"صكوك السلم الأهلي" في سوريا.. بديل هش عن العدالة؟
المدن
الإثنين 20 نيسان 2026
في أعقاب التوترات الأمنية التي شهدتها مدينة السقيلبية ذات الأغلبية المسيحية في ريف حماة، برزت مجدداً "صكوك السلم الأهلي" كأداة تقليدية لاحتواء الأزمات المحلية.
جاء ذلك بعد توقيع اتفاق صلح رضائي بين وجهاء من السقيلبية وقلعة المضيق بريف حماة، عقب حادثة بدأت بمشاجرة فردية بين شابين قبل أن تتطور إلى احتكاكات جماعية، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات عميقة حول فعالية هذه الصكوك في منع تجدد النزاعات، خصوصاً في بيئات اجتماعية حساسة ومتداخلة طائفياً.
احتواء سريع لتوتر قابل للتصعيد
الاتفاق الذي جرى برعاية رسمية محلية، نصّ على جملة من الإجراءات الهادفة إلى امتصاص الاحتقان، أبرزها تشكيل لجنة بإشراف محافظ حماة وإدارة المنطقة لحصر الأضرار وتعويض المتضررين ماديا ومعنوياً، إلى جانب إسقاط الدعاوى القضائية المرتبطة بالحادثة بعد استكمال التعويضات، والتعهد بعدم تكرار ما حدث.
كما شدد الطرفان على أهمية احترام الخصوصيات الاجتماعية والعادات والتقاليد، في محاولة لإعادة ترميم الثقة بين المجتمعين المتجاورين.
ويعكس هذا النوع من الاتفاقات نهجاً متكرراً في مناطق سورية عدة، حيث يتم اللجوء إلى الوساطات الاجتماعية والعشائرية لاحتواء النزاعات بسرعة، تفادياً لتوسعها أو تحولها إلى صراعات أوسع ذات طابع طائفي.
الأعراف في مواجهة القانون
غير أن هذا المسار لا يحظى بإجماع، إذ يرى منتقدون أن "صكوك السلم الأهلي" قد تتحول إلى بديل هش عن مؤسسات الدولة والقضاء.
ويرى عضو مجلس الرعية لمطرانية حماة وريفها رائد صباغ، أن هذه الصكوك لا تسهم في حل جذري للمشكلة، واصفاً حالة الهدوء الناتجة عنها بأنها مؤقتة وقابلة للانهيار، حسب تعبيره.
ويشير صباغ في حديث لـِ "المدن"، إلى أن نجاح هذه الآليات يرتبط أساسا بغياب الدولة، مضيفاً أن وجود نظام قانوني فعّال بعقوبات رادعة يجعل من هذه الحلول غير ذات جدوى. كما يثير مسألة تمثيل الوجهاء المشاركين في الصلح، متسائلاً في ذات الوقت عن مدى تعبيرهم عن غالبية السكان، ومشيراً إلى أن إشراك شخصية متهمة بالتورط في الأحداث قد يفاقم الاحتقان بدلا من احتوائه.
وفي انتقاد أكثر حدة، يقول إن هذه التسويات "قد تساوي بين الضحية والجلاد، ما يضرب مفهوم العدالة ويقوض ثقة المواطنين بالدولة"، محذراً من أن هذا النهج قد يفتح الباب أمام تكرار النزاعات مستقبلا، حسب وجهة نظره.
تأجيل لا حل
من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي إبراهيم قيسون، أن ما جرى في السقيلبية يعكس انقساماً في الروايات بين الطرفين، معتبراً أن "صكوك السلم الأهلي لا تعالج جذور المشكلة بقدر ما تؤجلها". ويشدد في حديثه لـِ "المدن"، على أن الحل الحقيقي يكمن في وجود إطار دستوري واضح يحدد الحقوق والواجبات، ويخضع له الجميع دون استثناء.
ويضيف أن غياب مرجعية قانونية موحدة وفعالة يفتح المجال أمام حلول مزاجية أو خاضعة لموازين القوى المحلية، وهو ما قد يكرس حالة من عدم الاستقرار على المدى الطويل، بدلا من بناء سلام مستدام قائم على العدالة والمؤسسات.
صكّ سلم أهلي شامل لإنقاذ سوريا
بدوره، يقول المدير التنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان جميل دياربكرلي، لـ "المدن"، إنه في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها بلادنا، "نؤكد أن المسؤولية التاريخية تحتم علينا اليوم التعامل بجدية قصوى مع أي إشكال يطرأ، مهما بدا صغيراً؛ فالتجاهل ليس خياراً، واحتواء الأزمات في مهدها بالطرق الصحيحة هو السبيل لمنع الانزلاق نحو المجهول".
ويتابع: "نحن نشجع دائماً وأبداً على تبني الحلول العامة والشاملة بدلاً من الحلول الترقيعية المؤقتة، فالمسكنات لا تبني وطناً، وحل المشكلة بشكل سطحي أو جزئي يعني بالضرورة عودة السلبيات للظهور في مكان آخر وبشكل ربما يكون أعنف. إننا بحاجة إلى علاج عام وجذري ينهي مسببات الخلل من جذورها".
ويؤكد دياربكرلي أن سوريا اليوم "بحاجة ماسة إلى صياغة صك سلم أهلي عام، وبلورة عقد اجتماعي حقيقي يضمن تمكين جميع المواطنين، على اختلاف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم ومذاهبهم، من الاشتراك الفعلي في إدارة البلاد".
ويقول إن "هدفنا هو الوصول إلى دولة المواطنة التي لا يشعر فيها أحد بأنه مغبون، حيث تختفي ثنائية 'الظالم والمظلوم' وتذوب عقلية 'الغالب والمهزوم'، وهذا التشارك هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الأزمات، وهو الطريق الوحيد لبناء مستقبل مستقر يصون كرامة الجميع ويحفظ وحدة النسيج السوري".
دفاع عن الصكوك
في المقابل، يدافع مسؤولون محليون عن هذه الآليات باعتبارها جزءاً من النسيج الاجتماعي التقليدي في المنطقة. ويقول مدير منطقة الغاب فايز لطوف، لـِ "المدن"، إن "الأعراف والتقاليد تلعب دوراً محورياً في حل الخلافات بين السكان، من خلال جلسات صلحية تفضي إلى اتفاقات موثقة تحظى بقبول الطرفين".
ويشير لطوف إلى أن هذه الصكوك تتيح حلولا سريعة، "بعيداً عن تعقيدات وإجراءات المحاكم الطويلة، ما يسهم في تخفيف الاحتقان ومنع تصعيد النزاعات". كما يلفت إلى وجود نماذج مؤسساتية متشابهة في مناطق أخرى، مثل مجلس الصلح العام في الشمال السوري، الذي يضطلع بدور مواز للقضاء في حل النزاعات غير الجنائية.
وبحسب لطوف، فإن هذه الآليات لا تلغي دور الدولة، بل تكمله في بعض الحالات، خاصة عندما تكون القضايا ذات طابع اجتماعي أو شخصي، مؤكدا أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على الود الاجتماعي ومنع تكرار الحوادث عبر ضمانات يقدمها كلا الطرفين.
في المحصلة، يبدو أن "صكوك السلم الأهلي" تمثل أداة ذات حدين: فهي من جهة تسهم في منع الانفجار الفوري للنزاعات، ومن جهة أخرى قد تؤجل معالجتها الحقيقية إذا لم تترافق مع مسار قانوني ومؤسساتي واضح.