العلمانية
حين تتحوّل حاجات المجتمع إلى «رمز طائفي»: هل بإمكان الدولة أن تضبط مافيا المولّدات؟

زينب بزي

الخميس 30 نيسان 2026

لم تكن حادثة ساقية الجنزير هي الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة. هي ليست تفصيلاً أمنياً عابراً، بل نموذجٌ مُكثّفٌ عن كيفية إدارة هذا البلد، أو عن غياب هذه الإدارة أساساً. ما جرى هناك ليس إلا نتيجة طبيعية لمسار طويل من التفكّك المؤسّساتي، بعد تخلّي الدولة عن أحد أبسط واجباتها: تأمين الكهرباء. ومن هذا الفراغ، وُلد ما يُسمّى «قطاع المولّدات»، لا كحلّ منظّم، بل كاقتصاد ظلٍّ متفلّت، نشأ خارج أي تخطيط، وترعرع برعاية سياسية ومناطقية واضحة، إلى أن تحوّل إلى منظومة قائمة بذاتها، أقرب إلى «كارتيل» مُحصّن من المُساءلة.
 
المشكلة، إذاً، لا تكمن في المولّدات بحدّ ذاتها، بل في الطريقة التي وُلد فيها هذا القطاع وكيف تُرك لينمو بلا ضوابط. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، كان يُفترض أن تكون المولّدات حلّاً مؤقّتاً لسدّ انهيار البنية التحتية، لكنّ سياسات الترقيع والتأجيل، المقرونة بالهدر والاستدانة، كرّست هذا «المؤقّت» كأمر واقع دائم.
 
ومع الوقت، توسّعت هذه الشبكة، وتوزّعت جغرافياً وفق خرائط نفوذ غير مُعلنة، لكل منطقة «سيّدها» الكهربائي، ولكل حيّ صاحب مولّد يفرض شروطه، ويحدّد التسعيرة الفعلية، ويتحكّم بساعات التغذية، من دون أي رادع فعلي.
 
هكذا، لم يعد المواطن مجرّد مشترك في خدمة، بل رهينة لدى مزوّد يحتكر حاجة أساسية للحياة. وفي حالات كثيرة، تحوّل التيار الكهربائي إلى مسألة حياة أو موت، خصوصاً لمن يرتبط بقاؤهم بأجهزة طبية أو ظروف صحية حساسة. وما شهدناه سابقاً من حالات اختناق أو معاناة نتيجة انقطاع الكهرباء ليس استثناءً، بل نتيجة مباشرة لهذه الفوضى المنظّمة.
 
ولم تقف الأمور عند حدود الاستغلال المالي أو التحكّم بالتغذية، بل تعدّتها إلى تكريس نوع من «السلطة المحلية» لأصحاب المولّدات. فالانتقال من مولّد إلى آخر، في كثير من الأحياء، ليس قراراً فردياً بسيطاً، بل عملية محفوفة بالمخاطر، تتطلّب موافقة «المالك الأول». وفي حال اعتُبر الأمر تمرّداً، قد يُعاقب المواطن بالحرمان الكامل من الكهرباء، في مشهد يعكس انهيار أبسط قواعد السوق والحق.
 
المفارقة أنّ الشقّ الوحيد الذي حاولت الدولة التدخّل فيه هو تحديد التسعيرة الشهرية. لكن حتى هذا التدخّل بقي شكلياً إلى حدّ بعيد. فالتسعيرة الرسمية تُعلن بجدول شهري يحدّد سعر الكيلوواط على أسس واضحة، لكن «على من توزّع جداولك يا وزير» وسط هذه المافيا التي تفرض أسعارها على المشتركين بذريعة ساعات إضافية، وتقطع الاشتراكات لأنّ فلاناً اشتكى إلى شركة الكهرباء أو قرّر الوقوف بوجه صاحب المولّد، أو حتى تفرض رسوماً لا تبرير لها بكل بساطة.
 
عملياً، «الدولة» اكتفت بدور المشاهد الذي لا يحرّك أدوات فعلية للرقابة أو للمحاسبة. وهذا ثابت بالأرقام. بعض الفواتير في الشهر الماضي تجاوزت تسعيرة الدولة بأكثر من 80%، أي إنّ السرقة صارت «وقاحةً» واستخفافاً فاضحاً بقرارات الدولة. وعندما تقرّر الأخيرة، نادراً، أن تمارس شيئاً من هذه المحاسبة، تنفجر الأمور على نحو يشبه ما حصل في ساقية الجنزير. فجأة، يتحوّل الملف من قضية تنظيم قطاع ومحاسبة مخالفات، إلى نزاع طائفي صرف.
 
الواقع، أنه أعيد تأطير مداهمة ساقية الجنزير وكأنّها استهداف لطائفة أو منطقة، أو كأنّها نزاع له جذور اجتماعية طائفية بين نازحين وسكان أصليين. وعلى هذا الأساس استدعي خطاب العصبية للدفاع عن «الكرامة» بدلاً من فرض سيادة القانون. والأخطر أنّ الأصوات التي ترفع شعار الدولة ليلَ نهارَ، تنخرط بلمح البصر في هذا الخطاب، فتدافع عن المخالِف تحت عنوان حماية الجماعة، وفجأة يتحوّل صاحب المولّد إلى رمز طائفي لا يجوز المساس به. فالدولة مطلوبة ما لم تمسّ بشخص من الطائفة العائد إليها المُطالب بها، أمّا إذا حصل العكس، فهي غير مرغوبة.
 
ولا يمكن فصل ما جرى عن واقع القضاء نفسه، الذي يُفترض أن يكون المرجع الأخير لضبط هذا الانفلات. فالمشكلة لا تتوقّف عند غياب الرقابة الإدارية أو تقاعس الأجهزة التنفيذية، بل تمتد إلى سلطة قضائية تُستنزف تحت وطأة الضغوط السياسية والطائفية. في لحظة المُلاحقة، يتحوّل القاضي من صاحب صلاحية إلى موقع مُستهدف. وهكذا، بدلاً من أن يشكّل القضاء أداة لكسر احتكار المولّدات وضبط مخالفاتها، يصبح جزءاً من مشهد التعطيل، إمّا عبر التردّد، أو عبر الالتفاف على الإجراءات، أو عبر تفريغ القرارات من مضمونها. النتيجة أنّ أي محاولة جدّية للمحاسبة لا تُواجه فقط برفض أصحاب المولّدات، بل بجدار أوسع من الحماية السياسية، ما يُسقِط فكرة العدالة من أساسها ويحوّل القانون إلى نصّ قابل للتعليق عند أول اختبار نفوذ.
 
أمّا الأكثر سخرية ومرارة في آن، فهو أنّ أول المدافعين عن صاحب المولّد يكونون في كثير من الأحيان أبناء المنطقة أنفسهم، أي أولئك الذين يدفعون يومياً كلفة هذا الاحتكار، ويخضعون لشروطه. يدافعون عمّن يستغلّهم، ويواجهون أي محاولة للمحاسبة وكأنها اعتداء عليهم ويصبح «حصر السلاح» فكرة رجعية. هنا، لا تعود المسألة مجرّد خلل إداري أو تقصير رسمي، بل تتحوّل إلى بنية ذهنية كاملة تُعيد إنتاج الأزمة وتحميها.
 
في المحصّلة، حادثة ساقية الجنزير ليست استثناءً، بل مرآة. مرآة للدولة والمجتمع الذي أُنتج في غيابها. ما جرى ليس إلا فضيحة منظومة تحوّل فيها الاحتكار إلى «حقّ مُكتسب» محميّ سياسياً، والمحاسبة إلى «اعتداء» طائفي. الأخطر أنّ المجتمع، وفي كل مرّة، يعيد إنتاج هذا الواقع، مدافعاً عن المافيات التي تستغلّه، أو مهاجماً لأي محاولة لكسر هذه الحلقة. المجتمع يتكيّف مع غياب الدولة.
 
المصدر: الأخبار