما أتاح للمسلحين تحقيق مكاسب ميدانية سريعة.
 
غير أن هذا النجاح التكتيكي قد يمهّد، في مرحلة لاحقة، لمحاولات أوسع تهدف إلى إحداث تغيير في موازين القوى داخل العاصمة، سواء عبر الضغط العسكري أو من خلال استثمار حالة الارتباك السياسي. وفي هذا السياق، يبرز غياب ردّ فعل حاسم من قبل القيادة العسكرية، وتأخر ظهور رئيس المجلس العسكري، كمؤشر على حجم الصدمة التي أحدثتها هذه الهجمات.
 
يثير هذا التحالف الجديد تساؤلات جدية حول احتمال تكرار سيناريو عام 2012، حين انهار التحالف بين الطوارق والجهاديين بعد فترة وجيزة من تحقيق مكاسب مشتركة. فالتباين في الأهداف يظل عاملا بنيويا قد يقود إلى صدام مستقبلي، خاصة مع بدء مرحلة إدارة المدن، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع متطلبات الحكم والخدمات.
 
ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن التحالف الحالي قد يكون أكثر تماسكا، على الأقل في المدى القصير، نظرا لوجود تفاهمات أكثر وضوحا حول تقاسم النفوذ، إضافة إلى إدراك الطرفين لكلفة الانقسام في ظل ضغط عسكري متزايد من الدولة وحلفائها.
 
لا يقتصر تأثير هذه التطورات على الداخل المالي، بل يمتد إلى مجمل منطقة الساحل، التي تعاني أصلا من هشاشة أمنية متفاقمة. فنجاح هذا النموذج من التحالفات قد يشجّع جماعات مماثلة في دول مجاورة، مثل النيجر وبوركينا فاسو، على تبني مقاربات مشابهة، ما ينذر بتوسّع رقعة عدم الاستقرار.
 
كما أن تراجع دور القوى الدولية، مقابل صعود فاعلين جدد، يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل المقاربات التقليدية لمكافحة الإرهاب، التي ركزت أساسا على البعد العسكري دون معالجة الجذور السياسية والاقتصادية للصراع.
 
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة في مالي عن مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بمرونة أكبر لدى الفاعلين غير الدولتيين، وقدرتهم على تجاوز التناقضات الأيديولوجية لصالح أهداف مرحلية. غير أن هذا التحالف، على الرغم من زخمه الحالي، يظل محفوفا بتناقضات عميقة قد تعصف به في أي لحظة، خاصة مع انتقاله من منطق الحرب إلى تحديات الحكم والإدارة.
 
وبينما يقف المجلس العسكري أمام اختبار وجودي، تبدو مالي أمام مفترق طرق حاسم: إما الانزلاق نحو مزيد من التفكك، أو استغلال هذه اللحظة لإعادة بناء عقد سياسي جديد يعالج جذور الأزمة. وفي غياب رؤية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية الضيقة، قد تتحول التحالفات الهشّة اليوم إلى واقع دائم، يعيد إنتاج الفوضى في شكل أكثر تعقيدا واتساعا.