العلمانية
اليمين الأوروبي المتطرف بعد حرب ترامب.. شعبويون بلا شعبية

عمّار الجندي

الأربعاء 22 نيسان 2026

فيما يدير الناخب الأوروبي ظهره لحلفائه الأوفياء ويتحول أصدقاؤه المقربون إلى خصوم، وتقول شعوب القارة إنه بات خطراً عليها، يمضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحرب على إيران في مسار متوتر يتأرجح بين تفاؤل هش سرعان ما ينسفه التهديد والوعيد. في الأثناء، تتراكم الخسائر ويبدو الخروج من دوامة الصراع بعيد المنال. 
 
وإذ يستعد قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) لبناء تحالف مستقل عن الولايات المتحدة، تتنامى المعارضة بين الأميركيين للرئيس، وتروج روايات عن أمراضه النفسية والفيزيولوجية المزعومة وسيناريوهات عن سُبل تجريده من صلاحياته بسبب "عدم الاهلية"! 
 
صدمة ميلوني
 
خرّبت الحرب صداقته مع جورجيا ميلوني، رئيسة الوزراء الإيطالية التي كانت أقرب الزعماء الأوروبيين إليه وطالما وصفها بـِ "العظيمة". لم تستجِب لطلبه بدخول الحرب أو بالسماح لطائراته استعمال قواعد بلادها. ومع ذلك، دفعت ثمناً باهظاً لعدم إدانة الحرب، إذ خسرت الاستفتاء الدستوري أواخر آذار/ مارس الماضي، وهذا ما قلّل من هيبتها كزعيمة كانت "لا تهزم".
 
الرئيس الأميركي نسي كل حسناتها التي تغنّى بها عندما "صُدم" بتوبيخها اللطيف له لتهجمه على البابا ليو الرابع عشر! وفاته أن يتذكر أهميتها التي حملت فيكتور أوربان، أقوى حلفائه، على ترشيحها لزعامة اليمين المتشدد في أوروبا.
 
أوربان.. خسارة لا تعوض
 
و"المعلم" أوربان الذي يُعتبر مؤسس نزعة ترامب "الشعبوية القومية" في أوائل العقد الثاني من هذا القرن حين كان الرئيس لا يزال تاجر عقارات، هو الضحية الأولى التي أوقعتها عوامل من أبرزها حرب إيران والمودة التي تجمع بينه وبين من يشنّها. 
 
استمات سيد البيت الأبيض لإنقاذه باعتباره كان نموذجاً للحاكم الترامبي في أوروبا خلال وجوده في السلطة لـِ 16 عاماً. إلا أن دعمه أدى إلى نتيجة معاكسة ودفع الناخبين الذين يعانون كغيرهم في القارة بسبب الحرب التي اختار أن يخوضها، إلى إلحاق هزيمة منكرة بـ"الديكتاتور" صاحب نهج "الديمقراطية غير الليبرالية" في 12 نيسان/ أبريل الجاري. وسقوط عراب اليمين المتشدد الذي كان يوزع التبرعات السخية على رفاقه الإيديولوجيين ويساعدهم على تثبيت أقدامهم في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها، يمثل خسارة جسيمة بالنسبة إلى ترامب وتياره الشعبوي. 
 
والواقع أن أوربان، حاول اللعب على مشاعر ناخبيه المعارضين لحرب إيران، فتحفّظ عليها باعتباره يقف ضد الحروب ويدّعي العمل باجتهاد لإنهاء القتال في أوكرانيا. لكن هذا لم ينطلِ على المجريين. فهو متُهم سلفاً بتأدية دور رسول السلام لخدمة حليفه الآخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو دور يتناقض مع تأييده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحربه على غزة. 
 
يساريون وشعبويون
 
في المقابل، تعزّز موقع رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز محلياً وأوروبياً بعد أن وضع النقاط على الحروف بجرأة. وشهدت أسهم نظيره البريطاني كير ستارمر ارتفاعاً نسبياً لتعامله بحكمة مع طلبات ترامب وإساءاته المتتالية وإصراره على عدم التورط في الحرب التي قوضت على الأغلب "العلاقة الخاصة" المفترضة بين البلدين تاريخياً.
 
وأخذ قادة اليمين الأوروبي المتطرف أيضاً ينأون بأنفسهم عن صديقهم الصدوق، حرصاً منهم على عدم استعداء شعوبهم. هكذا رفض الرئيس البولندي كارول نافرونسكي إشراك بلاده في الحرب نزولاً عند رغبة الزعيم الأميركي الذي سانده بعد ترشيحه من قبل حزب القانون والعدالة اليميني المتطرف، واستقبله في البيت الأبيض بعيد فوزه العام الماضي. وتبنت أليس فايدل زعيمة "البديل" الألماني، ومارين لو بان زعيمة حزب "التجمع الوطني" الفرنسي المتطرف، مواقف مخالفة لسياسة ترامب الخارجية التي تقوم على "التدخل" في شؤون الاخرين، وانتقدتا حربه على إيران التي اعتبرتها فايدل "كارثة".
 
ويدل هذا على أن الشعبويين يقرأون بشكل صحيح مؤشرات التغير في توجهات الناخبين التي توحي أنهم صاروا يخشون الزعيم الأميركي وعواقب سياساته. فقد خلُص استطلاع أجرى في تسع من دول القارة إلى أن 48٪ من الأوروبيين يرون أن ترامب هو "عدو أوروبا". ووصلت نسبة أصحاب هذا الرأي في بلجيكا إلى 60% وفي فرنسا إلى 57%. 
 
خطورة ترامب
 
ليس غريباً أن يشعر بهذا الخوف المتفاقم، أولئك الذين تثقل كاهلهم أعباء تكلفة المعيشة المتضخمة بسبب تداعيات الحرب على أسعار الطاقة وفرص العمل والامن الاقتصاد وانسداد أفق الخلاص.
 
إلا أن الحل آتٍ عاجلاً أم آجلاً. وعندها قد ترجح كفة خسائر الرئيس في جردة الحساب النهائية، كما يتوقع كثيرون، بمن فيهم بعض أنصاره السابقين. وربما يتحول الجفاء بينه وبين وحلفائه الأوربيين إلى قطيعة دائمة، ويصرّ معارضو حربه وأدائه المضطرب وعلاقته بإسرائيل و نتنياهو، على استبداله بنائبه جاي دي فانس. فهل تواصل "ماغا" تمددها في الغرب في مرحلة ما بعد ترامب؟
 
التجارب الأخيرة تنذر بأن الحركات الشعبوية الأوروبية التي تشاطر "ماغا" الكثير من أحلامها، لن تنجو من عواقب "كارثة" الحرب ودخول الزعيم "مرحلة عدمية" هي "النسخة الأشدّ خطورة لهذا الرجل"، على حدّ تعبير أنتوني سكاراموتشي، الناطق الأسبق باسم البيت الأبيض.
 
 
المصدر: المدن